الاقتصاد العالمي في 2026: البحث عن العائد داخل حقل ألغام متعدد الطبقات
يدخل الاقتصاد العالمي عام 2026 كمن يعبر جسرًا طويلًا في منتصفه؛ خلفه صدمات لم تُرمَّم بالكامل، وأمامه ضباب كثيف من المخاطر والتحولات، تقرير «غولدمان ساكس» المعنون «البحث عن محفزات وسط التعقيد» لم يبتكر هذا الوصف، بل التقط إحساسًا عامًا يتردد في مكاتب البنوك المركزية وقاعات المؤسسات الدولية، ويتقاطع هذا التشخيص مع تحذيرات صندوق النقد الدولي الصادر في أبريل 2024 من «مسار هش للنمو العالمي»، ومع تقييم بنك التسويات الدولية الذي يرى أن النظام المالي العالمي يواجه اختبارات متزامنة وغير مسبوقة، نحن أمام مرحلة انتقالية لا تسمح باليقين، لكنها لا تقبل الارتباك.
أما معنى “التعقيد” اقتصاديًا، فلا يكمن في ضعف النمو بقدر ما يكمن في تضارب مساراته، فالتضخم العالمي تراجع من ذروة قاربت 9% في 2022 إلى نحو 3–3.5%، لكنه لم يعد إلى مستوياته التاريخية المنخفضة، السبب أن جزءًا كبيرًا منه أصبح هيكليًا، مرتبطًا بإعادة توطين سلاسل الإمداد، وارتفاع كلفة الطاقة في مرحلة التحول الأخضر، وضغوط الأجور في الاقتصادات المتقدمة، هذه العوامل تجعل السيطرة على الأسعار أكثر تعقيدًا حتى في ظل سياسات نقدية مشددة،
وفي قلب هذا المشهد المتشابك، تبرز الولايات المتحدة كحالة استثنائية بتوقع نمو يبلغ 2.6% في 2026، هذا الرقم يكتسب أهميته عند وضعه في سياق تاريخي؛ فمنذ عام 1980، حيث نجح الاقتصاد الأمريكي في أربع مرات فقط من أصل إحدى عشرة دورة تشديد نقدي في الحفاظ على نمو يتجاوز 2.5% في العام التالي للتشديد، إذا تحقق هذا السيناريو، فإن الولايات المتحدة ستكون في موقع متقدم مقارنة بأوروبا التي يُتوقع أن يبقى نموها دون 1.5%، وبالاقتصادات الآسيوية المتقدمة، مدفوعة بسوق استهلاكي ضخم، واستقلال نسبي في الطاقة، وريادة تكنولوجية واضحة.
لكن هذا التفوق الأمريكي لم يأتِ من فراغ، إذ تلعب السياسة المالية دورًا مركزيًا في دعمه، وفي الوقت ذاته في تعقيده. فالتخفيضات الضريبية والإنفاق الحكومي يرفعان الطلب الكلي ويعززان النمو على المدى القصير. ويمكن تبسيط هذه المعضلة عبر معادلة اقتصادية مباشرة: التضخم يساوي الفجوة بين الطلب الكلي والعرض الكلي مضافًا إليها العوامل الخارجية. في السيناريو الحالي، الطلب مرتفع بفعل التحفيز المالي، بينما يواجه العرض قيودًا هيكلية، ولا تزال العوامل الخارجية مضغوطة بفعل التوترات الجيوسياسية. النتيجة أن الفيدرالي لا يحارب “طلبًا ضعيفًا” بل طلبًا قويًا، ما يجعل خفض الفائدة المبكر مخاطرة تضخمية حقيقية.
ومن هنا يبدو تأجيل خفض الفائدة إلى منتصف 2026 خيارًا عقلانيًا أكثر منه متشددًا. التجارب التاريخية، كما في دورتي 1995 و2006، أظهرت أن التيسير المبكر قد يؤدي إلى عودة التضخم أو خلق فقاعات أصول يصعب احتواؤها لاحقًا، صحيح أن استمرار الفائدة المرتفعة يضغط على الأسواق الناشئة ويزيد كلفة التمويل، لكنه في المقابل يعزز الانضباط المالي ويمنح النظام المالي العالمي هامش أمان إضافيًا في مرحلة انتقالية حساسة.
في هذا السياق النقدي الحذر، تصبح أسواق الأسهم الأمريكية مفهومة ضمن منطق مختلف، فهدف 7,600 نقطة لمؤشر S&P 500 يبدو طموحًا، لكنه يصبح أكثر واقعية إذا تحقق نمو أرباح بنحو 10–11%، الذكاء الاصطناعي لم يعد وعدًا تسويقيًا كما في 2023، بل دخل مرحلة التطبيق الفعلي وتحسين الإنتاجية وخفض التكاليف. ومع ذلك، فإن الخطر لا يكمن في السوق ككل، بل في التمركز المفرط في قطاعات محددة، ما قد يخلق فقاعات قطاعية حتى في ظل أساسيات قوية.
وبالتوازي مع ذلك، تعود الأسواق الناشئة إلى الواجهة بعوائد متوقعة تقارب 8%، مدفوعة بفجوة تقييم واضحة؛ إذ تقل مضاعفات الربحية فيها بنحو 30–40% مقارنة بالسوق الأمريكي. دول مثل الهند ودول جنوب شرق آسيا تستفيد من إعادة توجيه الاستثمار الصناعي العالمي، غير أن هذه الفرص ليست متاحة بلا ثمن، إذ تبقى مخاطر العملة والحوكمة والاستقرار السياسي عوامل حاسمة تجعل الانتقائية شرطًا أساسيًا للنجاح.
أما في سوق السلع، فإن رفع توقعات الذهب إلى 5,000 دولار للأوقية يعكس تحولًا وظيفيًا عميقًا أكثر مما يعكس مجرد تفاؤل سعري، ففي عام 1980 بلغ الذهب ذروته عند 850 دولارًا، أي ما يعادل نحو 3,200 دولار اليوم بعد احتساب التضخم، ما يعني أن المستوى المتوقع يفوق الذروة الحقيقية التاريخية بنحو 56%، هذا التحول يعكس انتقال الذهب من مجرد تحوط ضد التضخم إلى أصل جيوسياسي تستخدمه البنوك المركزية لتقليل الاعتماد على الدولار في عالم يزداد انقسامًا.
هذا التحول في وظيفة الذهب يفتح الباب أمام سؤال أوسع يتعلق بالمخاطر غير المالية التي قد تهز الأسواق في 2026. تصاعد الشعبوية، أزمات الديون السيادية، واحتمالات الصدمات الجيوسياسية المفاجئة، كلها عوامل يصعب نمذجتها أو إدراجها في جداول التوقعات، لكنها قادرة على إعادة تسعير الأصول بسرعة تفوق أي تحليل تقليدي، وهو ما يفسر الإقبال المتزايد على الأصول الصلبة.
وفي المحصلة النهائية، فإن عام 2026 لا يبدو مناسبًا لرهانات أحادية أو اندفاع غير محسوب، بل لإدارة مخاطر واعية ومتدرجة. بالنسبة للمستثمر العربي، تقوم الاستراتيجية الرشيدة على تنويع حقيقي: أسهم أمريكية للاستفادة من قوة الأساسيات، انكشاف انتقائي على الأسواق الناشئة، حصة محسوبة من الذهب للتحوط الجيوسياسي، إضافة إلى سندات وسيولة تمنح المرونة، ففي عالم معقّد كهذا، لم يعد العائد مكافأة للجرأة وحدها، بل ثمرة للفهم العميق، والانضباط، والقدرة على التمييز بين الفوضى والإشارة.
أمانة عمان تعلن الطوارئ المتوسطة لمواجهة المنخفض الجوي .. الأحد
غوتيريش: قِيِم الأمم المتحدة تواجه تحديات
فريق الاتحاد يفوز بلقب دوري المحترفات لكرة القدم للمرة الثالثة
أميركا تحث القوات السورية على وقف الأعمال القتالية بين حلب والطبقة
ترامب يفرض رسوما بنسبة 10% على دول أوروبية بسبب قضية غرينلاند
ترامب: حان الوقت للبحث عن قيادة جديدة في إيران
رئيس لجنة بلدية الطفيلة يتفقد المواقع المتضررة بسبب الأمطار
وزير السياحة يبحث في رحاب تطوير الواقع السياحي
إسرائيل تعترض على لجنة التكنوقراط الفلسطينية لإدارة غزة
قسد بين المطرقة التركية -السورية ووهم الدولة
حين تتحول التفاصيل الاجتماعية إلى معارك وطنية: قراءة هادئة في جدل استقبال السفير
الاقتصاد العالمي في 2026: البحث عن العائد داخل حقل ألغام متعدد الطبقات
الهوية الوطنية في الأردن بين المتخيل والمعاش
الصحة: إطلاق بروتوكول موحّد لعلاج الجلطات القلبية الأسبوع المقبل



