«جيل زِدْ»… هل يُمثّلني

«جيل زِدْ»… هل يُمثّلني

31-10-2025 01:13 AM

خلال سفري الأخير إلى بغداد لحضور مهرجانها المسرحي الدولي، كنت كلّما قابلتُ ناقدًا أو فنانًا أو إعلاميًا وتبادلنا أطراف الحديث، إلاّ وبادرني بالسؤال: كيف هي الأحوال عندكم في المغرب هذه الأيام؟ هل استقرّت الأوضاع بعد الحركات الاحتجاجية؟
وطبعًا، أجيبه بحقيقة الأمور كما هي، موضحًا أنها ليست بذلك التهويل والتضخيم الذي يُروّج له البعض، كما لو أن البلاد تعيش مظاهرات وثورات عارمة. فالوقفات السلمية لـ «جيل زد» صارت حدثًا اعتياديًا في بعض المدن المغربية، حيث يجتمع الشباب لساعتين أو ثلاث ساعات، يرفعون اللافتات، ويردّدون الشعارات، ويدلون بالتصريحات لوسائل الإعلام، ثم ينصرفون بشكل حضاري راقٍ أمام أعين رجال الأمن الذين أصبحوا يكتفون ـ غالبًا ـ برصد الوضع عن بعد.
وبالتالي، لا ينبغي أن نهوّل ما يحدث، كما لا ينبغي أن نهوّن منه ومن مآلاته وتطوراته المستقبلية. لكن اللافت للانتباه أن الكثيرين ممّن يتابعون المشهد المغربي عن بُعد انطلاقًا من بلدان أخرى، عبر وسائل الإعلام المختلفة وشبكات التواصل الاجتماعي، يتكوّن لديهم انطباع سريع أن الوضع خطير جدًا، وأن كل بقعة من بقاع هذا البلد تغلي، وأن زمام الأمور تكاد تنفلت من أيدي السلطة.
إنها خلاصة خاطئة أتت بناءً على الانزلاقات التي حدثت خلال الأيام الأولى للحراك الشبابي، والمتمثلة من جهة في تعنيف المتظاهرين واعتقال العشرات منهم بطرق متشنّجة، ومن جهة ثانية في حالات محدودة جدا لأعمال السرقة والتخريب والاعتداء على رجال الأمن والدرك من طرف بعض «البلطجية» المسخَّرين لهذه المهمة القذرة: أي إفساد نبل أهداف الاحتجاجات الاجتماعية وطابعها السلمي.
الكاميرات والمشاهد المتداولة عبر المنصات الاجتماعية، ركّزت فقط على صور الانزلاقات الصادمة من الجانبين (من جانب المتظاهرين/ المخرّبين وجانب الأمنيين/ المعنّفين) وعملت على تضخيمها ومضاعفتها وتكرار بثّها، لدرجة جعلت الكثيرين يتصوّرون أنها الصور الوحيدة التي تملأ الميادين المغربية حاليًا، ويتخيّلون مشاهد فيلم «هي فوضى» للراحل يوسف شاهين، مع أنه لا قياس مع وجود الفارق!
والفارق هنا أن المغاربة اعتادوا، منذ عدة عقود، على المظاهرات التي تُقام في مدنهم الكبيرة والصغيرة، حيث يرفع المحتجون المشاركون شعارات ذات مضامين اجتماعية أو سياسية، بالإضافة كذلك إلى ما كانت تشهده الجامعات المغربية من مظاهرات طلابية ذات طابع حاد أحيانًا كثيرة. ويتذكرون أيضًا أن الساحة المقابلة للبرلمان وسط شارع محمد الخامس في الرباط، كانت خلال التسعينيات تتحوّل إلى «مخيم اعتصام» للشباب العاطل من حملة الشهادات الجامعية، القادمين من مختلف الأقاليم، حيث كانوا ينصبون خيامًا بلاستيكية، ينامون فيها ليلاً، ويستأنفون احتجاجهم نهارًا. كان ذلك مشهدًا مألوفًا لشهور متتالية، تعاملت معه السلطات الأمنية بالحكمة المطلوبة في جل الأحيان، وانتهى بمدّ جسور الحوار مع «المُعطَّلين» (الاسم الذي كانوا يطلقونه على أنفسهم)، ما أفضى إلى توفير وظائف لمعظمهم.
صحيح أنه، خلال محطات من تاريخ المغرب المعاصر، حدثت انزلاقات أمنية تفاوتت درجة حدّتها، لكنها لم تؤثر على طبيعة هذا المشهد وخصوصيته، والتي تتمثل في أن المغرب رَاكَمَ رصيدًا سياسيًا وحقوقيًا، ترسّخت فيه آليات الرقابة الشعبية، المتمثلة في الأحزاب ذات المصداقية ونقابات العمال والموظّفين والمنظمات الحقوقية والجمعيات الجادّة وثلّة من المحامين النزهاء والإعلاميين المستقلّين والمثقفين المناضلين (مع اختلاف في التقييمات المتعلقة بكل فئة)، ما وفّر للمواطن المغربي حصنًا في مواجهة أي تراجع حقوقي أو استبداد سلطوي. فضلاً عن خضوع المغرب لمرصاد المنظمات الدولية التي يكون لتقاريرها تأثيرٌ بالغ ـ سلبًا أو إيجابًا ـ على صورة البلد نفسه، بحكم أن الاستنتاجات الحقوقية تتحكّم في مدى انسيابية القروض الدولية الممنوحة له، مثلما تتحكّم في علاقته مع البلدان الكبرى المؤثرة في مراكز القرار العالمية. وهو ـ أي المغرب ـ أحوج ما يكون إلى دعمها في قضاياه الاستراتيجية، وفي مقدمتها قضية الصحراء الموضوعة للتداول بين أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

حكومة في مواجهة العاصفة!

في ضوء هذه المعطيات كلها، يمكن قراءة حراك «جيل زِد»، يُضاف إليها معطى المشكلات الاجتماعية التي تفاقمت خلال الأعوام الأربعة الأخيرة مع حكومة عزيز أخنوش، إذ عانى دافعو الضرائب من قرارات غير شعبية أدّت إلى تدهور المعيشة وغلاء المواد الاستهلاكية وتراجع الخدمات الأساسية. ومن ثم، فـ»جيل زد» الذي اتّخذ من منصات التواصل الاجتماعي فضاء للتعبير عن انشغالاته وهواجسه التي تلتقي مع تلك المشكلات، ارتأى نقل نضاله من طابعه الافتراضي إلى الطابع الواقعي والعملي، مجسدًا نضجًا ووعيًا كبيرين في التفاعل مع انشغالات المواطنين والمواطنات.
كان بديهيًا أن يتضامن المجتمع مع أبنائه، لِمَ لا وقد رفعوا المطالب ذاتها التي تتردد يوميًا على كل أكثر من لسان؟ فليس غريبا إذًا أن يقول الكثيرون: «جيل زِدْ يمثّلني، حتى وإن كنتُ لا أنتمي إليه على مستوى التحديد العمري». إنه صوت الشعب المقهور، ولسان الأغلبية الصامتة، وحال الضمير الجمعي. فلا عجب أن «حراكه» حرّك المياه الراكدة، وفاجأ الكثيرين ممن اعتقدوا أن الخطابات الرسمية المنمّقة والشعارات الجوفاء انطلت على الجميع بلا هوادة!
والملاحظة الجديرة بالتأمل أن حراك «جيل زد» جاء بعد أيام قلائل من الحوار التلفزيوني الذي أجراه عزيز أخنوش، مع القناتين الرسميتين الأولى والثانية، من أجل الإيحاء بأن حكومته حققت للمغاربة العيش الكريم والنعيم العميم، وأن ما عليهم سوى الاستعداد لمنح حزبه أصواتهم الانتخابية خلال الانتخابات المقبلة!

الجزائر خلف المشهد!؟

الحراك الشبابي أدّى إلى صدمة سياسية غير متوقعة أربكت حسابات الكثيرين، فهبّت الحكومة عن بكرة أبيها محاولةً امتصاص غضبه وحصر انتشاره وامتداداته. من جهة، فتحت المجال في القنوات التلفزيونية العمومية من أجل النقاش الذي دُعِيَ إليه شباب من «جيل زد»، كحلّ تنفيسي يقلّل من حدة الضغط. ومن جهة أخرى، وجد البعض في الممارسات «البلطجية» التي سُخِّرَ لها شباب وقاصرون طائشون، فرصةً لشيطنة «جيل زِدْ»، وبالتالي خلط الحابل بالنابل، والرمي بعشرات النشطاء في المعتقلات ومواجهتهم بأحكام قضائية ثقيلة، دون تمييز بين المُخرِّب والمُسالِم.
الغريب أيضًا أنه جرى تسخير عدة مواقع إلكترونية وطائفة من المدوّنين لأجل «شيطنة» الشباب، بل و»تخوينهم»، استنادًا إلى نظرية «المؤامرة»، من خلال الادّعاء بوجود ارتباطات خارجية لهم. وما عزّز هذا الطرح كون بعض وسائل الإعلام الجزائرية استغلّت الحراك الشبابي المغربي، فصارت تصوّره في تقارير مُضلِّـلَة، كما لو أنه عملية «تمرّد» عارمة على «المخزن»! والحال أن الاحتجاجات مُتاحة في المغرب منذ سنين عدة، لكنها ممنوعة في الجزائر، لدرجة أن هذه الأخيرة تجعل حتى التظاهر تضامنًا مع فلسطين مُباحًا حصريًا في «القاعات المغلقة» فقط!
أخيرًا، نلاحظ أن «جيل زِد» عمل على تسخين النقاش داخل البرلمان المغربي، إذ أخرجه من رتابته المعهودة، فصرنا نشاهد نائبًا برلمانيًا يواجه الصحة، واصفًا الحالة في أحد المستشفيات بكوْن «الإسطبل أفضل منه»! كما شاهدنا نائبة برلمانية تصرخ أمام وزير التجهيز والماء، ناقلةً معاناة سكان ريفيين يشتكون من العطش، ويحملون قنينات بلاستيكية فارغة يلوّحون بها أمام السياح الأجانب، مما يسيء إلى صورة المغرب الذي يستعدّ لتنظيم كأس أفريقيا للأمم، وبعدها بأربع سنوات، كأس العالم لكرة القدم!

كاتب من المغرب



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الضمان: الفتاة العزباء تورث راتبها التقاعدي وفق القانون

العزام: الربط الكهربائي الإقليمي يمثل أولوية في تعزيز أمن الطاقة

الفيفا: الإساءات الإلكترونية ترتفع 13 ضعفا خلال كأس العالم

عراقجي: أي تهديد ضد شعب إيران أو قيادته سيقابل برد قوي وفوري

توقيف شخص احتال على دائرة الأراضي والمساحة

معجزة أردنية في فنزويلا .. إنقاذ طفل بعد 6 أيام والرئيسة الفنزويلية تشيد بالجهود

وزير المياه يتابع سير المشاريع التنموية والاستثمارية في وادي عربة

بورصة عمّان: 100% التزام بتقديم تقارير الاستدامة لعام 2025

ايران تواجه فرصة سياسية واقتصادية بالغة الأهمية

تركيا تواصل أداء دور محوري في منظومة أمن الناتو

ترامب: المحادثات مع إيران تمضي بشكل جيدا جدا

5 منح دراسية في الطب البشري بجامعة الأزهر

المديونية تفقد الجامعات الرسمية بوصلتها

حقيقة الرغبة باقالة قائد الجيش وقادة الأجهزة الأمنية اللبنانية

إطلاق الاستعراض الطوعي المحلي الثاني نحو مدينة ذكية

تراجع سوق الدواجن في الأردن يفتح ملف نظام الطيبات والمخاوف الصحية

ذهب وملابس داخلية ذهبية تهز العراق .. ماذا يحدث؟

الأردن يقترب من إنتاج 500 طن سنوياً من الكعكة الصفراء

الصحافة الأجنبية تعلق على مباراة الأردن والأرجنتين .. ماذا قالت عن أبو ليلى وهدف ميسي

توقعات الذكاء الاصطناعي لبطل مونديال 2026 .. المرشح الصادم

ماذا حدث لمتّبعي نظام الطيبات؟ أطباء يحسمون الجدل والأرقام تكشف المفاجأة

متورط مع موظفة .. فيديو خادش منسوب لمسؤول معروف يهز العراق

هبة مجدي تكشف أزمتها الصحية وتخوض رحلة علاجية ضد السرطان

أسعار الذهب ترتفع محلياً السبت

أفضل سيارة كهربائية في الأردن 2026 .. مفاجأة صينية تتفوق على المنافسين بالسعر والمواصفات

حادث مأساوي يودي بحياة شاب أردني في الولايات المتحدة

القبض على مغني مهرجانات مصري شهير بتهمة خطيرة .. صورة

توضيح ملابسات حادثة الموظفة التي حاولت اقتحام مكتب وزير السياحة

نهر إسمنتي غامض في غزة .. ما حقيقة استخدامه في ترميم المنازل

سيادة لبنان حاجة سورية إقليمية