ما خفي من أسباب حول تراجع الموقف الأمريكي عن قرار الحرب ضد إيران
خبت عزيمة ترامب أخيراً إزاء توجيه ضربة إلى العمق الإيراني، خلافاً لما عُهِدَتْ به عزائمُ أدهى المقامرين الذين اتخذوا لأنفسهم الرؤية الميكافللية نبراساً نحو مشروعية الوسائل لتحقيق المآرب الشيطانية، ومن ثم تراجعه مرغماً عن قرار الحرب ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي اتهمها بالفساد والوحشية المفرطة، حماية للمتظاهرين الذين خرجوا ضد نظامها "المستبد" وفق الرؤية الترامبية التي حملت ذلك النظام مسؤولية تردي الأوضاع الاقتصادية؛ ما أدّى إلى وصول التضخم في إيران إلى معدلات حرجة.
*ماذا يريد ترامب من إيران
ويبدوا أن محراك الوعي أخذ ينفض الأوهام التي تعشش في رأس ترامب المزدحم بالأفكار المتضاربة، حيث أدرك بأن تجربة فنزويلا باستخدام فائض القوة لا تتناسب وقوة إيران الهائلة، وقدرتها المدمرة على الردّ الساحق، بعد أن استعادت قدرتها العسكرية النوعية بدعم صيني روسي.. ما ساعدها على التحكم بالمشهد الإيراني وتتبع عملاء الموساد الذين تسببوا بالصدامات المسلحة في البلاد.
لا بل وامتلكت التقنيات الكهرومغناطيسية ذات التكنلوجيا الصينية والروسية المتفوقة، التي ساعدت الجيش الإيراني السيبراني على قطع الإنترنت عن الإيرانيين؛ لمنع التواصل بين عملاء أمريكا و"إسرائيل" في الخارج، وأذرعهما في إيران، وبالتالي محاصرة عملاء الموساد الذين حرفوا بوصلة المظاهرات نحو العنف، بعد أن هرّبوا الأسلحة إلى المتعاونين من المتظاهرين، سواء كان النت معتمداً على الكوابل أو البديل الفضائي اللاسلكي (ستارلنك) الذي يديره أيلون ماسك بواسطة الأقمار الاصطناعية حيث أعلن عن دعمه للمتظاهرين.
مع أن النظام "يوتلسات" الأوروبي البديل فشل أيضاً في الوصول إلى شبكة النت الإيرانية لفتح مجالات التواصل البيني المشبوه بذريعة فضح ممارسات النظام الإيراني!! وكأن الغرب لا ينتهك حرية الرأي بمنعه للمظاهرات السلمية المؤيدة لغزة في المدن الأوروبية، أو الأمريكية المطالبة بعزل ترامب، أو جرائم "إسرائيل" المحسوبة على الغرب، في غزة! ففاقد الشيء لا يعطيه.
فماذا تريد أمريكا بعد أن فشلت من قبل في حرب ال12 يوماً بتحقيق الأهداف الاستراتيجية المعلنة، رغم إلقاء الطائرات درة القنابل الأمريكية من نوع "GBU-57 على المواقع النووية الإيرانية فكان حصادها الخيبة.
فهل بقي لدى ترامب ما يهدد به إيران بتحريض إسرائيلي، سوى اللجوء إلى الخيار النووي!؟
طبعاً هذا بحكم المستحيل وفق الظروف الراهنة التي اتفق فيها معظم الخبراء العسكريين عبر الفضاء الرقمي، على أن إيران قوة لا يستهان بها، ولا يمكن تجاوز قواعد الاشتباك معها إرضاءً لنتنياهو الذي لن يَسْلَمَ من الرد الإيراني حتى لو توارى خلف النجوم بطائرته «جناح صهيون»، الخاصة التي غادرت المجال الجوي الإسرائيلي إلى جهة مجهولة (الإعلام العبري).
وكان نتنياهو قد اجتمع مع ترامب نهاية ديسمبر 2025 (سكاي نيوز) للتباحث حول غزة وإيران في فلوريدا، حيث عاد نتنياهو إلى "إسرائيل" بعد أن أعطى ساعة الصفر-كما يبدو- لعملاء الموساد في إيران، تاركاً زوجته سارا في منطقة آمنة بفلوريدا خوفاً من الغضب الإيراني.. دون أن يكترث بسلامة الإسرائيليين الذين يطالبون بمحاكمته بتهمة الفساد.
وقد وجَّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قبل عشرة أيام ، رسالة إلى الشعب الإيراني (القناة 14 الإسرائيلية)، محرضاً على الاحتجاج ضد النظام.
وقال نتنياهو في رسالة مصورة نشرها ديوانه “أقول للإيرانيين: إذا أردتم إيران حرة، فالآن هو الوقت المناسب للقتال من أجل الحرية”.
ما جعل القائد العام للجيش الإيراني أمير حاتمي يهدد فيما لو قُصِفَتْ بلادُه، باستهداف: القواعد الأمريكية في الخليج العربي دون استثناء، والأهداف البحرية المتحركة كالبوارج وحاملات الطائرات (تعرضت أجهزتها للتشويش من قبل إيران) ناهيك عن الضربة الرئيسة التي ستوجه إلى العمق الإسرائيلي، وسيشمل الرد كل الدولة التي قد تسمح للطائرات الأمريكية أو الإسرائيلية بعبور أجوائها باتجاه الأهداف الإيرانية.
*ترامب ينقلب على قرار الحرب وألف علامة سؤال
ويبدو أن قرار ترامب بالتراجع عن الحرب، جاء استجابة لضغوطات مستشاريه العسكريين والجنرالات في البنتاغون الذين حذروه من العواقب الوخيمة.
أيضاً لاعتراض بعض الدول الخليجية على ذلك.. وفق "وولو ستريت جورنال" فإن دول قطر والسعوديه وعُمان تبذل جهوداً حثيثه لإثناء إدارة ترامب عن أي هجوم عسكريّ محذرة من تداعياته الكارثية على استقرار النفط العالمي والأمن الإقليميّ.
ونقلت الجريدة عن مسؤولين خليجيين أن السعوديه وعمان وقطر ابلغت واشنطن بأن أي عمل عسكريّ ضد طهران سيعطل حركة الناقلات عبر مضيق هرمز، ويهيج أسواق النفط، ويعمق حالة عدم الاستقرار في المنطقة مما ينعكس سلبياً على الاقتصاد الأمريكي ذاته.. فيما أكد المسؤولون السعوديون وفقاً للتقرير أن بلادهم لن تنخرط في أي صراع مع إيران ولن تسمح باستخدام أجوائها لشن هجمات، في موقف يظهر تحوطاً خليجياً من تصاعد التصريحات التهديدية لترامب، والذي دعا مؤخراً الإيرانيين (قبل تراجعه) الى إسقاط نظامهم متعهداً بدعمهم عسكرياً.. حتى أنه طالبهم بتسجيل أسماء أفراد الأجهزة الأمنية التي تنتهكهم لمعاقبتهم.
ناهيك عن تراجع مجرم الحرب -المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية- نتنياهو عن التحريض ضد إيران، رغم أنه كان يفعل ذلك في كل مناسبة، بسبب دعمها للمقاومة في غزة، والتي تسببت بطوفان الأقصى، ما أدّى إلى عزل "إسرائيل" في العالم، وجعلته مطلوباً للجنايات الدولية.
ويبدو أن نتنياهو قرأ الرسالة الإيرانية جيداً.. مبرراً تراجعه في أن الكيان الإسرائيلي غير مستعد لمواجهة أي رد إيراني قد يطول الكيان، وكان يعتقد بأن الضربة الأمريكية الصرفة لن تضع "إسرائيل" في واجهة الحدث ليكتشف خلاف ذلك.
ويطرح السؤال نفسه: هل يأتي القرار الأمريكي من باب الخديعة التكتيكية؟ فترامب رئيس غير مؤتمن.. ومن السهل عليه التمرد على القوانين الدولية والأخلاق وكأنه "فاوست" بعينه الذي وقع عقداً مع الشيطان في مسرحية للشاعر الألماني غوته.
* الحلم الإسرائيلي بعودة نظام الشاه الملكي
إذْ تشهد إيران منذ أواخر 2025 موجة احتجاجات واسعة ومستمرة، توسعت مطلع 2026 لتشمل عشرات المدن على خلفية أزمة اقتصادية خانقة وشعارات سياسية مناوئة للنظام. وقد ردت السلطات بحملة أمنية مشددة شملت استخدام القوة وقطع الإنترنت واتهام الولايات المتحدة و"إسرائيل" بتأجيج الاضطرابات.. رغبة منهما بعودة المَلَكِيّة إلى إيران حينما كانت مملكة الشاه محمد رضا بهلوي على وفاق تام مع الكيان الإسرائيلي، وهو ما وعد به نجل الشاه المخلوع، رضا بهلوي، وريث تلك المملكة التي اسقطها الخميني أواخر القرن الماضي.
وظلت الملكية الإيرانية تمثل الحلم القديم الجديد الذي يراود الصهيونية وأمريكا كونها مثلت قلعة إسرائيلية أدت خسارتها إلى فقدات "إسرائيل" موقعاً إستراتيجياً متقدماً في الشرق الأوسط.. فأخذتها الأوهام إلى الاعتقاد بأنها وضعت قدميها من جديد في أول الطريق لتكتشف بأن حصادها الخيبة.
*كيف نشأت الأزمة الاقتصادية في إيران؟
صدر أول قرار للعقوقبات الأمريكية على إيران عقب فشل تحرير الرهائن الأمريكيين في طهران عام 1979، وتبدأ القصة حينما سمحت أمريكا لشاه إيران المنفي بدخول الولايات المتحدة لتلقي «العلاج الطبي» بينما کان الثوار يعتقدون أن الشاه قد هُرِّبَ من البلاد، فقام المحتجون بالاستيلاء على السفارة الأمريكية واحتجاز الرهائن داخلها.
وجاء الرد الأمريكي بأن أصدر الرئيس كارتر الأمر التنفيذي رقم 12170 في نوفمبر 1979 بتجميد نحو 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية، بما في ذلك الودائع المصرفية والذهب وغيرها من الممتلكات وبعض الأصول.
وبعد الحرب العراقية الإيرانية، زادت العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران لإغراقها في الأزمات.
ولكن في عام 1984، تمت الموافقة على العقوبات التي تحظر مبيعات الأسلحة وجميع المساعدات الأمريكية لإيران وفق قانون العقوبات الإيرانية (ISA) الذي هو أساس العقوبات الحالية ضد إيران.. أي أن أسباب التضخم في إيران اليوم، أمريكية بامتياز.
ومنذ ذلك الحين والعقوبات تتوالى وتؤثر سلبياً على الاقتصاد الإيراني وتغرق الإيرانيين في الأزمات رغم الشكوى التي قدمتها إيران في 16 يوليو 2018 أمام محكمة العدل الدولية ضدّ أمريكا، احتجاجاً على إعادة فرض عقوبات أميركية عليها، بعد خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي. واتهمت إيران خلال الشكوى الولايات المتحدة بأنها تفرض «حصاراً اقتصادياً» عليها.
وفي 3 أكتوبر 2018 أصدرت محكمة العدل الدولية قرارها في الشكوى وأمرت أمريكا برفع العقوبات التي تستهدف السلع «ذات الغايات الإنسانية» المفروضة على إيران، كما أمرت ألا تؤثر العقوبات على المساعدات الإنسانية أو سلامة الطيران المدني وهو ما لم تلتزم به واشنطن كما ينبغي.
لكن نتائج العقوبات الأمريكية على الاقتصاد الإيراني بتحريض إسرائيلي، إلى جانب تغلغل الموساد داخل إيران، ساهما في صناعة الأزمة الراهنة، وما تشهده إيران من تضخم مرتفع (حيث بلغ معدل التضخم السنوي 38.9% وفقاً للبنك المركزي الإيراني)، ويتراجع الريال الإيراني بوتيرة متسارعة، إذ سجل في الأشهر الأخيرة أدنى مستوياته مقابل الدولار عدة مرات.. وهذه أدلة كافية لربط أسباب الأزمة في إيران بالحصار الصهيوأمريكي ضدها
*خلاصة القول
وفي المحصلة، فهل نقول وداعاً للحرب على اعتبار أن تراجع الضربة الأمريكية تاتي ترسيخاً لقواعد اشتباك جديده! أم أن ما قام به ترامب وما أبداه نتنياهو من تراجع إنما يندرج في سياق التكتيك لإيهام إيران بهدوء الموقف حتى يحسن الأعداء ضربتهم في العمق الإيراني.
فريق الاتحاد يفوز بلقب دوري المحترفات لكرة القدم للمرة الثالثة
أميركا تحث القوات السورية على وقف الأعمال القتالية بين حلب والطبقة
ترامب يفرض رسوما بنسبة 10% على دول أوروبية بسبب قضية غرينلاند
ترامب: حان الوقت للبحث عن قيادة جديدة في إيران
رئيس لجنة بلدية الطفيلة يتفقد المواقع المتضررة بسبب الأمطار
وزير السياحة يبحث في رحاب تطوير الواقع السياحي
إسرائيل تعترض على لجنة التكنوقراط الفلسطينية لإدارة غزة
قسد بين المطرقة التركية -السورية ووهم الدولة
حين تتحول التفاصيل الاجتماعية إلى معارك وطنية: قراءة هادئة في جدل استقبال السفير
الاقتصاد العالمي في 2026: البحث عن العائد داخل حقل ألغام متعدد الطبقات
الهوية الوطنية في الأردن بين المتخيل والمعاش
الصحة: إطلاق بروتوكول موحّد لعلاج الجلطات القلبية الأسبوع المقبل
وزارة التربية: 412 مخالفة في تكميلية التوجيهي
ما خفي من أسباب حول تراجع الموقف الأمريكي عن قرار الحرب ضد إيران




