النخب المنعزلة والجيل الضائع: مَن يُصلح ما أفسدته القطيعة؟

النخب المنعزلة والجيل الضائع: مَن يُصلح ما أفسدته القطيعة؟

31-10-2025 11:44 AM

بين أروقة المسؤولين تتردد أسئلة تبحث عن إجابات: لماذا شابنا ضائع؟! لماذا بوصلته مكسورة؟! وكأن السائل ينسى أن يده هي مَن كسرت البوصلة، وأن صمته هو مَن أضاع الشباب!

علمتنا الحضارة الإسلامية أن النخبة الحقيقية كالشجرة الطيبة، أصلها ثابت في تربة الواقع، وفرعها في السماء, كانت المدارس الإسلامية تصنع قادة من رحم الأمة، يعيشون همومها، يأكلون من خبزها، ويشربون من مائها .

فلنتأمل في نموذج المسجد في العصر الذهبي للإسلام، حيث كان منبراً مفتوحاً للجميع، يلتقي فيه العالم والجاهل، الغني والفقير، الوزير وعامي الشعب, كان جامعة شعبية حقيقية، تخرّج منها قادة مثل الوزير نظام الملك الذي أسس المدارس النظامية في بغداد ودمشق، وابن خلدون الذي جمع بين النظرية والتطبيق في مقدمته الخالدة، والقاضي الفاضل الذي كان يختلط بالناس ويسمع شكاواهم قبل أن يصبح وزيراً لصلاح الدين.

كانت صناعة النخب عملية طبيعية تنبع من صميم المجتمع، فالقاضي كان يبدأ كطالب علم في المسجد، ثم مساعداً للقاضي، ثم قاضياً, والإداري كان يترقى من خلال خبرته العملية في الدواوين، والعالم كان يكتسب مكانته من خلال خدمته للناس وإفادته للمجتمع ومقدار مساهمته في الحلول العملية لما يقع تحت اختصاصه.

قام منهج الحضارة الإسلامية في صناعة النخب على عوامل إنتاج أهمها: الاحتكاك المباشر مع واقع الناس، والتدرج الطبيعي في تحمل المسؤوليات، والمساءلة المستمرة من قِبل المجتمع، والربط الوثيق بين العلم والعمل، والجمع بين التأهيل النظري والتطبيق العملي.

أما اليوم، فقد صرنا نصنع نخباً في معامل معززة، تتكلم بلغة لا يفهمها الناس، وتتحرك في دوائر لا يصل إليها أحد, تحولت النخبة من قادة ينبعون من واقع مجتمعاتهم إلى "خبراء" يعيشون في أبراج عاجية, فأين نحن اليوم من نموذج إدارة الخليفة العباسي هارون الرشيد ؟! وأين من نموذج الإمام الغزالي الذي ترك منصبه في نظامية بغداد ليرتحل بين الناس ويتعلم من واقعهم؟!

لقد فقدت النخب المعاصرة صلة الوصل مع مجتمعاتها، وصارت تتعامل مع الناس من خلال الشاشات والخطابات المعدة سلفاً, لا بل هناك م يسمونهم خبراء ليعدوا لهم مظهرهم وتكلّفهم امام الشاشات, ولهم ميزات يتمناها الوزير نفسه .

في مشهد أكثر ايلاماً، تراهم يطيرون إلى أقاصي الدنيا ليحاضروا في جامعاتها، يشرحون أزمة الأردن لطلاب لا يعرفون وادي السير، بينما طالب في الجامعات الأردنية يبحث عن نظرة اهتمام، أو كلمة احترام. فكيف نتساءل بعد ذلك عن شعور الدونية؟! وكيف نستغرب ضياع البوصلة؟!

وفي سعيها اليائس لمعالجة هذا الضياع، تقدم لنا النخب "حلولاً" هي جزء من المرض لا من الدواء! برامج شبابية تكرس الانفصال بدل أن تعالجه، وتنتج جيلاً من "المتحدثين البارعين" الذين يجيدون صياغة المشاريع على الورق، بينما هم عاجزون عن فهم واقع مجتمعاتهم.

ورش عمل في فلل فاخرة، وجلسات حوار تحت ثريات الذهب، ومبادرات وهمية بلا روح ولا قلب، تنتج شباباً يحملون شهادات في "القيادة" وهم لا يقدرون على قيادة أنفسهم في زحام الحياة!
لقد كانت النخبة في الماضي كالنخلة، تشرب من ماء الأمة فتعطيها رطباً جنياً، أما اليوم فكثير من النخب تشبه "النباتات البلاستيكية" تلمع في الوهلة الأولى، لكنك إن دنوت منها لم تجد عطراً ولا ظلاً.

النخبة في الماضي كانت تحمل أمانة يحملها الفرد منهم بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، أما اليوم فغدت في كثير من الأحيان امتيازاً يبحث عنه البعض لمصالح شخصية.

علينا صناعة النخب من صميم المجتمع لا من أطرافه، وجعل الحوار مع الشباب ضرورة وجودية لا ترفاً ثقافياً، واستبدال برامج "الصوت" ببرامج "الفعل"، وإعادة الثقة للشاب بنفسه أولاً، وبوطنه ثانياً، وبناء شراكة حقيقية بين الأجيال تقوم على التكامل لا القطيعة، وربط البرامج الشبابية باحتياجات المجتمع الحقيقية، وتمكين الشباب من خلال مشاريع تنموية حقيقية لا شعارات جوفاء.

إن الضياع الذي نراه في عيون شبابنا ليس قدراً محتوماً، بل هو مرض يمكن علاجه, يبدأ بالاعتراف أن الداء فينا لا فيهم، وأن الشفاء يكون بالعودة إلى الجذور لا بالاستمرار في القطيعة.

لقد آن الأوان لنتعلم من دروس الماضي، ولنكسر قيود الانعزال، ولنغرس يدنا في تراب وطننا، فقط حينئذ ستنبت لنا نخب تحمل روح الأمة، وتسعى لخدمة شعبها.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

ارتفاع مؤشر داو جونز الأميركي

أنشطة تنموية وتوعوية في عدد من المحافظات

قرعة الجرين كارد 2027 .. أمر قضائي بفتح التسجيل ومواعيد معدّلة تنتظر التنفيذ

ارتفاع معدل التضخم في روسيا إلى 7.2 بالمئة

التحول الرقمي في القطاع الصحي الأردني

"أم القنابل" في إيران .. دمار واسع وتحديات في اختراق الأعماق

المعارضة الصومالية تحذر من نزاع أهلي بسبب مواعيد الانتخابات

قطاف الزيتون في لبنان والضفة .. صمود مزارعين في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية

بلدية السلط تنفذ أعمال تخطيط ودهان للشوارع في وسط المدينة

تخريج المشاركين في دبلوم تقييم الأثر البيئي بجمعية البيئة

تربية البادية الشمالية الشرقية تطلق الموسم الـ11 لتحدي القراءة العربي

حرب اليمن وأين سيُدفع الثمن

"كاللؤلؤ المكنون" … حين تُطمس الهوية المركزية باسم الإجراءات

العربي يحقق فوزه الأول في دوري المحترفين على حساب شباب الأردن

البحرية الإيرانية تعلن اندلاع حريق في ناقلة نفط شرق مضيق هرمز