عن تُرابين خُلقْنا منهما
أجلس الآن بينكم، مستعيدًا رحلةً طويلةً معكم، ومع أحباءَ كثيرين خارج هذه القاعة.. مستعيدًا رحلةً مشتركة عشناها معاً منذ قصائدي الأولى ورواياتي الأولى؛ يغمرني شعورٌ عميقٌ أنكم كنتم دائماً جزءاً من حياتي، بكل ما فيها، وأنا أشارِكُكُم هذه الحياةَ، بحُلوها ومُرِّها، وواقعاً أردناه أجمل، بسعينا أن نكون بشراً تليق بهم صفة الإنسان، فقد يُشارُ إلى الواحدِ منا ذات يوم، ويقال، كما في نهاية قصيدةٍ قديمة: هو ذا الإنسان.
يملؤني هذا المساء إحساس بأنني كنت محظوظاً بأنني منكم، قارئاتٍ وقراءَ، وأصدقاءَ كانوا دائماً الرّيح التي ترفعُ أجنحة «طيور الحذر»، وتحمي «طفولتي حتى الآن».
ليس سهلًا أن يُكرِّس الإنسانُ حياته للكتابة، لكنه الحلُّ الأفضل، إن استطاع إليه سبيلا، هكذا وجدتُ نفسي مخلصاً لمشروعي، رفيقاً لكلماتي، حريصاً عليها، وحارساً لها من أن تتعثر بعتمة أو بضوء يُعمي، كنت أريدها طيبة مثل وجوهٍ كثيرة وقلوب كثيرة لولاها لما كنت ما أنا عليه اليوم، وكنت أريدها شُجَاعةً، لا تتلعثم، وحرصتُ ألّا أمَسَّ بكرامةِ هذه الكلماتِ أو بوضوحها بمديح كاذب لظلام، أو بتكميم فمها بعصا أو بجزرة.
أجلس بينكم اليوم وثمة سلام داخلي يغمرني، وأنا غيرُ آسف على ما كان يمكن أن أتنعّم به، ورفضتُه، وغيرُ آسف بسبب ثمن غال دفعتُه.
وببساطةٍ بالغةِ الطيبة أقول: إنني أعتز بأنني كنت ابناً للكبار الذين منحوني صداقتَهم وأفكارهم، وأخاً لمن هم بعمري، وأباً لمن هم بعمر أولادي، ولم أكن في أي يوم من الأيام لا ابناً لنظام أو لتنظيم أو لمؤسسة مسيطرة أو لعائلة متنفذة، وعملت الكثير لكي تظلّ كلماتي منتمية لقيم الحرية والعدالة، وهي تتلمس روحَ العالم الذي آمنتُ أنه كلما كان أفضل سيكون حالُ كلِّ واحد منا أفضل، وسيكون حال فِلسطين، جوهرة الضمير، أفضل، ومعها كلُّ مكان عشتُه وعاشني في أعمالي الشعريةِ والروائية، من «الملهاة» حتى «الشرفات»، أفضل، فقد آمنت بتلك الأسطورة الفلسطينية البسيطة العظيمة التي وردت في «أعراس آمنة»، والتي تقول: لقد خلق الله الإنسان من ترابين، ترابِ المكان الذي ولِد فيه، وترابِ المكان الذي سيموت فيه». وإذا كان الإنسان يعرف جيداً المكان الذي ولِد فيه ويحبه، فإن عليه أن يحب كل مكان في هذا العالم، لأن ترابَه قد يكون جزءاً من التراب الذي خُلِق منه.
هكذا أجد نفسي اليوم مسروراً بفكرتي هذه عن أرض طيبة واحدة، تتجاوز هنا إلى كلِّ هناك في هذا العالم، فحين كنت في الثانية والعشرين من عمري كنت أكتب قصيدة لمناضل تمّ قتله تحت التعذيب في جنوب إفريقيا، اسمه ستيف بيكو، وأنا أتساءل كيف رأيت يا إبراهيم في واحدة من قصائدك الأولى في ذلك العمر، عذاب ذلك الرجل، وعذاب شعبه تحت الحكم العنصري هناك، كما ترى عذابك.
أما روايتي الأولى فبدأت بكتابتها في الرابعة والعشرين، لا عن فلسطين بل عن أولئك الذين عايشتُهم وعايشوني من البسطاء في «براري الحُمَّى»، حين كنت مُدرِّساً في تلك البراري، في السعودية قبل نصف قرن.
لقد آمنت دائماً بالعمل لا بالأمل. وحين سئلت قبل أقل من عام في حوار صحافي: ما هي أحلامُك وتمنياتك؟ فوجئتُ أنني أجبتُ: إنني لا أتمنى! فلو تمنيت، فحسب، هذه اللحظةَ لما وصلتُها، ولو تمنيت بأنني سأتقاسم ذات يوم جائزةً مع شاعر كنت أشتري كتبَهُ، في المرحلة الثانوية، لبقيت أتمنّى حتى اليوم، ولو خطر ببالي أنني سأحصل على جائزة مثل هذه التي تكرمونني اليوم بحضوركم لحفلها، ويكرّمني أصدقائي هذا المساء بقلوبهم وعقولهم بالمشاركة فيه، وتكرمني مؤسسة شومان برعايته، لو خطر ببالي أنني سأحصل على هذه الجائزة التي فاز بها ماركيز وأكتافيو باث، ورُشح لها بابلو نيرودا، وماريو فارغاس يوسا، وكاتبي العظيم خوسيه ساراماغو، لبقيتُ أتمنى حتى اليوم.
لقد تبِعْتُ نهر قلبي، وكنتُ على يقين: إذا أردتَ أن يقرأك الناس بكامل قلوبهم، فاكتب بكل قلبك:
«لا تكن نصف قلبك، كن كله».
ولقد تعلَّمتُ: إذا أردتَ أن تكون أميناً ووفياً للقضايا الكبيرة، فإنها بحاجة إلى مستويات فنية عالية للتعبير عنها. وكانت لدي قضيةٌ تختصر كلَّ الأسئلة الوجودية التي أرّقت البشرَ منذ وجودهم على هذه الأرض: قضية فلسطين، التي قلتُ فيها في أول حوار صحافي أُجريَ معي، قبل ستة وأربعين عامًا: نحن نقف مع فلسطين لا لأننا فلسطينيون أو عرب، بل لأن فلسطين امتحان يومي لضمير العالم.
لكنني أدركتُ جيداً وعمِلت، ما استطعتْ، على أن تكون مساحتي، كاتبًا، ممتدة من بدء وجود البشر على هذه الأرض، كما في روايتي الأخيرة «كلُّ الأشياء الجميلة القابلة للكسر» إلى المستقبل البعيد الذي تأملتْه روايتي «حرب الكلب الثانية»، وكما تأملته قصائدي كقصيدة «الطائر» وغيرها، إلى ديوان «الحب شرير» الذي تأمل هذه المساحة منذ بدايات الخليقة، إلى ما بعد عصرِ التوحّشِ الذي نراه اليوم، ورأيناه أمس، مروراً بكل ما عصَف بنا من قمع ونفي وإبادة وتكسير لأجنحتنا، في عالم عربيٍّ ممتدٍّ ما بين ماءين وأكثر من صحراء.
في نهاية أيلول القادم، سأذهب إلى جامعة أوكلاهوما لتسلّم جائزة نيوستاد، وأنا سعيدٌ أن اللغة العربية تفوز بها، للمرة الأولى، منذ تأسيس الجائزة قبل ستة وخمسين عامًا، وسعيدٌ أن الرواية التي مثلت أعمالي، بترجمتها الإنجليزية، في هذه الجائزة التي تُمنح عن مجمل الأعمال، شعريةً ونثريةً، هي رواية «زمن الخيول البيضاء»، التي تقول بوضوح لا لبس فيه إن فلسطين كانت وستبقى، من نهرها إلى بحرها، عربيةً فلسطينيةً، وسعيد أن مؤتمرًا عن الثقافة الفلسطينية سيُعقد خلال الأيام المخصصة لاحتفال الجائزة في الجامعة المانحة التي تأسست عام 1890، وبرعاية مجلة «الأدب العالمي اليوم» التي تصدر منذ عام 1927. سعيد أنني سأذهب إلى واحدة من الجامعات التي أشعل طلبتها بذور ثورة الضمير في العالم ضد الإبادة التي عصفَت بغزة، ولم تزل تعصِفُ بها، الإبادةُ التي لم تتوقف أصلاً منذ قرن، والمحوُ الذي لم يتوقّف منذ قرن؛ ثورة الطلبة الذين دفعوا أثماناً باهظة بسببها، ومعهم كثيرٌ من أعضاء هيئات التّدريس. وسعيد أكثر بالحصول على جائزة يجيء في حيثياتها أنها تُمنح لهذا الكاتب: لأعمالهِ المكتوبةِ والمترجَمةِ المتجذِّرةِ في مواضيع المنفى والهُويّة والمقاومة».
سنظلّ نقول لهؤلاء البشر الرائعين الذين احتضنوا جرح غزة الكبير، ويحتضنون جمرة هذه القضية ويضحّون من أجلها في كل مكان، ولكل إنسان قام بما عليه أن يقوم به من أجل فلسطين، سنظل نقول لهم ما كتبناه وغنيناه هنا ذات يوم للشهيد أحمد المجالي، ابن مدينة الكَرَك، الذي روّى تراب لبنان بالدم الأردنيّ دفاعاً عن فلسطين:
هذي فلسطينك إلك.. هيي إلكْ
مثل الطفولة وصدر إمّك و»الكَرَكْ» هيي إلكْ.
* شارك في حفل التكريم الذي أقامته مؤسسة عبد الحميد شومان، عمّان، الأستاذة فالنتينا قسيسية الرئيسة التنفيذية للمؤسسة، الدكتورة رزان إبراهيم، الدكتور معجب الزهراني، الدكتور زياد الزعبي، الدكتورة ليديا أبو مريم.
مصطفى شعبان يرزق بمولوده الأول من هدى الناظر
كم يحتاج الجسم فعلياً من فيتامين C يومياً
ترامب يفرض رسوما 25% على واردات بعض رقائق الحوسبة المتطورة
مدرب مصر: أتحمل مسؤولية الإقصاء
طقس بارد وصقيع محتمل خلال الأيام المقبلة .. تفاصيل
ماذا قال أبو تريكة عن هزيمة مصر أمام السنغال
ماني .. هزم التوقيت الأفريقي .. وقاد السنغال إلى المجد

