حرب ترامب على إيران: أيّ بواعث دينية/ صليبية

حرب ترامب على إيران: أيّ بواعث دينية/ صليبية

10-04-2026 12:02 AM

في الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران، ولا تستنكف هذه السطور عن التشديد: ضدّ الشعب والبلد والبنى التحتية والموارد والتاريخ والحضارة، قبل آيات الله ونظام الملالي وعسس الباسيج ومجرمي الحرب في صفوف “الحرس الثوري”؛ لم يتّبع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذريعة زائفة مضللة انتهجها سلفه جورج بوش الابن في حرب 2003 على العراق: مفردات البلد البشرية والعمرانية والتاريخية والحضارية هنا أيضاً، قبل نظام صدّام حسين واستبداده الداخلي وطموحاته الخارجية. تلك، عند بوش، كانت صيغة حرب صليبية أقرب إلى إلهام من الربّ وتكليف، عند بوش الابن؛ ولكنها عند ترامب أشدّ فظاظة وهمجية، لأنها إنما تتقصد اندثار حضارة بأكملها، بشراً وحجراً وشجراً طاقة وجسوراً…
لكنّ البواعث الدينية/ الصليبية لم تغبْ تماماً عن ذهنية ترامب، وتجلت مراراً وتكراراً في تمثيلات لاهوتية غائمة تارة، أو توراتية ملموسة تارة أخرى؛ وبعض السبب قد يكون لجوء كبار مساعديه إلى النيابة عنه في استحضار معاني الحرب الصليبية وبواعثها، فكان على رأسهم وزير الحرب بيت هيغسيث، الذي لم يتردد في توظيف ترسانة كاملة من التأويلات الدينية والمفردات الصليبية المباشرة في تبرير الحرب على إيران. وكيف لا يفعل وهو، في مقام أوّل، يتنطح دون كلل إلى خدمة رئيسه، من موقع يكاد يقلّ حتى عن وظيفة “صوت سيّده” الشهيرة؛ كما أنه، في مقام ثانٍ قد يكون جوهرياً أكثر، عضو ناشط في “أخوّية الكنائس الإنجيلية المطوّرة” CREC، المنظمة المحافظة التي تدعو إلى تطبيق القانون التوراتي وفرض الوضعية الثيوقراطية على البطريركية المسيحية والنُظُم الفدرالية في آن معاً.
وفي عام 2022، قبل ثلاث سنوات من موافقة الكونغرس على تسميته وزيراً للدفاع (الحرب لاحقاً، حسب التعديل الذي أدخله ترامب على مسمى الوزارة)؛ كان هيغسيث، أحد نجوم تلفزة “فوكس”، قد أصدر كتاباً بعنوان “الحرب الصليبية الأمريكية: معركتنا للبقاء أحراراً”، حمل غلافه صورة المؤلف في هيئة محارب يرفع العَلَم الأمريكي، بقميص رياضي يكشف عضلاته وبعض الوشوم على ذراعه. وشمان آخران، لم يظهرا في الصورة ولكن هيغسيث لا يكفّ عن التفاخر بهما، يتألف الأوّل من عبارة لاتينية تحشيدية شاعت خلال الحروب الصليبية تقول: Deus Vult(الربّ أرادها)؛ والثاني يتشكل من مفردة “كافر” باللغة العربية وبجانبها صليب أورشليم.
أمّا خلال الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية الراهنة على إيران، فإنّ بعض تصريحات هيغسيث الدينية/ الصليبية اتخذت وجهة التمترس خلف الروحانيات، على غرار تصريحه: “نحن نحارب غلاة متدينين يسعون إلى امتلاك المقدرة النووية، هادفين إلى نوع من أرماغيدون دينية”. أو إلى خطاب يمجّد التفوّق الديني المسيحي والعرقي الأبيض، من هذا الطراز: “نحن نتشارك المصالح ذاتها، ولهذا نواجه امتحاناً جوهرياً، ما إذا كانت أممنا ستبقى غربية ذات سمات متميزة ومسيحية في رعاية الله، فخورين بتراثنا المشترك”. أو، في تنويع ثالث، عبر إقامة صلوات مسيحية في قلب مبنى البنتاغون، يترأسها دوغ ولسن المشارك في تأسيس “أخوّية الكنائس الإنجيلية المطوّرة” وزعيمها الأبرز اليوم.
آراء هذا الأخير قد تبدأ من إنكار الفصل بين الكنيسة والدولة، إذ لا تمييز عنده بين المسائل الدينية والسياسية؛ وتمرّ برفض خدمة المثليين والمتحولين في الجيش الأمريكي، لأنه ليس أقلّ من كتائب “مسلّحة بدروع يسوع”، كما حدّث خلال واحدة من جلسات الصلاة في البنتاغون؛ والتمنّي بألا يشغل وظائف الدولة أناس ليسوا مسيحيين، على قاعدة أعرض هي رفض التعددية الدينية، ومعها التعددية السياسية. لكنّ آراء ولسن لا تنتهي عند يقينه بأنّ أمريكا الشعب والدولة يتوجب أن تُحكم بموجب تأويل محافظ للقوانين التوراتية، يجعلها أقرب إلى “جمهورية توراتية” منها إلى اتحاد فدرالي؛ أو وفقاً لكتاب أصدره سنة 1996 يصوّر النظام العبودي على نحو إيجابي، لأنّ العبودية “تشيع التعاطف بين الأعراق؛ أو عند قراءة بغيضة منفرة للعلاقة الجنسية، مفادها أنّ المرأة “تستقبل، تخضع، تقبل”!
وفي جوانب أخرى أكثر دنوّاً من السياسة، أو ما يحلو لوزير الحرب الأمريكي تصنيفه في خانة “الفكر”، يساجل هيغسيث بأنّ الجيش الأمريكي بات مفسَداً بأوبئة “ثقافة ووك” تستأصل “أخلاقية المحارب”؛ وأنّ حفنة من “جنرالات ليبراليين” ينخرطون في هذا “الإفساد” و”التمييع” و”التنشئة الخاطئة”. كأنه، مجنون يحكي وعاقل يسمع، ليس الجيش الإمبريالي ذاته الذي انتهك ويواصل انتهاك كرامة البشرية في أربع رياح الأرض، بما في ذلك الولايات المتحدة ذاتها! أو كأنه ليس الجيش الذي يأتمر بقائد أعلى لا يجد وازعاً يحول دون مسح حضارة بأكملها، تباعاً عبر حرب تمتد على أسابيع، أو بقصف نووي لمرّة واحدة يستأنف ما هو أكثر دموية من سوابق ناغازاكي وهيروشيما!
وغنيّ عن التذكير بأنّ العجيب أو الطارئ أو الغريب ليست الصفات التي تليق بوجود هيغسيث على رأس الجيش الأقوى والأشدّ بطشاً وشراسة ودموية في النظام الإمبريالي الكوني، وليس لأيّ سبب آخر يسبق سلسلة العناصر التكوينية لهذه “الديمقراطية” الأمريكية، ذات الخصوصية والخصائص. فلقد أتاحت انتخاب ترامب مرّتين، وقبله بوش الابن مرّتين، فتركت للثاني مثل الأوّل دروباً معبّدة نحو انتهاج خيارات قصوى في السياسة الخارجية. كانت، وتظلّ، عسكرية بمعنى التدخل الخارجي والاحتلال والغزو، والعربدة الكونية (على غرار تراجع ترامب عن اتفاقية المناخ، والاتفاق حول برنامج إيران النووي، مثلاً)؛ وإعلاء مطالب مجموعات الضغط التابعة للصناعات العسكرية، أو اعتماد سياسات انعزالية في أنظمة التبادل والتجارة… وليس لهذه، وسواها، أن تكون إلا وجهة جديدة لتكريس إوالية قديمة سبق أن اعتنقها عدد من رؤساء أمريكا الجمهوريين، آخرهم ترامب.
وبهذه المعاني فإنّ واحدة من كبريات نقائض الإيديولوجيا الأمريكية، إذا جاز التعبير هكذا في وصف كتلة قائمة ليست متجانسة تماماً، أنها تقيم علاقة تعسفية بين مفهومَيْ “الرأسمالية” و”الديمقراطية”: إذا نُظر إلى الأولى كعقيدة لاقتصاد تنافسي ينتج قوى السوق، فإنّ الثانية هي بالضرورة عقيدة السياسة التنافسية التي تخلق التعددية السياسية. فأين، استطراداً، تقع استطالات المفهومين كما يخلط بينهما، أو يعيد تلفيقهما في آن معاً، رجال من أمثال هيغسيث (ومن خلفه دوغ ولسن مؤسس “الأخوية”)، حتى وهم ظلال للسيّد الآمر في البيت الأبيض؟
إنها، ضمن مواضع أخرى، تقع في هذا الانقياد خلف قائد سياسي عسكري من طراز ترامب، يجهد للجمع بين شخصية الغازي والصليبيّ وراعي البقر والقيصر سيّد العالم؛ الذي لم يتردد في التصريح، والجملة الأولى من إعلان الحرب على إيران، بأنه “ما من رئيس كان مستعداً للقيام بما أنا مستعدّ للقيام به الليلة”. وبصرف النظر عن استيهامات ترامب المعتادة، وما تستبطنه أيضاً من غطرسة مَرَضية طبعت سلوك الغالبية الساحقة من رؤساء أمريكا؛ ليس الجزم صحيحاً بالطبع، إلا إذا أسفرت الوقائع المقبلة عن استعداده لإلقاء قنابل نووية على إيران أكثر عدداً، وأشدّ فتكاً، مما أمر به سلفه البعيد هاري ترومان؛ أو مضى، في خيارات أبعد همجية، فنفّذ تهديده بمسح حضارة عن وجه الأرض.
ويبقى صحيحاً، في نهاية المطاف، أنّ أديان المنظومات الإمبريالية المعاصرة ليست في رأس بواعث الغزو والاجتياح والعربدة واستهداف البشر والعمران، ولا تسبق الأغراض الأهم الاقتصادية والجيو ــ سياسية والعولمية؛ إلا أنّ ما لا يقلّ صحّة هو حضور البواعث الدينية، صليبية الاستيحاء منها خصوصاً، في الكثير من حروب هذه الإمبريالية المعاصرة ذاتها.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد