بين الرحمة والخذلان … اختبار الإنسانية الأخير
في لحظات الخطر، حين يضيق الوقت، وتتسارع الأنفاس، ويصبح القرار أثقل من القدرة على احتماله، يكتشف الإنسان ما هو الأهم، الأهم ليس ما يملكه، إنما ما يحبّه.
في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث جاءت التحذيرات كظل ثقيل يسبق العاصفة، لم يكن المشهد مختلفاً عن مشاهد النزوح التي باتت مألوفة، حقائب تفتح على عجل، أبواب تغلق دون وداع، وذكريات تترك كأنها لم تكن!
غير أن حكاية واحدة، في زاوية من هذا المشهد، خرجت عن المألوف.
امرأة لبنانية عاشت أربعين عاماً في منزل واحد، جمعت فيه تفاصيل عمر كامل، صوت الصباح، رائحة القهوة، وزوايا تحفظها كما تحفظ ملامح وجهها. ومع ذلك، حين جاء وقت الرحيل، لم تأخذ شيئاً من كل ذلك.
لم تحمل أثاثاً، ولا مقتنيات، ولا حتى ما يمكن أن يختصر في حقيبة صغيرة. حملت قططها.
أربعون قطة، وربما أكثر، كانت بالنسبة لها أكثر من مجرد حيوانات أليفة، كانت عائلة. تقول ببساطة تختصر المشهد: هني عيلتي.
ما نتمسك به في لحظات الخطر، ليس بالضرورة ما يراه الآخرون مهماً إنما ما يمنحنا معنى الاستمرار.
يطرح هذا المشهد سؤالًا يتجاوز الحكاية نفسها، ما الذي يدفع إنساناً، في لحظة نجاة، إلى التمسك بما قد يبدو للآخرين عبئاً؟
الجواب، على الأرجح، يكمن في طبيعة الحب ذاته. الحب لا يخضع لحسابات المنطق، ولا يلتزم بما هو عملي أو ضروري، وفق المقاييس التقليدية. حين يكون حقيقياً، يصبح هو الضرورة الوحيدة.
في أزمنة النزوح، لا تختبر القيم بالشعارات، بل بالأفعال. هناك من ينجو بجسده فقط، وهناك من يحاول أن ينقذ ما تبقّى من روحه. وهذه المرأة، في قرارها، اختارت أن تنقذ روحها.
قصتها لا تختصر بحكاية قطط، إنما تمتد إلى معنى أعمق… معنى الانتماء، والعلاقة التي تتجاوز اللغة ولا تحتاج إلى تفسير. لم ترَ فيهم عبئاً.. رأت فيهم امتداداً لذاتها.
في عالم يزداد قسوة وبرودة، تأتي هذه الحكاية كنافذة إنسانية صغيرة، تذكّر بأن الرحمة لا تزال ممكنة، وأن الإنسان، رغم كل الظروف، قادر على أن يختار الحب.
قد تبدو القصة بسيطة، لكنها تحمل سؤالًا جوهرياً.. ماذا نحمل معنا حين نجبر على الرحيل؟ هل نحمل ما نملك، أم نحمل ما نحب؟
في الإجابة، يتحدد الكثير. هذه المرأة لم تحمل أشياءها. لقد حملت قلبها.. ومضت.
حين يعذّب طفل ماذا يبقى من العالم؟
في لحظات نادرة، لا تعود اللغة قادرة على أداء وظيفتها. تتراجع الكلمات، وتتبعثر الجمل، ويقف التعبير عاجزاً أمام مشهد يفوق الاحتمال. ليست كل المآسي قابلة للوصف، وبعضها يخرج من حدود اللغة إلى مساحة أشد قسوة، مساحة الصدمة الصافية.
ما يتداول من مشاهد لطفل رضيع في غزة، يقال إنه تعرّض للتعذيب أثناء التحقيق مع والده، ليس مجرد خبر عابر في شريط الأحداث المتسارعة. هو لحظة فاصلة، تختبر ما تبقّى من قدرة العالم على الإحساس.
الطفل، بطبيعته، خارج كل الحسابات. لا ينتمي إلى طرف، ولا يحمل موقفاً، ولا يفهم معنى الصراع. وجوده في أي سياق عنف، هو في حد ذاته انهيار للإنسانية بكل أشكالها، لكن ما تكشفه مثل هذه المشاهد، يتجاوز الفعل نفسه. إنه يكشف عن تحوّل أعمق، أكثر خطورة، تحوّل في قدرة البشر على الاعتياد!
الاعتياد على الألم، الاعتياد على رؤية الظلم، والمرور عليه، كما لو أنه تفصيل آخر في يوم مزدحم بالأخبار.
في غزة، لا تأتي الحرب كحدث طارئ، إنما كواقع يومي. تتسلل إلى تفاصيل الحياة، إلى البيوت، إلى الأجساد. لكنها حين تمس طفلًا، فإنها تتجاوز كل ما يمكن احتماله أو تفسيره. المشكلة ليست فقط في حجم الألم، إنما في عجز الطفل عن فهمه.
الألم، حين يقع على من لا يملك أدوات تفسيره، يتحول إلى شيء أكثر قسوة. لا يعود مجرد إحساس جسدي، بل صدمة وجودية، تترك أثرها في الذاكرة، حتى قبل أن تتشكل الذاكرة نفسها.
وفي مواجهة هذه الصور، لا يكفي الغضب العابر، ولا الحزن المؤقت. لأن الخطر الحقيقي يكمن في ما يلي ذلك، يكمن في العودة السريعة إلى الحياة اليومية، وكأن شيئاً لم يكن.
هذا الانفصال، بين ما نراه وما نعيشه، هو ما يسمح بتكرار المأساة.
ليست هذه الحادثة رقماً يضاف إلى قائمة طويلة من الانتهاكات، ولا خبراً يستهلك ثم ينسى. إنها اختبار مباشر لفكرة الإنسانية ذاتها. هل لا يزال هناك ما يمكن اعتباره خطاً أحمر؟
هل لا تزال هناك مساحة متفق عليها، يجمع فيها البشر على أن بعض الأفعال لا يمكن تبريرها، مهما كانت الظروف؟
في خضمّ النزاعات، غالباً ما تتداخل الروايات، وتتصارع التفسيرات. لكن هناك نقاطاً يجب أن تبقى خارج هذا الجدل. الطفل، في أي مكان، وتحت أي ظرف، يجب أن يكون خارج دائرة العنف.
حين يمسّ هذا المبدأ، لا يعود الحديث عن طرف أو آخر، إنما عن انهيار معيار أساسي، معيار الحماية.
وإذا سقط هذا المعيار، فإن ما يسقط معه ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل جزء من تعريفنا لأنفسنا كبشر.
قد لا تغيّر الكلمات ما حدث، ولا تستطيع إعادة ما فقد. لكنها تبقى محاولة للتمسّك بما تبقّى من المعنى. محاولة لرفض الاعتياد، وللتأكيد أن هناك ما يجب أن يبقى مرفوضاً، مهما تكرّر.
في النهاية، لا يقاس العالم فقط بما يحققه من تقدّم، إنما بما يحميه من هشاشة.
وحين يفشل في حماية طفل، فإن السؤال لا يكون عمّا حدث فحسب،
بل عمّا تبقّى.
كاتبة لبنانيّة
تهديد صريح من إيران بالسيطرة على السواحل الإماراتية والبحرينية
بين الرحمة والخذلان … اختبار الإنسانية الأخير
السنغال ينقل المعركة من القاهرة الى لوزان
هجوم صاروخي فجائي من حزب الله يصل عمق إسرائيل .. فيديو
تعليق دوام المدارس يطال الزرقاء .. تفاصيل
تأملات رمضانية في القرآن (2 - 2)
مخاطر المواقع الإباحية والألعاب الإلكترونية
انجاز تاريخي للجامعة الأردنية وغير مسوبق
هل تؤثر الضغوط المالية على تماسك حزب الله
عدد الضحايا بالحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران
الانتقال الآمن من الصيام للإفطار
نواب وخبراء: إغلاق الأقصى انتهاك لحرية العبادة
انخفاض كبير على أسعار الذهب محلياً اليوم
الحجاوي: ارتفاع غير مسبوق في أسعار تذاكر الطيران بالأردن
هيفاء وهبي تضج المواقع بصور العيد والقضاء يتحرك .. شاهد
القاضي يُهنئ بذكرى معركة الكرامة ويوم الأم
ميتا تتيح واتساب للأطفال دون 13 عاماً
من هو شريف عمرو الليثي خطيب ملك زاهر
عمان الأهلية تُهنّئ بذكرى الكرامة وعيد الأم
اكتشاف علاج طبيعي للحد من خطر الإصابة بالسكري والسرطان
مهم بشأن دوام المدارس الحكومية بعد عطلة العيد

