مأزق الحوار في ظل الهيمنة

مأزق الحوار في ظل الهيمنة

03-01-2026 12:18 PM

مقدمة: سراب التواصل الحضاري
شاع في العقود الأخيرة استخدام مصطلح "حوار الحضارات" كبديل قيمي لمفهوم "الصراع"، إلا أن القراءة الفاحصة لواقع العلاقات الدولية تكشف عن فجوة عميقة بين الشعار والممارسة. إن الحوار، بوصفه فعلاً إنسانيا، يفترض حدّاً أدنى من التكافؤ بين الأطراف، لكن عندما تتحول القوة إلى المعيار الوحيد للعلاقة، يصبح الحوار مجرد "قناع" يغطي وجه الهيمنة. من هنا، يبرز التساؤل: هل يمكن لمن يملك أدوات الإجبار (الخشنة والناعمة) أن يتحاور حقاً مع من لا يملك سوى رد الفعل؟
أولاً: الأستاذية والوصاية الحضارية
إن الإشكالية الحقيقية في الحوار المعاصر تكمن في ما يمكن تسميته "أستاذية القوة". فالأقوياء لا يدخلون حلبة الحوار بوصفهم شركاء في البحث عن الحقيقة، بل بوصفهم أوصياء عليها. هذه "الأستاذية" تنبع من امتلاكهم لوسائل القوة التي تمنحهم القدرة على تعريف المفاهيم وفرض الأجندات. في هذا السياق، لا يعود الحوار تبادلاً للأفكار، بل عملية "تلقين" قسري، حيث يطلب من الطرف الأضعف أن يتبنى منظومة قيم الطرف الأقوى كشرط للاعتراف به "حضارياً".
ثانياً: انفعال الضحية وغياب الفعل الأصيل
توصيف حالة الأطراف المستضعفة في هذا الحوار يشبه إلى حد بعيد "ردات الفعل الانفعالية" التي تفتقر إلى الفاعلية التاريخية. إن ما نراه من صرخات أو احتجاجات في مواجهة السياسات العالمية المهيمنة، غالباً ما يظل حبيس "رد الفعل" (Reactive) وليس "الفعل" (Proactive).
هذا الوضع يجعل من حركة الطرف الأضعف شبيهة بـ "رقصة الذبيح"؛ فهي حركة عنيفة في مظهرها، لكنها في جوهرها تعبير عن الاحتضار وفقدان السيطرة، حيث تستنفد القوى في مقاومة الأثر دون القدرة على تغيير الفعل أو صياغة بديل حضاري مستقل يفرض احترامه على الآخر.
ثالثاً: عائق المركزية الغربية و"نهاية التاريخ"
لا يمكن فهم استعصاء الحوار دون تفكيك البنية الفكرية للآخر الغربي، الذي ينطلق من مركزية ثقافية حادة. هذه المركزية تتجلى في أطروحات مثل "نهاية التاريخ"، التي تفترض أن النموذج الليبرالي الرأسمالي هو الذروة النهائية للتطور البشري.
عندما يعتقد طرف ما أنه يمتلك "الحقيقة المطلقة" والطريق الوحيد للحياة، فإنه يلغي مبرر الحوار أساساً. بالنسبة للمركزية الغربية، الحوار ليس وسيلة للتعديل أو التنازل عن القناعات، بل هو أداة "لإلحاق" الآخر بالنموذج السائد. إن الحوار الحقيقي يتطلب "تنسيب" القناعات (Relativization)، أي القبول بأن رؤيتنا للعالم ليست الوحيدة الممكنة، وهو ما ترفضه المركزية الغربية جملة وتفصيلاً.
خاتمة: نحو حوار الأكفاء
إن ما نشهده اليوم هو "حوار طرشان" بامتياز؛ طرف يتحدث بلغة القوة والإملاء، وطرف يصرخ بلغة المظلومية والاحتجاج. إن المخرج من هذا المأزق لا يكون بالتوسل الأخلاقي لطلب الحوار، بل ببناء "توازن قوى" يسمح بظهور "الأكفاء".
فالحوار فعل لا يمارسه إلا الأنداد؛ أولئك الذين يملكون من القوة ما يحمي خصوصيتهم، ومن الوعي ما يسمح لهم بالتفاوض على المشترك الإنساني. وبدون ذلك، سيبقى "حوار الحضارات" مجرد أسطورة سياسية تُستخدم لتجميل واقع الهيمنة القبيح.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد