ترامب لم يفسدها هو فضحها
بداية النهاية تقع حين يتحول النظام من الديمقراطية إلى الديكتاتورية، حين تكمم الأفواه ويُحجر على العقول والإرادات، حين تختفي الأصوات ويبقى صوت واحد، صوت «الأخ الأكبر». هكذا تبدأ الديستوبيا سريعاً وتنتهي سريعاً، فالقمع والظلم وتكميم الأفواه يستمر إلى حين، ليضج بعدها الناس ويقاوموا ولو على حساب أرواحهم. في غياب الحرية والعدالة والأمل بمستقبل أفضل، تغيب فطرة الخوف على الحياة ويستتب الأمل ليأس فاحش يدفع صاحبه لتلقي الموت بصدر رحب من أجل التحرر، وهو تحرر قادم لا محالة، فكل مجتمع ديكتاتوري عمره قصير، ولو طال.
إنها بداية النهاية لأمريكا، هذه القوى العظمى العالمية الوحيدة على الساحة الآن، ذلك لأنها تركت طريق «بوتقة الانصهار» الذي كانت «تدعي» أنها تسير عليه لتشكيل مجتمع متنوع صحي لا يفرق بين الأصول أو الأديان، تركت مساحة الحرية المحدودة التي كانت ملتزمة بها على الأقل داخلياً تجاه مواطنيها، تركت مفهوم «الحقوق غير القابلة للتصرف» والتي كانت مكفولة للإنسان عموماً على أرضها لصالح الأحكام العرفية والتفسيرات الترامبية التي أخذت أمريكا لمشهد «عالم ثالث» لطالما عايروا بقية الأمم به.
لقد أطلقت إدارة ترامب أيادي وأسلحة أعضاء ICE إدارة الهجرة والجمارك على المواطنين قبل المقيمين، لتنتشر مؤخراً فيديوهات لهؤلاء الأعضاء، مقنعين مسلحين، منتشرين بكل قوة وجبروت وتوحش في الأحياء الأمريكية، مهددين سلامة وأمن المارة، مطلقين قواهم على الجميع دون حسيب ولا رقيب. تحضرني ثلاثة فيديوهات تحديداً انتشرت مؤخراً لهؤلاء المسلحين، أولها كان فيديو يوقف خلاله المسلح شاباً في عمر السابعة عشرة سنة ويُخرجه من سيارته بعنف فيما الشاب ينادي «أنا مواطن أمريكي، أنا مواطن أمريكي»، ليرد عليه المسلح «لا يهمني أنك مواطن أمريكي»، في جملة معبرة تماماً عن حقيقة السياسة الداخلية الأمريكية الحالية. في فيديو ثان، يوقف المسلحون امرأة وابنها في ولاية فيرجينيا، ثم ينزلونها بعنف من السيارة ويرمونها أرضاً للقبض عليها وسط صراخ وعويل ابنها المرعوب، دون أدنى تخوف حتى من رؤيتهم لابنها يسجل الحادثة كاملة، فالأدلة لم يعد لها أي تأثير، والعنف غير المسبب في وضح النهار لم يعد إدانة، وهل أكثر من غزة دليلاً على هذه اللامبالاة المريبة؟
الفيديو الثالث هو الأكثر إرعاباً، والذي يبين مسلحاً يقف في منتصف الشارع معترضاً سيارة رينيه نيكول جود، فيها سيدة في السابعة والثلاثين من العمر، التي حين حاولت التحرك رماها المسلح بطلقتين أو ثلاث من مسدسه مباشرة على وجهها وجسدها من داخل شباك سيارتها، في مشهد من أبشع مشاهد العنف الآخذة في التصاعد مؤخراً في أمريكا وأكثرها ترويعاً. التصريح الرسمي يقول دفاع عن النفس، الفيديو يحكي قصة واضحة وصريحة لا لبس فيها، قصة محكية صوتاً وصورة ومن خلال المارة المسموعة أصواتهم في الفيديو تعزيراً للمجرم. أمريكا تدخل في ممر مظلم، إلا أنه ليس بجديد، فلطالما ساقت إليه أمريكا شعوب العالم والشعب الأمريكي الأصلي قبل الجميع. اليوم، أمريكا تعكس سياساتها الخارجية الكاوبوية على الداخل الأمريكي، ليتذوق مواطنو أمريكا اليوم طعم أفعال عصابة حكومتهم تجاه العالم الخارجي على مدى عشرات السنوات.
هنا لا بد من الاعتراف، كما يشير ماثيو كوك المخرج والكاتب الأمريكي، بأن ترامب لم يفسد السياسة الأمريكية، إنما هو ببساطة فضحها، يقول كوك «هذه ليست أمة… فالسكان الأصليون تمت إبادتهم. هذا المكان هو ما سماه جورج كارلن شركة نفط ملحقة بجيش. ولهذا فإن الجناح اليميني بطبقة ملاكه كان يصر على أن تكون إدارة هذا المكان لمدير تنفيذي. فالولايات المتحدة ليست لديها مجموعة قيم أخلاقية تتبعها، بل لديها نظام مصمم بعناية لخدمة أجندة مؤسسيها، مجموعة من تجار البشر، المصرفيين، تجار الأسلحة، وصناع الويسكي. ترامب لم يفسد الرئاسة الأمريكية، هو فضح هدفها الحقيقي. وإذا لم نستبدل بأداة القرون الوسطى تلك نظاماً حديثاً مصمماً لخدمة الإنسانية، فهذا الكيان سيفعل ما فعلته كل الإمبراطوريات، يفترس نفسه من الداخل».
الالتفاف على الداخل الأمريكي وتعنيفه ليس جديداً كذلك، فهو يُمارس، إلى درجة، منذ بداية قيام هذه المنظومة المشوهة، إنما هو أكثر وضوحاً اليوم بوجود وسائل التواصل والإثباتات المصورة المتوافرة في أيدي الجميع. ففي خضم انقلابه العنيف على «المهاجرين غير القانونيين» في أمريكا، والذين هم في الواقع في معظمهم أصحاب الأراضي الأصليين، حيث إن الثلث الغربي من أمريكا معظمه أراض محتلة مكسيكية نهبتها أمريكا إبان حرب أمريكا والمكسيك في منتصف القرن التاسع عشر، تمادى ترامب في سياسة قهر المهاجرين والأجانب والتعامل العنيف معهم وترحيلهم غير القانوني وغير الإنساني من «الأراضي الأمريكية،» وهي السياسة المنعكسة على العالم أجمع والآخذة في التفشي في معظم دول العالم. فهكذا هي القاعدة، أنظمة العالم تتبع النظام القائد، اليوم هو العصابة الأمريكية.
تروى اليوم حكايات مرعبة حول ظروف الدخول للأراض الأمريكية وظروف الخروج منها، فدخولاً تفتش السلطات الأمريكية في كل ما يخص الداخلين، بحثاً حتى في مواقعهم الخاصة عن وسائل التواصل إن كانوا يكتبون شيئاً ضد السياسة الأمريكية، وخروجاً هم يطردون المقيمين لأوهن الأسباب كما ويقذفون بأصحاب الأراضي الأصليين من المكسيكيين عبر الحائط الذي يبنيه ترامب على حساب المكسيك حسب تأكيداته، في مشاهد مرعبة كأنها لفيلم ديستوبي مستقبلي يُظهر انهيار القوانين والأنظمة الإنسانية واستتباب الأمر للمسلحين وللحكم الشمولي المطلق.
هي بداية النهاية بلا شك، وستكون النهاية على يد أحد أكثر حكام البشر جنوناً على مدى تاريخ البشرية، هذا الذي انتفخ بقوته وتمادى في وقاحته ورمى بكل جبروته وقمعه وظلمه في وجوه الناس دون حتى محاولة إخفاء أو تزيين، هذا المدان في قضايا جنسية ومالية وضرائبية فادحة. بداية النهاية ستكون على يديه، حين يكتشف الأمريكيون فداحة الديكتاتورية وخطورة التجبر على العالم ومأساوية «الوطنية» القمعية والتعالي «المبدئي» على الآخرين بادعاء نشر الديمقراطية وتحرير الشعوب. ها هو ما كانت تدعي إدارتهم تطبيقه على شعوب العالم حباً في الديموقراطية وحماية للآخرين من ديكتاتورييهم يطبق عليهم اليوم، يتذوقون مراره وترويعه وفداحته الآن. فيا صحوة كوني صحوة، ويا سقوطاً مدوياً ننتظر صداه قادماً من على حافة القارة الأمريكية الشمالية، ويا تحرراً للشعب الأمريكي وللعالم أجمع بعد أو وصلنا للقاع. حان وقت الصعود للأعلى.
محمد رمضان يكشف عن مفاجأة في حفل ختام أمم أفريقيا
رئيسة فنزويلا المؤقتة: لا نخشى مواجهة الولايات المتحدة دبلوماسيا
ذكرى الإسراء والمعراج تُشكّل محطة إيمانية عظيمة
دنيا سمير غانم تُحيي ذكرى ميلاد والدها الراحل بكلمات مؤثرة
ارتفاع مؤشرات الأسهم الأميركية وانخفاض نفط تكساس
الزعيم جمال عبدالناصر والدوائر الثلاث: الثورة الإيرانية مثالاً
شهداء وجرحى جراء قصف الاحتلال النصيرات وغرب غزة
الأمم المتحدة: إعادة إعمار غزة لا تحتمل التأجيل
إدانة أممية لدخول الاحتلال ممتلكات الأمم المتحدة في القدس المحتلة
رئيسة وزراء الدنمارك تستضيف وفدا من الكونغرس الأميركي الجمعة

