نحو وصفة عربية لإنعاش الطلب الكلي

نحو وصفة عربية لإنعاش الطلب الكلي

17-05-2026 03:10 PM

ليس النقاش الاقتصادي اليوم رفاهية نظرية، بل ضرورة وجودية تواجهها الاقتصادات العربية، فبين دول ريعية ترتهن لتقلبات النفط، وأخرى تعاني عجز تجاري مزمن، وثالثة تنزف تحت وطأة الصراعات والحروب، يبقى المشترك واحداً: نمو حقيقي لا يتجاوز 2–3% سنوي، في مقابل بطاقة تتجاوز 20% وتصل بين الشباب إلى أكثر من 30%، وهذا ليس رقم عابر، بل فشل هيكلي في معادلة التنمية، وهنا يعود السؤال الكلاسيكي بقوة جديدة: هل نبدأ من الإنتاج (آدم سميث) أم من الطلب (كينز)؟ والجواب، كما تكشف تجارب المنطقة، ليس "أو" بل "و"، مع طبقة ثالثة لا غنى عنها: الحوكمة والتنفيذ القابل للقياس.


من أزمة الفائض إلى فجوة الطلب


حين نشر سميث "ثروة الأمم" عام 1776، أسس لبديهة أن العرض يخلق طلبه، وأن المصلحة الفردية والمنافسة كفيلتان بتنظيم السوق، نجحت هذه الرؤية في تفسير الطفرة الصناعية المبكرة، لكنها اصطدمت، بعد قرن، بتحليلات كارل ماركس الذي كشف أن الإنتاج غير المنضبط يقود إلى أزمات دورية كل 7–10 سنوات، وجاء الكساد العظيم (1929–1933) لثبت ذلك ويدك جدار الوهم: انخفاض الناتج الصناعي الأمريكي 46% وبطالة 25%، ليثبت أن المشكلة ليست في القدرة على الإنتاج بل في القدرة على تصريفه.



عندها قلب كينز المعادلة في "النظرية العامة" (1936): عندما أشار الى أن المحرك الأساسي ليس العرض، بل الطلب الكلي، لكن تطبيق هذا الدرس في العالم العربي يصطدم بعائق قاتل: الحروب والصراعات، ففي سوريا واليمن وليبيا والعراق، لا مجال لتحفيز طلب ولا تنظيم عرض، وقد تحول الاقتصاد من حالة فاعلة إلى إغاثة وإعمار مؤجل، وبين هذا الدمار وذاك الريع، تظل الاقتصادات العربية أسيرة معضلة واحدة: كيف ننمو ونحن لا ننتج ما يكفي، أو ننتج ولا نستهلك، أو نستهلك ولا نستثمر؟



تشريح الطلب الكلي: ثلاثة محاور لا رابع لها

الطلب الكلي ليس كتلة واحدة، بل ثلاث مكونات، لكل منها آلية وفشل مختلف:



أولاً: الإنفاق الاستهلاكي، ويشكل في الدول غير النفطية 60–70% من الناتج، لكنه ممول بالدين أو التحويلات الخارجية، ومسحوق بضرائب مباشرة مرتفعة، في الأردن مثلاً، تشكل ضريبة المبيعات وحدها أكثر من 65% من الإيرادات الضريبية، مما يضغط على القدرة الشرائية، زيادة الانفاق الاستهلاكي يؤدي الى دفع عجلة النمو ويزيد من الطلب المحلي.



ثانياً: الإنفاق الاستثماري، لا يتجاوز في معظم الدول العربية غير النفطية 15–20% من الناتج، مقابل أكثر من 25% في اقتصادات شرق آسيا الناشئة، والعائق ليس ضرائب فقط، بل بيروقراطية، وكلف طاقة، وتمويل شحيح، وفيما تم العمل على بنية تحتية طاقية بكلف رخيصة، وتمويل بتكلفه قليله، والعمل على تقليل الضرائب على الشركات سينعكس ذلك بشكل ايجابي على تنمية القطاعات داخل الدول العربية ما يساهم في زيادة التوظيف والانتاج والتصدير، وبالتالي زيادة معدلات النمو.



ثالثاً: الإنفاق الحكومي الرأسمالي، ويشكل في الدول الريعية 35–45% من الناتج، لكنه غالباً ما يتبدد في مشاريع بلا رقابة، بينما في الدول غير النفطية يظل دون المستوى المطلوب للبنية التحتية الرقمية واللوجستية، واذا استطاعت الدول العربية الاستفادة واشراك الصناديق السيادية وتوجيهها نحو القطاعات داخل الدول العربية والمشاريع الرأسمالية فيها أن تحقق عوائد أفضل بكثير من الاستثمارات الخارجية في الدول الغربية وبنفس الوقت تطور من البنية التحتية الطاقية والتكنولوجية والمائية واللوجستية في هذه الدول وتساعدها على تقليل نسب البطالة والفقر وتزيد من فرصة التكامل الاقتصادي بين دولنا العربية.



أما الاقتصاد غير الرسمي، فلا يمكن تجاهله: تشير التقديرات إلى أنه يشكل بين 30% و50% من النشاط الاقتصادي في مصر والعراق والمغرب، مما يعني أن جزءاً كبيراً من الطلب لا يمر عبر القنوات الرسمية، وبالتالي لا يستجيب للسياسات الاقتصادية بشكل كامل.



الوصفة العربية: أربعة أرباع التكامل

لا حل معجزة، بل حزمة منسقة قابلة للقياس. وهي تقوم على أربعة أركان:



الربع الأول (كينز): تحفيز الطلب بذكاء ضريبي، يُرفع حد الإعفاء من ضريبة الدخل للأسر المتوسطة (مثلاً من 18 إلى 24 ألف دينار في الأردن)، مما يوسع الدخل المتاح بنسبة 5–8% ويرفع الاستهلاك 3–5%، ويُعوض النقص في الإيرادات برفع انتقائي على السلع الكمالية (سيارات فاخرة، وعطور، وأزياء راقية، وخلويات، وتبغ...الخ) بشرط أن تكون مرونة الطلب عليها أقل من 0.5-، أي أن المستهلك لا يستغني عنها بسهولة، ويمكن من خلال عمل تحليل الحساسية نصل الى نسبة معينه من رفع الضريبة على السلع الكمالية تعوض ايرادات الدولة من جزء ضرائب الدخل على الأفراد والشركات.



الربع الثاني (سميث): تحرير حوافز الإنتاج، يُخفض ضريبة أرباح الشركات بمقدار 3–5 نقاط مئوية، لكن بشرطين إلزاميين: الأول، شفافية مطلقة (تدقيق خارجي، منع تهريب الأرباح، إفصاح عن المستفيد الحقيقي، نشر العقود مع الحكومة). الثاني، حزمة موازية لتسريع التراخيص وخفض كلفة الطاقة وتحسين الوصول إلى التمويل. وإلا بقي الأثر محدوداً (استجابة استثمارية لا تتجاوز 0.3–0.5 من كل وحدة حافز).



الربع الثالث (الحوكمة): شفافية ومكافحة فساد، لا يُصرف أي مشروع رأسمالي إلا بعد تدقيق مستقل من هيئة عربية مشتركة للشفافية، مع نشر جميع العقود والمناقصات على منصة إلكترونية موحدة، كما يُنشأ نظام تسجيل تدريجي للاقتصاد غير الرسمي عبر "بطاقة أعمال رقمية" مجانية، مع إعفاءات ضريبية متناقصة (50% السنة الأولى، 25% الثانية، 10% الثالثة) مقابل الالتزام بالفواتير الإلكترونية، وصولاً إلى تمويل ميسر بفائدة أقل بنقطتين عن السوق.



الربع الرابع (التنسيق الإقليمي): آليات عملية لا خطابات، مع ارتباط معظم العملات العربية بالدولار، تتقلص مساحة المناورة النقدية. الحل: إنشاء غرفة مقاصة عربية للسيولة تحت مظلة صندوق النقد العربي، تسمح للبنوك المركزية بمبادلة العملات المحلية بضمانات، مع سقوف زمنية متحركة، وتفعيل خطوط ائتمان طارئة تخفف الصدمات الخارجية، ومحاولة التنسيق بين الدول العربية في معدلات الفائدة لأنها مرتفعة جدا وخاصة في بعض الدول العربية مثل مصر التي تصل الى 19% و 20%، بحيث يتم تخفيضها تدريجيا وبتنسيق ودعم عربي بدون أن تتأثر عملات هذه الدول العربية، وتحد من انتقال الاموال الساخنة من بلد الى آخر داخل هذه المنظومة، أما البنك التنموي العربي المقترح، فيجب أن تتجسد صلاحياته في تمويل مشاريع مشتركة (ممرات لوجستية، بنية تحتية رقمية) وبضمانات سيادية عربية مشتركة.



من النظرية إلى التنفيذ: تسلسل زمني صارم

لا تكفي الأفكار، بل تحتاج إلى جدول زمني محدد ومؤشرات قياس:



الثلاثة أشهر التحضيرية: إنشاء لجنة وطنية للحوافز، وإطلاق منصة الشفافية الإلكترونية، وبناء قاعدة بيانات للمكلفين غير الرسميين، كما يُقترح تصميم "آلة حاسبة لسياسات الطلب الكلي" (نموذج إكسل مفتوح المصدر) تسمح لكل دولة بمحاكاة أثر أي إجراء ضريبي قبل التنفيذ.

الستة أشهر الأولى: رفع حد الإعفاء الضريبي للأسر، وتثبيت ضريبة المبيعات العامة عند مستوى معقول، والبدء في مشروعين رأسماليين سريعي الأثر (بنية تحتية رقمية أو لوجستية).

السنة الثانية: تخفيض ضريبة أرباح الشركات، ورفع ضريبة السلع الكمالية، وتشغيل غرفة مقاصة السيولة العربية، وإنشاء لوحة قيادة شهرية وطنية بمؤشرات: مبيعات التجزئة، وتراخيص البناء الجديدة، واستيراد الآلات، ومسح الثقة لأصحاب الأعمال، وعدد العقود المنشورة.

السنتان الثالثة: تعميم حوافز الاقتصاد غير الرسمي، وإطلاق البنك التنموي العربي، وربط الحوافز بالتوظيف والصادرات.



ضمان الفشل الآمن: طوق نجاة لا كمالية



التحفيز الاقتصادي ليس نزهة، وقد يفاقم العجز أو يهرب بالاحتياطيات، لذلك لا بد من خيار إلغاء تلقائي: إذا ارتفع عجز الموازنة عن 5% من الناتج خلال 12 شهر، أو هربت الاحتياطيات بنسبة 15% خلال 6 أشهر، يُفعَّل تعليق فوري لخفض الضرائب، وتُعاد السياسة التقشفية المؤقتة مع تفعيل خط ائتمان طارئ من صندوق النقد العربي، هذا الطوق هو ما يحول دون تحول التحفيز إلى كارثة مالية.



خاتمة: ما بعد سميث وكينز



في النهاية، لم تعد معركة المدارس الاقتصادية تصلح لمنطقتنا، فالتجارب العربية الناجحة نسبياً (كالإمارات في تنويعها، والمغرب في صناعته، والسعودية في رؤية 2030) لم تعتمد على العرض أو الطلب فقط، بل على مزيج مؤلم ومتوازن، إنها ربع كينز لتحفيز الطلب، وربع سميث لتحرير الإنتاج، وربع حوكمة لضمان الشفافية، وربع تنسيق إقليمي لتجاوز حدود الدولة القطرية، تُخلط هذه الأرباع بترتيب زمني صارم، وتُطهى على نار مؤشرات الأداء الشهرية، وتُقدم مع ضمان فشل آمن.



إنها وصفة عربية تعيد تعريف دور السياسة الاقتصادية: من مجرد إدارة أزمات وتدبير عجز، إلى بناء انتعاش مستدام يبدأ من الطلب، لكنه لا يغفل عن العرض، ويضبطهما معا بقواعد شفافة قابلة للقياس والمحاسبة، وبدون هذا التوازن، ستبقى اقتصاداتنا تدور في حلقة مفرغة: تتحرك دون أن تتقدم، وتستمع إلى النظريات دون أن تطبق دروس واقعها، وتنتج دون أن تنمو، وتستهلك دون أن تستثمر، وتستثمر دون أن تراقب. ولذلك، حان الوقت لوصفة مختلفة.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

عرض مسرحي في الفحيص بعنوان "القناطر"

الطقس: موجة دافئة مؤقتة تسبق مؤشرات اندفاع "المرتفع السيبيري" المبكر

أنشطة وبرامج توعوية وتدريبية في عدد من المحافظات

جاهزية ستاد الحسن تحت المتابعة الحكومية في إربد

المفرق: إنقاذ شخص سقط من مقطع صخري بعمق 40 مترا وحالته حرجة

طهران تتلقى رسالة من نائب الرئيس الأميركي وتؤكد استمرار إغلاق هرمز

سوء الحظ يطارد هاري كين ودورتموند يفرض التعادل

الأردن يشارك في اجتماعات الأكاديمية العربية للنقل البحري بالقاهرة

روسيا تمدد حظر تصدير الديزل حتى نهاية كانون الثاني المقبل

عمره 4.1 مليار عام .. نيزك نادر من المريخ يكشف أسرار قشرة الكوكب المبكرة

خبير أمني مصري يحذر من طموحات إثيوبيا العسكرية في البحر الأحمر

غارات وقصف إسرائيلي على جنوب لبنان

الشيخ عبدالله ذنيبات يطالب بإعدام مرتكبي جريمة الكرك أمام الناس

الحسين إربد يهزم الفيصلي بهدف نظيف في دوري المحترفين

فرنسا: توقيف أكثر من 290 شخصا واشتباكات بين الشرطة والمحتجين

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم