أنثروبولوجيا الشوكولاتة

أنثروبولوجيا الشوكولاتة

13-01-2026 12:31 AM

في مطلع العام الجديد وصلتني هدية تبدو، للوهلة الأولى، خفيفة مثل مزاج سنة جديدة: علبة شوكولاتة. مربع أنيق بغطاء لامع يقول كل شيء بطريقته المختصرة. وضعتها على الطاولة كما يضع المرء شيئاً جميلاً أمامه ليؤجل فتحه قليلاً، ثم حدثت تلك المصادفة التي يحبها البشر ويخافون منها في الوقت نفسه: كنت في تلك اللحظة تقريباً أُقَلِّب صفحات فصل الكاكاو في كتاب أنثروبولوجيا الثقافة: التحدي الإنساني، لوليم أ. هافيلاند، مع زملائه، وهو كتاب يتصرف أحياناً كأنه يعرف كيف يلتقط حياة القارئ من تفاصيلها الصغيرة ثم يعيدها إليه بصورة أوسع.
نحن، في النهاية، كما يذهب جوهر الكتاب، كائنات تمنح المصادفات أكثر مما تحتمل. نضعها في قلب الحكاية كي لا تبدو الحياة مجرد سلسلة أحداث متفرقة. نعطيها معنى خاصاً كي نقنع أنفسنا أن هناك خيطاً خفياً يشد الأشياء إلى بعضها، وأن اليوم العادي يمكن أن ينقلب إلى مشهد له دلالة. لهذا، وفي منطقة غامضة من لا وعيي، لم أتعامل مع علبة الشوكولاتة كحلوى تهدئ المزاج فقط. شعرت أنها جاءت في توقيت «متعمد» من قِبل العالم، حتى لو لم يتعمد هذا العالم شيئاً. جاءت كأنها تذكرني أن الأنثروبولوجيا تتسلل إلى حياتي: من البيت، إلى رف المكتبة، إلى فنجان القهوة، وإلى تلك الهدية الصغيرة التي تقول للإنسان: خذ لحظتك.
فتحت العلبة، بعناية من يعرف أن الطقوس الصغيرة تعطي الحياة شيئاً من انتظامها. ورأيت داخلها ما يراه الجميع: قطعاً مرتبة، بعضها محشو، بعضها داكن، بعضها مغرٍ من دون تفسير. ثم تذكرت الفكرة التي يصر عليها هذا الكتاب: الأشياء لا تبقى «أشياء» لفترة طويلة. ما إن تمسها أيدينا حتى تبدأ بالتحول إلى إشارات. قطعة الشوكولاتة لا تذوب في الفم وينتهي أمرها؛ هي في المعنى علامة تقول: «أفكر فيك»، توضع على الطاولة فتقول «هناك مناسبة»، تُفتح أمام الضيوف فتقول «يا أهلا ومرحباً».
وهنا يبدأ سحر الكاكاو الذي يرويه الكتاب دون أن يرفع صوته. الكاكاو، من وجهة نظر الأنثروبولوجيا، لم يعد نبتة تتحول إلى طعم لذيذ؛ هو رحلة. وحين نستخدم كلمة «رحلة» في حياتنا اليومية نفكر في تذكرة، حقيبة، مطار. أما رحلة الكاكاو فتبدأ من مكان لا يشبه محلات بيع الشوكولاتة الأنيقة إطلاقاً: تبدأ من أرض رطبة، شجر، ظل، مواسم، من مسيرة عمل طويل. ثم تأتي سلسلة التحويلات التي تجعل الثمرة شيئاً آخر: تقطف وتفتح وتخمر وتجفف ثم يجري نقلها لتُباع وتُشترى ويعاد ترتيبها في مصانع بعيدة، ثم تُغلف بإتقان يجعلها كما لو أنها ولدت في الضوء لا في الطين.
بين هذه البداية الهادئة وهذه النهاية البراقة توجد شبكة كاملة من العلاقات. الكتاب يحب هذا النوع من القصص: أن يروي حكاية السلعة بوصفها تقاطعاً بين الطبيعة، والعمل، والسوق، والثقافة. يدفعك لأن تسأل بفضول وتواضع إنساني: من لمس هذه القطعة قبل أن تصلني؟ من انتظرها؟ من الرابح في الصفقة؟ ومن الخاسر؟ من وضع السعر؟ من قرر أن يفاوض عليه؟ من اضطر إلى القبول؟ وحين تتابع السؤال، تكتشف أن علبة الشوكولاتة التي مازالت على الطاولة تحمل شيئاً يشبه خريطة العالم، خريطة تتخفى في سلسلة التوريد، في حركة السفن والشاحنات، في قفزات الأسعار، في مزاج المستهلك، في توقيع العقود، في التنافس بين الشركات، في صورة العلامة التجارية التي تُقنعك أن هذا الطعم يخصك أنت.
في تلك اللحظة، وأنا أقلب العلبة لأقرأ المنشأ وأشياء أخرى بحكم الفضول، شعرت أن الهدية لا تخص العام الجديد وحده؛ تخص تلك العلاقة القديمة بين البشر والأشياء. نحن نحب أن نتبادل؛ نعطي ونأخذ، ثم نضيف إلى التبادل لغة غير منطوقة. الهدية تعمل كجملة قصيرة لا تتطلب رداً طويلاً. ربما لهذا بقيت الهبة، رغم صعود السوق، جزءاً ثابتاً من حياة الناس. السوق يبيع كل شيء تقريباً، لكنه لا يستطيع أن يستبدل بالكامل معنى «اشتريت هذا لك». علبة الشوكولاتة تختصر هذا كله ببساطة: قطعة لذيذة تتحول إلى رابط اجتماعي، خيط رقيق بين شخصين يمر عبر طعم.
والكتاب، بطريقته، يلمّح إلى أن مثل هذه الخيوط هي التي تصنع المجتمعات في النهاية. الأشياء الصغيرة أيضاً: طعام، هدية، عادة في استقبال الضيوف، طريقة في ترتيب الجلسة، كلمة تقال في وقت محدد. هناك دائماً نظام يبنى من تفاصيل تبدو هامشية. حين تتكرر التفاصيل تتحول إلى عادات وأعراف. حين يصبح العرف جزءاً من الهوية يصير المجتمع قابلاً للتمييز. وحين نتأمل هوياتنا تتخيل أنها كانت موجودة منذ الأزل، مع أنها خُلقت خطوة خطوة مثلما تُخلق وصفة الشوكولاتة: تجرِبة، ثم تعديل، ثم تكرار، ثم هدية السنة الجديدة.
قبل أن أنهي هذا المقال، أغلقت الكتاب وفتحت العلبة وتناولت قطة صغيرة وأنا أفكر بالشخص الذي أرسلها، هل كان هو الآخر مصادفة أنثروبولوجية في حياتي، ثم تبسمت.
أحب أن أصدق أن صدفة الهدية كانت رسالة غير متوقعة من العام الجديد: أن تبدأ السنة من طعم لطيف، ومن فكرة لطيفة أيضاً. فكرة أن الأنثروبولوجيا لا تحتاج مناسبة عظيمة كي تظهر. يكفي أن تفتح علبة شوكولاتة في الوقت الذي تقرأ فيه عن الكاكاو، فتكتشف فجأة أن الكتب الجيدة لا تتحدث عن «الآخرين» فقط. تتحدث عني أنا، عن يدي وهي تفتح الغلاف، عن عيني وهي تختار القطعة التالية، عن وعيي وهو يخترع معنى إضافياً للمصادفة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد