هزة الانشقاق في الدعم السريع

هزة الانشقاق في الدعم السريع

24-10-2024 11:01 PM

انشقاق أحد القادة الكبار عن «قوات الدعم السريع»، وهو أبو عاقلة كيكل، مطلع هذا الأسبوع، وإعلان انضمامه للقتال في صفوف الجيش، أحدث هزة كبيرة في صفوف هذه القوات، وسلط الضوء مجدداً على ما هو أخطر في الحرب السودانية التي دخلت الآن شهرها التاسع عشر.

الواقع أن الهزة والارتباك في صفوف «قوات الدعم السريع» بعد سلسلة من الهزائم والانتكاسات في عدد من المحاور العسكرية، لا سيما في الخرطوم ودارفور وولاية سنار، ظهرا حتى قبل انشقاق كيكل. فخطاب قائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي) قبل أسبوعين وبعد هزيمة قواته في منطقة جبل موية الاستراتيجية بولاية سنار، كان مرتبكاً هاجم فيه مصر وأميركا والاتحاد الأوروبي وأطرافاً أخرى، ودعا إلى تجنيد مليون مقاتل في صفوف قواته، ثم قال إنه يعفو عن كل من يرمي سلاحه، قبل أن يعود للهجوم على المتخاذلين الذين لا يريدون القتال. لكن قبل أن يخبو الجدل حول ذلك الخطاب، جاء انشقاق قائد قواتها بولاية الجزيرة، لا ليؤكد حجم الارتباك فحسب، بل ليضع ممارسات «قوات الدعم السريع» ضد المواطنين في دائرة الضوء مجدداً.

جاء رد الفعل على الانشقاق جنونياً وانتقامياً وموجهاً ضد مواطني الجزيرة، وتحديداً في المناطق والحواضن الاجتماعية التي ينتمي إليها كيكل، ثم امتد أبعد من ذلك في شكل تهديدات موثقة في فيديوهات وتسجيلات من مسلحي «الدعم السريع» وعدد من مناصريهم، موجهة ضد أهل الشمال والوسط. توالت التقارير ومناشدات الاستغاثة بعدما انطلقت هذه القوات تهاجم قرى شرق الجزيرة، وتقتحم بيوت المواطنين فتنهب وتخرب وتقتل، كما تم تسجيل حالات اغتصاب، وعمليات تهجير قسري للمواطنين تحت تهديد السلاح.

ظهر ضابط من «الدعم السريع» في مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع، يوجه التعليمات لمقاتليهم لارتكاب جرائم ضد المواطنين، ويصف لهم وسائل لتعذيب مَن يعتقلونهم للحصول على معلومات وقوائم بأسماء عشرات المواطنين والتجار والنساء لإبادتهم، ويقول إنهم جربوا وسائل التعذيب هذه من قبل وكانت ناجحة. بعدها يوجه المقاتلين بعدم تصوير ممارساتهم هذه وعمليات القتل أو بثها في المنصات، لكي لا تكون شاهداً عليهم بالطبع.

كذلك ظهر آخرون من مسلحي «قوات الدعم السريع» يتوعدون الناس بالانتقام ويتوجهون بالتهديدات لأهل الشمال ويضعون حربهم بالكامل في دائرة العصبية والجهوية والانتماء إلى حواضنهم القبلية بامتداداتها مع عرب الشتات الأفريقي. أحد الذين ظهروا في مقاطع الفيديو هذه كان يتحدث بلهجة غير سودانية، وآخر صور نفسه وهو يبث السموم والأحقاد، ويظهر روحاً عنصرية ضد أهل شمال السودان والوسط، إذ يقول عن انشقاق كيكل: «ماذا نتوقع من كيكل، فهو شمالي». وبعدها يدعو زملاءه من مسلحي «الدعم السريع» إلى الاعتداء على كل مَن هو شمالي، وإلى نهب وتدمير كل ممتلكات للشماليين من دون تمييز.

لم يكن هذا كل شيء إذ ظهرت فيديوهات لمقاتليها وهم يعتقلون ويعذبون ويهددون عدداً من زملائهم من المنتمين لمنطقة الجزيرة بشبهة أنهم من «جماعة كيكل». وبثّوا أيضاً مقطعاً عن اعتقالهم لأحد قيادييهم، وهو سفيان محمد بريمة، النقيب المتمرد على الجيش (كما كان يحلو له دائماً الإشارة إلى نفسه منذ انضمامه لقوات الدعم السريع)، لأنهم اشتبهوا في أنه كان أيضاً في طريقه للانشقاق عنهم، ووردت أخبار لاحقاً في بعض المواقع عن أنهم قاموا بتصفيته.

هذه الممارسات ليست جديدة ولا غريبة على «قوات الدعم السريع»، فقد ارتكبها مسلحوها في دارفور، ووثقوا بأنفسهم في لحظات نشوة سادية لجرائم الإبادة الجماعية والعرقية التي قاموا بها عندما دفنوا أعداداً من شباب قبيلة المساليت وهم أحياء، وعندما أحرقوا قرى مكونات قبيلة أخرى في الولاية، وقتلوا سكانها، وأجبروا مئات الآلاف على النزوح.

الأمر ذاته حدث في الخرطوم التي تعمدوا تدميرها تماماً وبشكل منهجي، إذ لم تسلم المستشفيات والمراكز الخدمية، ولا المصانع والبنوك، أو الجامعات والمتاحف. جعلوها خراباً وأجبروا غالبية أهلها على الرحيل بعد عمليات الترهيب والقتل والاغتصاب.

الجزيرة ذاتها التي تشهد العمليات الانتقامية المروعة اليوم، ظلت تعاني عمليات قتل وتدمير وتهجير واسعة منذ أن دخلتها «قوات الدعم السريع» نهاية العام الماضي.

لقد تكشف للناس خطل شعارات جلب الديمقراطية التي رفعتها «قوات الدعم السريع»، مثلما فشلت محاولات استعارتهم شعارات الثورة، وتعثر خطابهم لتصوير الحرب على أنها ضد «دولة 56»، ومسعاهم لجعلها حرب الهامش على المركز. لكنهم بممارساتهم المتكررة في القتل والتدمير والنهب، حفروا هوة كبيرة بينهم وبين المواطن، دفنوا فيها أيضاً فرص السلام، وهي أصلاً كانت قليلة في ظل الاستقطاب المتزايد في المشهد السوداني.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الأشغال تسلم 4 مدارس جديدة وتباشر تنفيذ 11 مشروعا تعليميا

الأمانة العامة للنواب تحيل قرار حبس الرياطي للمستقلة للانتخاب بعد تسلمه

تعيين الحكم الأميركي إسماعيل الفاتح لإدارة مواجهة إنجلترا والأرجنتين

هجوم صاروخي على ناقلة أثناء عبورها قرب السواحل العُمانية

أسعار الذهب في السوق المحلية الثلاثاء

عبدالله النسور نائبا أول لرئيس مجلس الأعيان وهاني الملقي نائبا ثانيا

مصابون في قصف للاحتلال الإسرائيلي على غزة

الأردن يستورد هواتف خلوية بقيمة 84 مليون دينار بالنصف الأول من العام

تلفريك عجلون يقدم خصم خاص لزوار مهرجان صيف عمّان

الحكومة تنشر أبرز ملامح مشروع القانون المعدل لقانون الملكية العقارية

التربية تدعو مرشحي الدبلوم العالي لاختبار تنافسي إلكتروني

طرح عطاء لتخفيف الازدحامات المرورية على بوابة جسر الملك حسين

مستوطنون يخربون بيوتا بلاستيكية جنوبي نابلس

اتحاد النحالين: 60 نحالا يشاركون في نسخة 2026 من مهرجان العسل الأردني

إمكان الإسكان يشارك في قطف محاصيل مزرعة الدار بالتعاون مع دار أبو عبدالله

مقتل أميركية في إيرلندا .. البحث عن أردني غادر البلاد قبل اكتشاف الجريمة

وفاة سيدة أثناء الولادة تستنفر الأجهزة الأمنية في إربد

بعد مقتل جيمي كارني .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يصدر بيانًا رسميًا

زوجة قتلت زوجها ودفنته في ابو نصير .. تفاصيل صادمة

السلامي يوجّه رسالة مؤثرة للأردنيين بعد رحيله

استقالات مفاجئة تهز مجلس جامعة اليرموك .. ومصادر تكشف كواليس الخطوة

هيفاء وهبي تصل الأردن وتشعل الاهتمام قبل حفل الليلة .. ومفاجأة تجمعها بسانت ليفانت

جريمة تهز المواقع .. قتلت زوجها لأنه يحبها ويهتم بها .. صورة

مصر تودع كأس العالم وسط جدل تحكيمي .. ماذا قالت الصحافة الأرجنتينية عن حسام حسن؟

أول ثمار "مجلس السلام " خمط .. ؟

بعد المصادقة على حبسه .. الرياطي يفقد عضويته في النواب

قتيل واصابة بمحافظة جرش

تحذير من إحداث بلبلة والطعن في الغذاء الأردني عند إغلاق منشأة

السوسنة السوداء .. حكاية ترخيص أم أزمة حوكمة؟

هل تطوي الحكومة صفحة خالد البكار؟ رسائل المومني تفتح باب التهدئة والتعديل الوزاري