بين ميزان القسط وفوضى المنصات
وبالقياس على هذا الأصل الأخلاقي، وفي ظل ما تشهده منصات التواصل الاجتماعي—التي يُفترض بها أن تكون منابر للنقاش الحر والحوار المتزن بعيداً عن التشنجات والحساسيات—أرى أن بعض ما يُنشر لا يرتقي لمستوى "المقال الصحفي" الرصين؛ فهي كلمات مبعثرة تفتقر للوزن والموضوعية. وبصفتي كاتب مقال، أجد أن تلك الكتابات لا تعدو كونها انعكاساً لمواقف شخصية، أو ربما خصومات خاصة ضيقة مع جماعة "الإخوان المسلمين". ويبدو أن هؤلاء قد غفلوا عن حقيقة سوسيولوجية واضحة، وهي أن قيادات الجماعة في الأردن تمثل نسيجاً عريضاً يمتد ليشمل كافة العشائر الأردنية الكريمة، مما يجعل نقدها بأسلوب شخصي فجّ مجانباً للصواب ولروح المواطنة والعدل.
لا ناقة لي ولا جمل
- ابتداءً، أؤكد أنني لا أنتمي لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين، ولا لأي حزب سياسي آخر، سواء داخل الأردن أو خارجه؛ وهو أمر موثق ومعلوم لدى الجهات المختصة. إنما ينطلق طرحي هذا من كوني مواطناً أردنياً يعتز بتراب هذا الوطن، ويسعى جاهداً لأن يرى كافة مكوناته الاجتماعية والسياسية تترابط في "لوحة فسيفسائية" متناغمة، تعكس مشهداً جمالياً ووطنياً جامعاً.
- لقد واكب ظهور جماعة الإخوان المسلمين في الأردن بدايات تأسيس المملكة الأردنية الهاشمية قبل قرابة ثمانية عقود؛ حيث تعايشت الجماعة مع الدولة والمجتمع بمنتهى الوطنية والتفاهم، وغدت جزءاً أصيلاً من النسيج العام للجسد الأردني الواحد، متجاوزةً كافة التحديات بروح المسؤولية المشتركة.
- إن أفراد هذه الجماعة —كغيرهم من البشر— ليسوا ملائكة معصومين، فالعصمة قد انقطعت بختام الرسالات السماوية. وفي هذا دحضٌ صريح لمن قد يدعي القداسة لأي فئة بشرية. وبناءً عليه، فإن وقوع بعض الأخطاء منهم أمر وارد وطبيعي؛ فالأشقاء داخل البيت الواحد قد تختلف وجهات نظرهم، إلا أن هذا الخلاف لا يعني بحال من الأحوال التحول إلى حالة من العداء، بل يبقى في إطار التعددية التي تُثري الوطن ولا تنخر في جسده.
في كل عرس لهم قرص
- يُلاحظ في الآونة الأخيرة بروز ظاهرة يمكن وصفها بعبارة "في كل عرس لهم قرص"؛ حيث يستغل البعض أي مناسبة أو حادثة لتوجيه سهام نقدِهم، لا سعياً وراء الحقيقة، بل كمحاولة مستترة للنيل من الثوابت. ولما كان هؤلاء يدركون فداحة التهجم المباشر على قيم الإسلام، فإنهم يعمدون إلى الدخول من "الأبواب الخلفية" عبر استهداف الجماعات والحركات الإسلامية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، متخذين من النقد السياسي غطاءً لغايات أبعد مدى.
- من المثير للتأمل أن معظم هذه الكتابات تُواجَه بإهمال تام وصمت مطبق من قِبل قيادات الجماعة وأعضائها التنظيميين؛ فمن وجهة نظري، يعكس هذا الصمت قناعةً لديهم بأن ما يُطرح لا يستحق عناء الرد لافتقاره للأدلة والموضوعية. وكما يُقال في الأدب العربي: "تأبى الرماحُ إذا اجتمعن تكسراً"، فإن قافلتهم تمضي بتؤدة وثبات، مترفعةً عن الانشغال بمعارك جانبية لا طائل منها.
- إن مبعث قولي هذا هو الحرص الأكيد على حماية مجتمعنا الأردني من أي شرخ قد تسببه مواقف شخصية أو ترسبات خاصة ضيقة. فمن المؤسف أن تتحول المنصات إلى ساحات لتصفية حسابات خاصة تحت ستار النقد العام، دون وجود مسوّغ حقيقي أو سبب موضوعي. وقد خلصتُ إلى هذه النتيجة بناءً على عدة مؤشرات وقرائن سأوردها تباعاً، آملاً أن يسهم ذلك في توضيح الصورة للقارئ الأردني المحايد الذي ينظر للأمور بعين البصيرة والاتزان.
مظلة كل الأردنيين وتحت عبائته ينطوون
- جلالة الملك.. مرجعية وطنية فوق التجاذبات، لذا فإن محاولة البعض إقحام مقام جلالة الملك في النقاشات الجانبية، أو "الاختباء تحت عباءته" لتمرير مواقف شخصية، يُعدُّ نوعاً من الإفلاس الفكري وقصور الرؤية. فالملك في الوجدان الأردني هو المظلة التي يستظل بها الجميع، وهو القائد الذي يقف على مسافة واحدة من كافة مكونات الشعب الأردني؛ لذا لا يختلف اثنان على شرعيته ومكانته. إن هؤلاء الذين يحاولون "الاستقواء" باسم جلالته لكسب شرعيةٍ مفقودة لمواقفهم، يغفلون عن حقيقة أن مواقف جلالة الملك والحكومة والشعب الأردني منسجمة تماماً، لاسيما تجاه القضية الفلسطينية التي يدرك العالم أجمع ثبات الأردن عليها؛ ومن ثمَّ فإن الزج باسم جلالة الملك في سياقات لا تخدم المصلحة العامة هو تصرفٌ مرفوضٌ ومجانبٌ للصواب.
- لقد كفل الدستور الأردني حرية الرأي والتعبير بصورة واضحة وجلية؛ إذ نصت المادة (15) منه على أن الدولة تكفل لكل أردني الحق في التعبير عن رأيه بحرية، سواء بالقول أو الكتابة أو التصوير، أو غيرها من وسائل التعبير، فضلاً عن ضمان حرية البحث العلمي والصحافة والنشر، شريطة الالتزام بحدود القانون. وبناءً عليه، لا يجوز تعطيل وسائل الإعلام أو تقييد الصحافة إلا بموجب أمر قضائي، وضمن قيود محدودة جداً تُفرض فقط في حالات الطوارئ القصوى ولصالح الأمن القومي.
ملكاً وحكومة وشعباً متناغمون
- يسود إجماعٌ مطلق بين كافة المقيمين على ثرى المملكة الأردنية الهاشمية—سواء من المواطنين الأردنيين، أو الأشقاء العرب، أو حتى البعثات الدبلوماسية الصديقة—على غياب أي فجوة بين مقام القيادة الهاشمية والحكومة والشعب في المواقف الاستراتيجية الكبرى. إن العلاقة بين الشعب والنظام الهاشمي تقوم على ثوابت تاريخية راسخة؛ ومن هنا، فإن تباين الآراء تجاه السياسات الحكومية المتعاقبة يُعدُّ ظاهرة صحية ضمن سياق المواطنة الفاعلة، ولا يخرج أصحابه عن مظلة الانتماء الوطني، كما لا يجوز بحالٍ من الأحوال وضعهم في دائرة الاتهام أو التشكيك بولائهم.
- فلسطين.. قضية الهاشميين والأردنيين المركزية، إذ لا يقبل الموقف الأردني الداعم والثابت تجاه القضية الفلسطينية التشكيك أو المزايدة، وهو موقفٌ مبدئي يشترك فيه الجميع، وفي مقدمتهم جماعة الإخوان المسلمين. فالتاريخ يسجل بمداد من فخر أن مؤسس المملكة الأردنية الهاشمية، الملك عبد الله الأول، قد ارتقى شهيداً على أعتاب المسجد الأقصى المبارك، مما يجسد تلاحم الدم الهاشمي مع تراب فلسطين. وبناءً عليه، فإن محاولات البعض اتهام الجماعة بالتشكيك في الموقف الرسمي الأردني، أو ادعاء خروجها عن الإجماع الوطني تجاه القضية المركزية، ما هو إلا محض افتراء يجافي الحقائق التاريخية والواقع المعاش.
الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية
- إن وجود الأصوات المعارضة في المجتمعات الحرة يُعدُّ ظاهرة صحية تعكس حيوية الدولة والمواطن على حد سواء؛ فالدول التي تخلو من الرأي الآخر، أو تفتقر لوجهات النظر المغايرة للتوجهات الحكومية، غالباً ما تقع في فخ "الدكتاتورية" والجمود السياسي. والحمد لله، فإن الأردن—بتاريخه ونهجه—لم يكن يوماً دولة قمعية أو دكتاتورية، بل دولة تحترم التعددية وتستوعب التباين في المواقف ضمن إطار المصلحة الوطنية العليا.
- إن صيانة الحقوق الإنسانية ليست مجرد نصوص دستورية فحسب، بل هي مبادئ أقرتها كافة الشرائع السماوية. وبناءً عليه، فإن محاولة "الحجر" على آراء الآخرين، أو توزيع الاتهامات الجاهزة والتحليلات التي يمكن وصفها بأنها "منتهية الصلاحية" ومجافية للواقع، لا تعكس حصافةً في الرأي، بل هي مؤشر على ضيق الأفق والافتقار لأدوات النقد الموضوعي.
- تدرك قيادات الدولة الأردنية بعمق تاريخ جماعة الإخوان المسلمين وسياق وجودها الراسخ في المملكة؛ لذا فإن المزاودة على موقف الدولة في هذا الإطار يُعدُّ تصرفاً أهوجاً وممجوجاً من كافة شرائح المجتمع، بما في ذلك الفئات التي قد تختلف مع الجماعة أو لا تنظر إليها بعين الرضا؛ فالاختلاف السياسي شيء، والطعن في شرعية المكونات الوطنية شيء آخر تماماً.
- لا تسمح الدولة الأردنية، ولا تقبل من أي حكومة كانت، بتعطيل المواد الدستورية التي كفلت للمواطن حريته وحقوقه، إلا في ظروف استثنائية جداً يحددها القانون. ومن المثير للسخرية والأسى معاً، بروز فئة تطلق "فتاوى معلبة" (أو كما توصف بـ "الباذنجانية" لغرابتها وعدم واقعيتها)، وهؤلاء غالباً ما يسقطون من عين الجهات التي يظنون أنهم يتقربون إليها؛ فالجميع يدرك زيف ادعاءاتهم وانفصامهم الأخلاقي والسياسي، وإن وجدوا صمتاً من البعض أحياناً، فهو من قبيل "المداراة" لا الاقتناع بما يطرحون.
ختامه مسك
- في الختام، أؤكد جازماً أن الأردن لن يحيد عن قضيته المركزية يوماً، وبذات العزم والإصرار لن يقبل العبث بنسيجه الاجتماعي أو السماح لمن يبذرون بذور الفتنة بين مكوناته بالتمادي. وإن صمت الدولة أحياناً تجاه هؤلاء لا يعكس غفلة، بل هو ترفعٌ حكيم؛ فربما يُتركون ليلتهوا ببعض "اللعاع" الفاني، ريثما تعيدهم الأيام إلى رشدهم أو يُكفى الوطن شرورهم.
- كفى عبثاً بمكونات المجتمع الأردني المتماسك، وعودوا إلى جادة الصواب إن كنتم للرشد تابعين. تذكروا دوماً الميزان الإلهي: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}؛ فالعدل في القول والحكم هو مقتضى الإيمان والتقوى، والحيدة عنه ليست إلا انزلاقاً نحو الفرقة والشتات.
- يا عقلاء الوطن، والكلام لا يُوجه إلا لمن يعقلون: لا تجعلوا الأردن ومكوناته يدفعون فواتير سذاجة البعض أو أحقادهم الشخصية النابعة من فراغ. إن زمن "هواتف العملة" التي لا تنطق إلا بالدفع قد ولى من شوارعنا، فلا تكونوا كأولئك الذين لا تتحرك ألسنتهم إلا بدوافع المصالح الضيقة والعداوات الخاصة، فالوطن أسمى من أن يُرهن لمناكفات عابرة أو تصفية حسابات شخصية.
الخارجية السورية: إعادة القبض على 110 فارّين من سجن الشدادي
جاكوب إلوردي في مفاوضات متقدمة لدور جيمس بوند
ورثة عبد الحليم حافظ يلاحقون العندليب الأبيض قضائياً
الخيرية الهاشمية وزكاة المناصرة تواصلان توزيع الخبز يوميًا في غزة
مياه اليرموك تستبدل خط صرف صحي تسبّب بفيضان مياه عادمة
مفوضية اللاجئين تعلن دخولها مخيم الهول في سوريا
روسيا: انخفاض إمدادات الغاز إلى أوروبا بنسبة 45%
3 وفيات بحادث تصادم على الطريق الصحراوي
توقعات بارتفاع غرام الذهب عيار 21 إلى 100.30 دينار السبت
الأردن في أسبوع: حين تُدار السياسة على حافة الممكن
مدرسة أبو عبيدة الأساسية للبنين تُثمّن الجهود البارزة في خدمة الطلبة
طريقة تحضير المرقوق باللحم والخضار
غرينلاند نموذج جديد لصراع الموارد والسيادة
الهاشمية حققت نقلة نوعية في جودة مخرجاتها
اليرموك تطلق برنامجي قروض ومساعدات مالية لطلبتها
جامعة مؤتة تحدد موعد الامتحانات المؤجلة بسبب المنخفض
عائلة المهندس بني فواز تطالب بالكشف عن ظروف وفاته
أعراض لا يجب تجاهلها .. إشارات مبكرة قد تكشف عن السرطان
اليرموك تحقق قفزة نوعية في تصنيف Webometrics العالمي
نتائج الفرز الأولي لوظيفة مدير صندوق البريد .. رابط
ما خفي من أسباب حول تراجع الموقف الأمريكي عن قرار الحرب ضد إيران

