شروطُ النّهْضَة
يعيش المجتمعُ العربيُّ و الاسلاميُّ منذ القرن 18 او 17 تقريباً حالةَ انحِطاطٍ بائِسةٍ مقارنةً بالمجتمعاتِ الأنسانيةِ الأخرى. اذ يقع المجتمع العربي والاسلامي في مؤخِّرة المجتمعات الأنسانية في مؤشراتٍ هامّةٍ مثل نسبة التماسك الداخلي، و نسبة الاستقرار السياسي، و معدل الديمقراطية، و معدل الانفاق على البحث العلمي، و نسبة الاميّة، و معدل توزيع الثروة، و معدل الانتاج الزراعي و الصناعي، و معدل البطالة و الفقر و الجريمة، و درجة التغلل الاجنبي، و مقدار السيادة الوطنية و غيرها.
من هذا الواقع غير الناهض، نشأَ عند أفرادِ المجتمع العربيّ و الأسلاميّ عامّةً و المفكرين خاصّةً سؤالُ النهضَةِ. اذ صارت تتردّدُ في المجتمع أسئلةٌ متعدّدةٌ مثل: لِمَ تأخرنا و تقدَّم غيرُنا؟ لِمَ لا نَنهَضُ؟ ما السبيلُ للنهوضِ العربيّ الأسلاميّ؟ و برزَتْ لهذه الأسئلةِ اجاباتٌ متنوّعةٌ، و تصدّتْ لها مشاريعٌ فكريّةٌ متعدّدةٌ. ليسَ منْ مُهِمَّةِ هذا المقالِ تناولها بالمناقشةِ و التحليلِ و النّقدِ بل الأنطلاقِ من اشكاليتها الأساسيّة "سؤال النّهضةِ" و محاولةِ خَطِّ طَريْقِها.
في الواقع، ما زلنا في العالم العربيّ و الأسلاميّ نعيش في عصر الأنحطاطِ. بل ازدادَ واقعنا سوءاً في ظلِّ استمرارِ عواملِ التآكُلِ الدّاخلي و النهْشِ الخارجيّ للمجتمعِ العربيّ الأسلاميّ و كياناتهِ السياسيّةِ. ما يعني دون شكٍّ أنَّ سؤالَ النهضةِ ما زال قائِماً. أي ما زلنا بحاجةٍ الى خِطّةٍ جذريِّةٍ تنقُلُنا من حالِ الأنحِطاطِ الى النّهضَةِ و التقدُّمِ. بعبارةٍ أُخرى، نريْدُ معرِفَةَ الشروطِ المُباشِرةِ لنَهضَةِ مجتَمَعٍ ما.
و لكيْ نتلمَّسَ المَلامِحَ الأساسيّةَ لشروْطِ النّهضَةِ التأسِيسِيِّةِ، نضَعُ افتِراضَاً على شكلِ السؤالِ الأتي: لوْ أردْنا أنْ نَهدِمَ مجتَمعاً ناهِضاً كالمُجتَمَعِ الألمانيّ أو الياباني بحيثْ ننْقُله من صدارةِ مجتمعات العالم في مجالات الحياة المختلفةِ الى آخرِ المجتمعات، فماذا نفعل؟ ما الوسائل و الأجراءات و التدابير التي نتَّخِذُها حتى نحقّقَ هذه الغايةِ؟ ماذا نَسْتَهْدِف بالضبطِ في هذا المُجتمع حتى ينهار؟
قدْ يتَبَادَرُ لذْهنِنَا خيارُ احتِلالِ ذاكَ المُجْتَمعِ الحيِّ القويِّ بالقوّةِ العَسْكَريّةِ و التحَكُّمِ بهِ. و لكنْ هلْ ننجَحُ حقّاً في احتِلالِ هكَذا مجتَمعٍ يمتَازُ بالحَرَكَةِ و الفَاعليِّةِ؟ ألنْ تُكلّفُنَا تلكَ الخُطْوةِ المَجنونَةِ تجاهِ مجتَمَعٍ يقِظٍ خسَائِراً باهِضَةً؟ هَبْ أنّنا نجَحْنا في احتِلالِ أرضِ ذاكِ المُجتمعِ، فهَلْ هذا وحْدهُ كافٍ حتى ننْجَح في اختِراقِ قلبِ ذاكَ المُجتَمعِ و تحطِيْمِ فاعِليّتِهِ؟ كَمْ عَرفَ العَالمُ حالات احتِلالٍ لمجتمعاتٍ انسانيّةٍ متعدّدةٍ، و خَرَجَ بعدَ زمنٍ مدْحُوراً مهْزوماً! يسَاهِمُ الأحتِلالُ العَسْكَريُّ بلا رَيبٍ في تَخَلُّفِ المُجتَمَعِ المُسْتَعْمَرِ، و لكنَّ الأحتِلال بذَاتِهِ ليسَ هو الخيَارُ الأَكفَىءُ لجَعْلِ المُجتَمِعِ معَاقاً. أيْ قدْ يكونُ الأحتِلالُ بسياساتِهِ الخَشِنَةِ و النّاعِمَةِ سَبَبَاً لانحِطَاطِ المُجتَمَعِ كيْ يَضمَنْ استِمْرارُه ألا أنّهُ لا يمثِّلُ شرْطَاً ضَروريّاً مبَاشِرَاً للأنحِطَاطِ.
هل نكتَفيِ بسَلبِ المواد الخام للمجتمع الناهض كالنفط و الغاز و البوتاس و غيرها كيْ ننجَحُ في مُخطّطِنا؟ يؤثّرُ تجْريدُ المُجْتمعِ من ثروات بلادِهِ دون شكٍّ سلباً على قوّتِهِ. اذ يُعانِيِ المُجتَمَعُ في حَالِ قِلّةِ موَارِدِهِ مِنْ تحدِّياتٍ مُكْلِفَةٍ. و لكنْ ألا يمكِنُ أنْ يجِدَ أبناءُ هذا المُجتمعِ بدائلاً كثيرةً و وسائلاً متنوعةً ليَضْمَنَوا صدارةَ مجتمَعِهم في العالم! نبرْهِنُ على صحّةِ و صِدقِ هذا التسَاؤلِ باعطاءِ أمثِلةٍ عيانيّةٍ من العالم على مثْلِ هذا الوَاقِع. اذ تُعَاني اليابان و سنغافوراه و كوريا الجنوبيّة مثلاً منْ شُحِّ المواردِ الطبيعيّةِ لكنّها عمليّاً مجتمعٌات ناهضٌةٌ قويّةٌ لأنّها طبَّقَتْ شروطَ النهضَةِ الحقّةِ.
هَلْ نتمكّنُ مِن هدْمِ نهضَةِ مجتمَعٍ ما عبر حِصارِ ذاكَ المجتمعِ اقتصاديّاً؟ يعتمِدُ أثَرُ الحِصارِ الاقتصادي على: حجمِ و تنوعِ انتاج المجتمع، و درجة انخراط هذا المجتمع في التكتلات، و حجم و نوعية تجارته الكلي، و احتياطياتهِ النقديةِ و السلعيةِ، و مستوى النزعةِ الاستهلاكيةِ، و طبيعةِ الحِصار (جزئي او كلي)، و درجة الاستقرار السياسي في المجتمع. فهلْ يمكِننا السيطرةَ على كلِّ تلكَ العوامَلِ حتى نهدُمَ المُجتمعَ المُحَاصَرِ! ثمّ أنّنا عرفنَا حصارَ جزئياً على دولٍ عديدةٍ في فتراتٍ مختلفةٍ كالمانيا و روسيا و اليابان و كوريا الشمالية أَحْدَثَتْ آثاراً مدمِّرةً. و لكن لمْ ينجَح الحِصَارُ في شَلِّ ارادةِ تلكَ الدولِ و دورها الفاعِل في المَسرَحِ العالميَّ لأنّها عمِلَتْ بشروطِ النّهضَةِ. ما يعني أنّ الحِصَارَ غيرُ كافٍ و ليْس بذاتِه السبب المُباشِر لجعلِ المجتمعِ الناهضِ متخلّفاً عن المجتمعات الأخرى.
هل نجْعَلُ المجتمعَ النّاهِضَ ضعيْفاً من خلالِ أسْقاطِ أشخَاصِ حُكّامِهِ و استِبْدَالهُم بأَشخاصٍ أَخريْن؟ لنْ يُجْدي هذا الأجرَاء نفعَاً لتحقِيْقِ مُرَادِنا لأنّ استِبْدَالَ شخْصِ الحاكِمِ بشَخصٍ آخرٍ هو في حقيقَتِهِ اجْراءٌ شكْليٌّ لا يَطَالُ الجُذُورَ. فكَمْ شَهِدَ العالمُ اسْتِبْدَالاً لأشْخاصِ حُكّامِ مُجْتَمَعاتٍ في التّاريخِ الأنسانيِّ دونْ أنْ تتغيَّرَ حَالَةُ تلك المُجْتَمعاتِ تغيّراً ملموسَاً. بلْ عانَتْ مُجتمعاتٌ عديْدَةٌ منْ الفَوضَى المدمِّرةِ بعد اسْقاطِ حُكّامِها أو أنْظِمَةِ حُكْمِها و صَارَتْ غَنيْمَةً لكُلِّ طَامِعٍ لأنّها جَهلِتْ شروْطَ النّهضَةِ الأسَاسِيّةِ. اذن، أشخْاصُ الحُكّامِ بذاتِهم أو الدَّسَاتيرُ بعيْنِها ليسَتْ مِنَ شروطُ نهضةِ المُجتمعِ المُباشِرَةِ الأساسيّةِ.
بعدَ هذا التطوَاف من احتِلالِ المُجتمعِ المُراد هدْمهُ الى سَلبِ ثرواتِهِ و محاصَرَتِهِ ثمّ اسقاطِ حكّامِهِ و تغيْيرِ دستورِهِ لمْ نُفلِحُ في مسْعَانا، فهذهِ كُلُّها قدْ تكونُ بذاتِها اسبابٌ مسَاعِدَةٌ لانْهيارِ المُجتمعِ لكنّها لا تُعبِّرُ عنْ حقِيْقَةِ عهْدِ الأنحِطاطِ و لا تُمَثِّلُ الأسبَابَ الضروريّةَ المباشِرةَ لذلك العَهد. فمَا بقي لنا منْ خياراتٍ حتى نضَع المجتمعَ المُتَطوّرَ في خانَةِ المُجتَمعِ المُتَخَلّفَ؟
مِنْ ثنايا فَشَلِ الخَيَاراتِ التي ناقَشْنَاهَا أعلاه باقتِضَابٍ في الأجَابَةِ عنْ افتِراضِنِا حوْل الأجراءَاتِ الضّروريَّةِ لتَدْمِيرِ مُجتَمَعٍ متَطوِّرٍ، و مِنْ واقِعِ المُجتَمَعِ المُتَطوِّرِ الذيْ حصَّنَ نفسَهُ و حفِظَ صَدارَتَهُ بيْنَ الأُمَمِ، نسْتَخْلِصُ الشرُوطَ الأساسيّةَ و الضَروريّةَ المُبَاشِرَةِ لنَهْضَةِ المُجْتَمَعاتٍ الأنسَانيّةٍ بالأَتيْ:
أَوّلاً، اتِّزَانٌ نَفسِيٌّ مُجْتَمَعِيٌّ بِمَا يَمنَعُ المُجتَمَعُ منْ الوصُولِ الى مُسْتَوييْنٍ خَطِيْرَينِ، هما: (1) مُسْتَوى الأفتِخَارِ المَرَضِيِّ بِالذَّاتِ يؤدّي بهِ الى فقْدَانِ الشَّغَفِ بالأبْتِكَارِ و التَجْدِيِدِ مِنْ جِهَةٍ و الأسْتِكْبَارِ على بقيِّةِ الأُمَمِ الأنسَانيّةِ منْ جِهَةٍ أُخْرى. (2) مُسْتَوى انْكَارِ الذَّاتِ و احْتِقَارِهَا ما يَدفَعُ المُجتَمَعُ الى الذّوبَانِ في الأُمَمِ القَويَّةِ منْ حيْثِ أَفكَارِها و طَرائِقِ عَيْشِهَا و مُنْتَجَاتِها. يَقتَضي التّوازُنُ النَّفسيُّ المُجْتَمَعِيٌّ اعتِزَازَاً بالذَّاتِ و احْتِرَامِهَا بحيْث يَنطَلِقُ المُجْتَمَعُ في مَسيْرَةِ نَهضَتِهِ مِنْ الوَاقِعِ و ظروْفِهِ. و تنْطَويْ هذِه الأنْطِلاَقَة النَهضَويَّة منْ هذِهِ النُّقطَةِ (الوَاقِع) و بهَذا الشُّعُورِ (احْتِرَام بالذّاتِ) على اشْتِبَاكٍ عُضْويٍّ بيْنَ مَاضِيْ المُجتَمَعِ و حَاضِرِهِ و ظُروْفِ الوَقِعِ الأنسَانيِّ الرّاهِنِ. و هذَا مَا يَضمَنُ عدَمَ الوُصُوْلِ الى مُسْتَوى الأفتِخَارِ المَرَضي بالذَّاتِ و مُسْتَوى احْتِقارِ الذَّاتِ و ما يُبْطِنَانِ منْ انْحِطَاطٍ خُلُقِيّ يَخْلِقُ نَهْضَةً زَائِفَةً.
ثانيّاً، احْيَاءُ فِكْرَةِ المُجْتَمَعِ الوَاحِدِ في نفْسِ أبْنَاءِهِ بِمَا يمْنَعُ المُجتَمَع منَ الوصُولِ الى مُستَويَيْنِ خَطِيرَيْنْ: (1) مُسَتَوى الأنْقَسَامِ الجّمَاعَاتِيّ بحَيْث يَتَوَزّعُ أبنَاءُ المُجْتَمَعِ في جَمَاعَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ متَنَاقِضَةٍ مِنْ مَنْظُورٍ عنْصِرِيٍّ ضَيِّقٍ. (2) مُسَتَوى الأنَانِيِّةِ الفَرْدِيِّةِ بحَيْث يَهْتَمُّ كُلُّ فَردٍ في المُجْتَمَعِ بمَشَاكَلَهِ الخَاصَّةِ و رفَاهِيِّتِهِ الذَّاتِيّةِ فِي ظِلِّ غِيَابِ المَنْظُورِ الجَّمْعِيِّ. يَفقِدُ المُجتَمعُ بهذَينِ المُسْتَوَيَينِ وحْدَتَهُ النَّفسِيّةِ و الوَاقِعيِّةِ العَمليِّةِ، و يَغْدُو جِسْمَاً مُفَكّكَاً بروْحٍ مُتَشَظِّيَةٍ. بيْنَمَا تقْتَظِي فِكْرَةُ المُجْتَمَعِ الوَاحِدِ وحْدَةً شُعُورِيِّةً تُعْلِيِ مَصْلَحَةَ الجَمِيْعِ عَلى كُلِّ مَصْلَحَةٍ. وَ لعَلَ أَرْقَى العلاقَاتِ بيْن أفرَادِ هكَذَا مُجْتَمَعٍ هيَ فِكْرَةُ الأمْرِ بالمَعْرُوفِ (طَلب الخَيْر العام) و النَّهَي عن المُنْكَرِ (مقاومَة الشّر) التِي تُفْرِزُ مُجتَمعَ المُؤَاخَاةِ.
ثالِثاً، رَابِعَاً، احْيَاءُ فِكْرَةِ الأجتِهادِ/الأبْدَاعِ في فَضَاءٍ حُرّ بِمَا يمْنَعُ المُجتَمَع منَ الوصُولِ الى مُسْتَويَينِ خَطيْريَن: (1) مُسْتَوى تكْدِيِسِ المَعْلوْمَاتِ بِشَكْلٍ كَميٍّ خَامِدٍ دونَ تحْوِيْلِها الى مُنْتَجٍ نَافِعٍ. (2) مُسْتَوى اسْتِهْلاكِ المَعلومَاتِ بِنَحْوٍ سَلبِيّ دوْنَ تَمْحِيْصٍ. يَنْطَوي الأجتِهادُ/الأبْدَاعُ مِنْ حَيْثِ أَدَواتِهِ على الأيِمَانِ بالعِلمِ و فِكْرَةِ التّفكِيْرِ النّقَديِّ المُتَّوَقِّدِ و فكرَةِ الحُريّةِ. و يَنْطَوي مِنْ حَيْثِ نَتَاجِهِ على تَجْدِيدِ الفِكَرةِ النَظَريِّةِ و المَادِيِّةِ كُلّها أو تَجْدِيدِ طَريقةِ تَنَاوُلِها أو الأضَافَةِ عَليْها. و بِذَلِكَ تَتِمُّ غَرْبَلَةُ الأفْكَارِ و المُمَارَسَاتِ في المُجتَمَعِ؛ و يَتِمُّ فَرْز مَا هو ميّتٌ منْها عَدِيمِ الجَدوَى و مَا هو نَافِعٌ لِلمُجْتَمَعِ على أَسَاسٍ رَصِيْنٍ. بالوَاقِعِ، أنَّ نّهضَةَ المُجتَمَعِ شَديْدَةُ الحَاجَةِ لأدَاةِ الأجتِهادِ/الأبْدَاعِ و نَتَاجَاتِهِ لأنّه بِذَلِكَ يَبْقَى مُجتَمَعَاً مُعاصِرَاً للمُسْتَجداتِ حيَّاً يقِظَاً.
رَابِعَاً، احْيَاءُ فِكْرَةِ العَمَلِ اليَومِيِّ الجَمْعِيِّ المُنَظِّمِ بِمَا يمْنَعُ المُجتَمَع منَ الوصُولِ الى مُستَوى العَمَلِ فَقَطْ مِنْ أَجلِ لقْمَةِ العَيْشِ. اذْ تَنْطَوي فِكْرَةُ العَمَلِ اليَومِيِّ الجَمْعِيِّ المُنَظِّمِ عَلى فِكْرَةِ تَقْدِيْرِ الوَقْتِ و اسْتِغْلاَلِهِ و فِكْرَةِ المُثَابَرَةِ و فِكْرَةِ الأنْتَاجِ و فِكْرَةِ الصَّالِحِ العَامِّ. و هَذِهِ كُلُّهَا ضَّرُورِيِّةٌ لِلنَهْضَةِ. بَيْنَمَا تَنْطَوي فِكْرَةُِ العَمَلِ لأَجْلِ لقْمَةِ العَيْشِ عَلى فِكْرَةِ اشْبَاعِ حَاجَةِ الفَرْدِ -وَ لَو بِقَلِيْلٍ مِنَ الجُهْدِ و قَلِيْلٍ مِنَ الزَّادِ- دوْنَ أنْ تُبْطِنَ أثَارَاً جَمْعِيَّةً.
خَامِسَاً، احْيَاءُ فِكْرَةِ النُّخْبَةِ المُثَقّفَةِ التي تَلتَزِمُ عَمَليّاً بتَنْوِيِرِ الوَعْي العَامِ و بَثِّ الحَرَكَةِ في المُجتَمَعِ و اعَادَةِ تَوجِيْهِ المُجتَمَعِ كُلّما انْحَرَافَ أو نَزَلَتْ بهِ نَازِلةٌ. و بِذَلكَ، تَتَوارَى شيئَاً فَشيئَاً فِكْرَةُ النُّخْبَةِ المُثَقّفَةِ السَّلبِيِّةِ البَارِدَةِ التي لا تُحَرِّكُ سَاكِنَاً، و لا تُخْرجُ مِنْ عالمِ التأَمُّلِ الى سَاحَةِ المُواجَهَةِ.
تشَكِّلُ هَذهِ الشُّروط الضَّرُوريّة الخَمسَة التي تُبْطِنُ قِيَمَاً خُلقِيّةً و مبَادِىءً جَمَاليّةً كَثِيْرَةً "روْحَ المُجْتَمَعِ" النّاهِضِ أو "الوَعي الجَمعِيّ" للمُجتَمعِ النّاهِضِ. و هذهِ الرّوحُ كَفِيْلَةٌ بِطَردِ الأحْتِلالِ و انْهَاءِ حالة الحِصَارِ للمُجتَمعِ و ايْجَادِ البَدَائِلَ لشُحِّ المَوارِدِ و تجَسِّيْدِ خيْر الحُكّامِ و الدَّسَاتِيرِ عمَليّاً. فَلو نَزعْنَا هذهِ الشروط الخَمسَة، نَجِدُ أَمَامَنا مُجتَمَعاً يَجمَعُ السِّمَاتِ الأَتيّةِ: الأضْطِرابُ نفْسياً، التفَكُّكُ اجتماعيّاً، الأفلاسُ اخلاقيّاً، التقْلِيدُ و الأستِهلاكُ عِلميّاً، الخُمُولُ عَمَليّاً، فقْدانُ النُّخْبَة الرّاشِدَة الفَاعِلة. و هذِه كُلّها سِمَاتُ مُجتَمَع "القَابِليّةِ للأستِعْمارِ" حَسْب تعْبيِرِ المُفكِّر مَالِك بنْ نبي رحِمَه الله. اذْ يُصْبِحُ هذَا المُجتَمَع بهَذِهِ السِمَاتِ الدّاخِليّةِ مُنْحَطّاً رَخْوَاً؛ مِطْوَاعَاً لأسْتِعْبَادِ قُوَى الدّاخِلِ و جَاهِزَاً للأخْتِراقِ الخَارِجيِّ لأَنَّهُ أَسَاسَاً مُجْتَمَعٌ مُسْتَبِدٌّ مُسْتَرَقٌّ مُسْتَعْمَرٌ.
و لَكنْ ختَامَاً نسْألُ: ما هي وسائِلُنَا المُمكِنةُ لأحْيَاءِ هذِهِ الشُّروطِ الخَمْسةِ الضروريّةِ في المُجْتَمَعِ؟ كَيْفَ نجْعَلُ أبْنَاءَ المُجتَمَعِ يُؤمِنُونَ بهذِهِ الشُّروطِ النّهضَويّة و يُجَسِّدوْنَها حيّةً في سُلُوكِهِم اليَومِيِّ بحَيْث نَضمَنُ تَمثِيْلِها عَمَليّاً عَنْ عَقِيْدَةٍ و نَضمَنُ ديْمُومَتِهَا العَمَليِّةِ؟
أنْ نُكَوِّنَ "عَقْلَ المُجتَمَعِ" بِهَذِهِ الشُّروطِ الخَمْسَةِ و مَا تَنْطَوي عَليْهِ مِنْ خُلُقٍ و جَمَالٍ. بحَيث تَدْخُلُ هَذِهِ الشُّروطِ في بِنْيَةِ هَذا العَقْلِ الجَّمْعِيِّ و تَكُوْنُ بِذَلِكَ الأَسَاس المُكَوِّنٌ لِلأَفْكَارِ و المُمَارَسَاتِ و عَمَليِّةِ الأنْتَاجِ و مُخْرَجَاتِها فيْ المُجْتَمَعِ كَيْ يُشِيْد نَهضَتَهُ. و يَتَكَوَّنُ هَذا العَقْل المُجتَمَعِيّ بِتِلكَ البِنْيَةِ عبْر ادْمَاجِ الشُّروطِ الخَمْسَةِ و قِيَمِهَا في سَبْعِ حُقُوْلٍ تَربَويّةٍ هي: التربيَة الدِّينيّة، و التربيَة الأُسَريّة، و التربيَة المَدْرَسِيّة و الجَّامِعِيّة، و التربِيَة الأعلاميّة، و التربيَة الأدبيّة و الفَنيِّة و الدّرامِيّة، و التربيَة الثّقَافَيِّة، و التربيَة القَانونيّة. و يَتَبَنَّى هَذا الأدْمَاجُ بَرَامِجَاً تَعْلِيْمِيِّةً ذات صِبْغَةٍ نَظَرِيَةٍ تَستَنِدُ على أُسِسِ التّفكِيْرِ النّقْدِيّ و الحِجَاجِ العِلمِيّ، و ذات صِبْغَةٍ تَطْبِيْقِيِّةٍ تَستَنِدُ على الحَرَكَةِ النّشِطَةِ و الفِعْلِ المُوَجِّهِ المُنْتِجِ. هكذا، يَمْتَلِيءُ الوَسَطُ المُجْتَمَعِيُّ العَامُّ بِهَذِهِ الكَثَافَةِ التربَويّةِ المُخَطَّطَةِ الهَادِفَةِ مَا يَكْفَلُ بالنهايةِ في غَرْسِهَا عَقِيْدَةً و مُمَارَسَةً في المُجْتَمَعِ.
سلاح الجو الإسرائيلي يرفع التأهب تحسبًا لهجوم أمريكي على إيران
مؤتة تؤجل الامتحانات المقررة في الجلسة الأولى الصباحية الاربعاء
روما ترفع تمثيلها الدبلوماسي في كراكاس بعد الإفراج عن 4 إيطاليين
ترامب للمتظاهرين الإيرانيين: المساعدة في الطريق
شقيق شيرين عبد الوهاب يعلق على أزمة نقلها إلى منزل فنانة
توجيه لمعالجة تجمعات مياه الأمطار حول مركز صحي عبين
دليلك الذكي لغسل الأواني دون عناء
شقيقة رئيس الديوان الملكي الهاشمي في ذمة الله
الهند تتهم باكستان بإطلاق مسيرات عبر الحدود فوق كشمير
أنا ابنة هذا الوطن وابحث عن الاستحقاق.
بيل وهيلاري كلينتون يرفضان الامتثال لاستدعاء الكونغرس



