التنظيم الجيد وتقييم الأثر
استكمالا لما تناولته في المقال السابق المتعلق بنظام التنظيم الجيد وتقييم الأثر للتشريعات والسياسات والذي تحدثنا بأنه سيعزز من سيادة القانون ودعم مسيرة الإصلاحات لما يوفره هذا النظام من أداة قانونية متقدمة تضمن تكامل السياسات والتشريعات مع الواقع الميداني، فإنني أتابع الحديث عن النظام في هذا المقال من خلال تسليط الضوء على بعض المفاهيم الهامة التي تبناها واستعراضها بشيء من التفصيل، مع بيان بعض الجوانب التي نحتاجها لتمكين النظام من تحقيق الهدف المنشود من إقراره.
وباستقراء نصوص النظام، يتضح أننا أمام أداة مهمة من شأنها الإسهام في إصلاح التشريعات وضبط السياسات الحكومية بما يضمن تحقيق المصلحة العامة، ودفع عجلة التنمية الشاملة. إضافةً إلى أن هذا النظام يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع من خلال إدراجه لمفاهيم تحمل مضامين مؤسسية، سياسية وقانونية، لها ضرورة في بناء دولة القانون والمؤسسات.
ويبرز في مقدمة هذه المفاهيم مصطلح "التنظيم الجيد"، الذي لم يكن معروفًا بشكل منهجي في نظامنا القانوني من قبل. ويتعلق هذا المصطلح بحسن صياغة القانون بحيث يكون هناك أسباب واضحة لحاجتنا في إصدار تشريع جديد أو إجراء تعديل عليه، ومن ثم العمل على تقييمه وتحليله، وصولًا إلى مرحلة إشراك المجتمع في بناء السياسات العامة.
وتعد هذه الخطوة بمثابة انتقال حقيقي وجوهري في السياسة التشريعية في النظام القانوني الأردني، تعكس التحول النوعي من فلسفة "الإصدار" إلى "التأسيس"، ومن منطق "السلطة" إلى "الشراكة". وهذا مؤشر يكشف عن مدى التناغم بين أهداف النظام وتوجهات الدولة بالمضي نحو قطع شوط جيد في الإصلاح التشريعي بما ينسجم مع الرؤى الملكية السامية التي لطالما نادت بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من المؤسسات ويبنى على الشفافية والمساءلة والمشاركة.
وهذا المفهوم، كما يتضح، لا يقل أهمية عن مفهوم "تقييم الأثر" الذي يرتبط بممارسات الإدارة العامة الحديثة، ويكشف عن حصول تطور في منهجية التفكير في السياسة التشريعية. ذلك أن تقييم الأثر، سواء كان مسبقًا أو لاحقًا، يعد ركيزة أساسية في الإصلاح التشريعي والإداري، ويمنح صانع القرار إمكانية معرفة حجم التكلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لأي تشريع قبل إصداره. علاوةً على توفير رقابة مستقبلية تتيح إجراء تعديل مسار هذا التشريع إذا تبين أنه لم يحقق الأهداف المرجوة من تطبيقه، كأن يولد آثارًا سلبية غير متوقعة.
إن إدراج هذا المفهوم في النظام يتماشى مع الأنظمة القانونية المقارنة الحديثة التي تؤمن بأن التشريع يمتاز بالمرونة وقابل للتقييم والتصحيح والتطوير، وهو أمر يرفع من شأن المسؤولية الحكومية، وفيه احترام للشرائح المستهدفة من التشريع. كما يتماشى مع طبيعة المجتمع والحداثة التي طرأت عليه، ما يعني أن التشريع يبنى على المؤشرات بعيدًا عن الأوامر والتوجيهات فقط.
وما يلفت الانتباه بشكل ملحوظ هو تبني النظام لمفهوم يعد من أكثر المفاهيم ارتباطًا بالحياة العامة، وهو "التشاور العام"، الذي يكشف عن نية صريحة وحقيقية في تمكين المواطنين وإشراكهم في صنع القرار، من خلال إلزام الجهات المعنية في الحكومة بعمل مشاورات عبر المنصات الإلكترونية، والإعلان عنها على منصاتها الرسمية، ومن ثم إدراجها في دراسات تقييم الأثر.
وبرأيي، أن تبني هذا المنهج يعد نقلة نوعية مميزة تستوجب التثمين والتقدير، لأن هذا الأمر يعزز من العلاقة بين الدولة والمواطن، ويصحح مسار العمل التشريعي بحيث يتجاوز الغرف المغلقة إلى فضاء عام مفتوح قائم على الحوار والاقتراح والنقد البناء بكل شفافية، وبالتالي تعزيز الثقة بين مؤسسات الدولة من جهة، وجعل التشريعات انعكاسًا حقيقيًا لأولويات الناس دون الشعور بأنها مفروضة عليهم من جهة أخرى.
ومن المسائل اللافتة أيضًا في النظام والتي لابد من الوقوف عليها هو مفهوم "الفئة المستهدفة"، التي تعني شمول كل من يتأثر بالتشريع سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وهذا يعكس النضج التشريعي الواضح من خلال التوسع في تعريف الأطراف المعنية دون اقتصاره على مصالح فئة أو قطاع محدد. فالتشريع كلما كان يقدر جميع فئات المجتمع ويراعي البيئة الاجتماعية والاقتصادية دون تمييز لأحد، كان أكثر عدالة واستقرارًا، ويجنبه الرفض المجتمعي لتطبيقه.
في موازاة ذلك، وعلى الرغم من الإيجابيات التي أشرت إليها، إلا أن هناك تحديات حقيقية قد تواجه تطبيق هذا النظام. ومن هذه التحديات ما يتعلق بمدى القدرة على تفعيل تلك المفاهيم بشكل حقيقي وعلى أرض الواقع، خاصة موضوع التشاور العام. حيث لا يمكن أن يتم ممارسته بشكل فاعل دون وجود ثقافة مؤسسية تحترم آراء الآخرين، لأن مسألة التشاور قد تُفهم على أنها عداء، وفي حقيقة الأمر هي شكل من أشكال المساهمة في البناء الجاد. كما أن إنجاز تقييم الأثر على أكمل وجه يحتاج إلى بيانات ومعلومات موثقة وكوادر بشرية مدربة ومؤهلة، ودور تكاملي وظيفي بين جميع المؤسسات والجهات المعنية بهذا الملف. وبالتالي، المطلوب هو تجهيز الوحدات التنظيمية في الوزارات والدوائر الحكومية بشكل ممتاز فكريًا وفنيًا، ومنحها الصلاحيات المرتبطة بعملها حتى تقوم بدورها الحاسم في إنجاز مهامها بعيدًا عن أي اعتبارات أو ضغوط تعيق عملها.
أرى أننا اليوم، ونحن على أعتاب تطبيق هذا النظام في مطلع أيلول، أمام فرصة ثمينة لابد من استثمارها بشكل أمثل لإحداث فرق حقيقي في جودة التشريعات الأردنية، من خلال التمسك بروح ورؤى الإصلاح التشريعي الحقيقي التي بني عليها هذا النظام، حتى يكون بوابة لإصلاح مؤسسي شامل يلبي احتياجات الناس ويعالج مشاكلهم وتحدياتهم، ما يعزز تماسك المجتمع وقوته وتمكينه من المضي قدمًا في تحقيق نهضة الوطن وتقديم مصالحه العليا بعيدًا عن المصالح الشخصية الضيقة.
في المقال القادم، وضمن هذه السلسلة القانونية المتعلقة بهذا النظام، سأتناول المادة الرابعة منه، التي تتحدث عن إلزامية الجهات الحكومية بعمل دراسات تقييم الأثر، وسأحاول الوقوف على بيان أهمية هذه الدراسات في صنع القرار، بما يتواءم مع التوجهات الوطنية العامة الهادفة إلى بناء دولة عصرية تؤمن بأن الإصلاح التشريعي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مشاركة مجتمعية واسعة وتقييم دقيق للآثار المحتملة.
وزير البيئة: عطاء جمع النفايات من صلاحيات أمانة عمّان
كم سيبلغ سعر الذهب في نهاية العام الحالي .. أرقام
الكرك : العثور على عظام بشرية في مغارة .. تفاصيل
فضيحة إبستين تتوسع: رجال أعمال نافذون في مراسلات وصور مقلقة
القوة البحرية تُحبط ثلاث محاولات تهريب على واجهتها البحرية
إليسا تحيي أمسية رومانسية مع مروان خوري
خبير تجميل: لا يوجد أنف مثالي .. التناسق مع ملامح الوجه هو الأساس
180 حافلة جديدة ضمن المرحلة الثانية لربط المحافظات بعمّان
منخفض جوي من الدرجة الثانية يجلب الأمطار لمعظم مناطق المملكة الثلاثاء
مياه اليرموك: تقليل ساعات الضخ بالشونة الشمالية لتأهيل بئر
اتحاد عمان يفوز على الجبيهة في الدوري الممتاز لكرة السلة
السقوط من القمة الأخلاقية إلى جزيرة الشيطان
البطالة بين الأردنيين 21.4% والنسبة الأعلى بين الذكور
الإحصاءات العامة: سلة الاستهلاك خلال كورونا أفقدت بيانات خط الفقر صلاحيتها
دوائر حكومية تدعو مئات الأردنيين للامتحان التنافسي .. أسماء
محاولة سرقة جريئة بقهوة في عمان تنتهي بالفشل .. فيديو
تطبيقات التعري بالذكاء الاصطناعي تلاحق أبل وغوغل
دعاء اليوم الخامس عشر من رمضان 1447
دعاء اليوم السادس عشر من رمضان 1447
مدعوون لإجراء الإمتحان التنافسي في الحكومة .. التفاصيل
دعاء اليوم السابع عشر من رمضان 1447
مياه الشرب بالمناطق الساحلية قد ترفع ضغط الدم في صمت
هيئة الإعلام: قرابة ألف صانع محتوى في الأردن
مدير مكافحة المخدرات: لا تصنيع للمخدرات في الأردن
شبهات صادمة تكشفها التحقيقات الأولية في مقتل الفنانة هدى شعراوي .. فيديو
هيئة الإعلام: مشروع تنظيم الإعلام الرقمي لا يمس الحريات الشخصية




