شذرات عجلونية 68

 شذرات عجلونية 68

02-06-2026 01:23 PM

القراء الأعزاء؛ أسعد الله أوقاتكم بكل خير، أينما كُنتُم، وحيثما، نتذاكر معًا في شذراتي العجلونية، حيث تحمل كل شذرة فكرة في شأنٍ ذي شأن، ننطلق من عجلون العنب والذَّهب، عجلون الحُبِّ والعتب؛ لنطوف العالم بشذراتنا، راجيًا أن تستمتعوا بها، وتجدوا فيها ما يثير الفكر والوجدان بها. وستكون شذرتي بعنوان: عندما تُكتب الأمم بأخلاقها لا بقوتها
التاريخ وذاكرة الشعوب
لم تكن الأراضي الواقعة وراء المحيط الأطلسي، المعروفة اليوم بالأميركتين الشمالية والجنوبية، أرضاً خالية من السكان عند وصول الأوروبيين إليها، بل كانت موطناً لعشرات الملايين من السكان الأصليين الذين عاشوا في مجتمعات متنوعة، امتدت عبر القارة لقرون طويلة.
ومع بدء التوسع والاستيطان الأوروبي، شهدت تلك الأراضي تحولات جذرية تركت آثاراً عميقة في شعوبها الأصلية؛ فقد انتقلت إلى القارة أمراض لم يكن السكان المحليون يمتلكون مناعة ضدها، كما اندلعت صراعات على الأرض والموارد، رافقتها موجات من التهجير والاستغلال. وتشير المصادر التاريخية إلى أن كثيراً من السكان الأصليين تعرضوا للقتل، أو العمل القسري في المناجم والمزارع، فضلاً عن مصادرة أراضيهم، ومحاولات طمس جوانب من ثقافاتهم ولغاتهم.
ولذلك، يتفق معظم المؤرخين على أن السكان الأصليين للأميركتين تعرضوا لكارثة إنسانية كبرى خلال حقبة الاستعمار الأوروبي، نتجت عن تداخل عدة عوامل، أبرزها: الأوبئة، والحروب، والتهجير، والاستعباد، والعمل القسري، وفقدان الأراضي؛ وهي أحداث ما زالت آثارها التاريخية والإنسانية حاضرة حتى اليوم.
بين صفحات التاريخ المؤلمة والمشرقة
وإذا كان التاريخ يحتفظ بصفحات مؤلمة ارتبطت بالحروب والهيمنة والصراع على حساب الإنسان، فإنه يحتفظ أيضاً بصفحات أخرى أكثر إشراقاً، كتبتها أمم وشعوب جعلت من الأخلاق والتسامح وحسن التعامل أساساً في بناء مكانتها بين الأمم. فالتاريخ لا يخلد القوة وحدها، بل يخلد كذلك القيم التي تترك أثراً باقياً في ذاكرة الشعوب؛ ومن بين تلك النماذج المضيئة تبرز سلطنة عُمان بما عُرف عنها من اعتدال وحكمة وحسن معاملة عبر مختلف مراحل تاريخها.
عُمان... إرث من التسامح وحسن المعاملة
عُرفت عُمان عبر تاريخها الطويل بقيم التسامح والاعتدال وحسن المعاملة، وهي صفات ارتبطت بأهلها جيلاً بعد جيل، وأسهمت في بناء مكانة حضارية مميزة لهذا البلد العريق. وقد انعكست هذه القيم في علاقات العُمانيين مع الشعوب الأخرى، وفيما اشتهروا به من كرم الضيافة، ولين الجانب، واحترام الإنسان، وهي فضيلة تميز بها أهل عُمان.
ولعلَّ من أبرز الشهادات التاريخية في حق أهل عُمان ما ورد في السنة النبوية المطهرة، حيث أثنى عليهم رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم رقم (2544)؛ عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: (بَعَثَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رَجُلًا إلى حَيٍّ مِن أحياءِ العَرَبِ، فَسَبُّوهُ وضَرَبوهُ، فَجاءَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأخبَرَهُ، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لَوْ أنَّ أهلَ عُمانَ أتَيتَ ما سَبُّوكَ ولا ضَرَبوكَ).
ويُعد هذا الحديث شهادة نبوية رفيعة لما عُرف به أهل عُمان من الحلم، وحسن الخلق، واحترام الضيف، ورفض الأذى؛ وهي قيم ظلت حاضرة في وجدان المجتمع العُماني عبر العصور، وأسهمت في ترسيخ صورة عُمان بوصفها أرضاً للتعايش والتسامح والتواصل الحضاري بين الأمم.

قراءة في تباين التجارب التاريخية
تكشف صفحات التاريخ عن تباينات كبيرة بين تجارب الأمم في بناء الدول وإدارة العلاقات مع الشعوب الأخرى؛ فبينما ارتبطت بعض التجارب التاريخية بالصراعات والحروب والتوسع على حساب الآخرين، برزت تجارب أخرى جعلت من التعايش والتسامح واحترام الإنسان أساساً لنهجها السياسي والحضاري.
وفي هذا السياق، تمثل عُمان نموذجاً لدولة عُرفت عبر تاريخها بالاعتدال والحكمة وحسن الجوار، حيث قامت علاقاتها الخارجية على الحوار، والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، الأمر الذي أكسبها مكانة دولية تقوم على الثقة والاحترام. ولم تُعرف عُمان بسياسات الهيمنة، أو فرض الإرادة بالقوة، بل ارتبط اسمها بالدبلوماسية الهادئة، والسعي إلى تقريب وجهات النظر، وبناء جسور التواصل بين الدول والشعوب.
وفي المقابل، شهد التاريخ الحديث والقديم لقوى دولية كبرى مراحل اتسمت بالحروب، والصراعات، والتوسع، والنزاعات الداخلية والخارجية، وهي تجارب ما زالت محل دراسة ونقاش بين المؤرخين والباحثين. كما أن مواقف بعض القادة وتصريحاتهم وسياساتهم قد تسهم أحياناً في زيادة التوترات الدولية، وإثارة القلق لدى الحلفاء والخصوم على حد سواء.
ومن الإنصاف التأكيد أن الشعوب في مختلف أنحاء العالم تتشارك قيماً إنسانية نبيلة، وأن مسؤولية توجيه السياسات وصناعة الأزمات، أو تجنبها تقع بدرجة كبيرة على عاتق القيادات السياسية؛ فالقائد الحكيم يستطيع أن يعزز الاستقرار ويبني جسور التعاون، بينما قد تؤدي القرارات المتسرعة، أو الخطابات التصعيدية إلى توسيع دوائر الخلاف وإرباك العلاقات الدولية. ومن هنا، تبرز أهمية القيادة الرشيدة التي تجعل من الحكمة، والتوازن، واحترام الآخرين أساساً في إدارة شؤون الدولة وعلاقاتها الخارجية.
وفاءً لسلطنة عُمان وشعبها النبيل
ما يدفعني إلى الكتابة عن سلطنة عُمان ليس موقفاً عابراً، أو انطباعاً مؤقتاً، بل تجربة إنسانية ومهنية امتدت لسنوات، أتيحت لي خلالها فرصة زيارة هذا البلد الكريم، والعمل فيه، والتعرف عن قرب إلى شعبه الأصيل؛ وهي تجربة تجعل الحديث عن عُمان أكبر من أن يختزله مقال، وأوسع من أن تحيط به كلمات محدودة، أو صفحات معدودة.
لقد استطاعت عُمان، عبر تاريخها الطويل، أن ترسخ نموذجاً فريداً يقوم على الحكمة والاعتدال واحترام الإنسان، وهي قيم انعكست على سلوك المجتمع العُماني وعلاقاته مع محيطه العربي والإقليمي والدولي. ومن يزر عُمان، أو يعاشر أهلها يدرك سريعاً أن ما يُقال عن كرمهم، وحسن أخلاقهم، وتواضعهم ليس مجرد أوصاف متداولة، بل واقع يلمسه كل من تعامل معهم، أو عاش بينهم.
وتحظى العلاقات الأردنية العُمانية بمكانة خاصة بين العلاقات العربية المشتركة، إذ قامت على أسس راسخة من الاحترام المتبادل، والتفاهم، والتنسيق المستمر؛ فعلى امتداد العقود الماضية، شهدت العلاقات بين البلدين تطوراً متواصلاً شمل مختلف المجالات السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والتعليمية، والعسكرية، في صورة تعكس عمق الثقة التي تجمع القيادتين والشعبين الشقيقين.
ولم تكن هذه العلاقة وليدة المصالح الآنية، أو الظروف العابرة، بل تأسست على إرث من الروابط العربية الأصيلة، والقيم المشتركة، والرؤى المتقاربة تجاه قضايا المنطقة. ولذلك، يجد الأردني في عُمان بلداً قريباً إلى قلبه، كما يجد العُماني في الأردن وطناً شقيقاً تربطه به أواصر المودة والتقدير والاحترام.
وعلى المستوى الشعبي، يصعب حصر أوجه التقارب بين الشعبين الأردني والعُماني؛ فهناك آلاف القصص الإنسانية التي نسجتها سنوات الدراسة، والعمل، والتعاون، والتبادل الثقافي، حتى أصبحت العلاقة بين البلدين نموذجاً للأخوة العربية الصادقة التي تتجاوز الأطر الرسمية إلى روابط اجتماعية وإنسانية متينة. وقد أسهم هذا التقارب في بناء جسور من الثقة والمحبة المتبادلة، عززتها مواقف مشتركة وتفاهمات راسخة عبر السنين.
وإذا كانت العلاقات بين الدول تُقاس عادة بحجم الاتفاقيات والمصالح المشتركة، فإن العلاقات الأردنية العُمانية تضيف إلى ذلك بُعداً أكثر عمقاً، يتمثل في التقارب الإنساني والثقافي بين الشعبين؛ وهو ما منح هذه العلاقة خصوصية واستمرارية، وجعلها نموذجاً يُحتذى في العلاقات العربية القائمة على الاحترام المتبادل، والتعاون الصادق، والمصير المشترك.
عُمان... حكاية تستحق أن تُروى
وربما لا تكفي هذه السطور للحديث عن سلطنة عُمان؛ فالأوطان العظيمة لا تختزلها المقالات، والشعوب الأصيلة لا تفيها الكلمات حقها. وما كُتب هنا ليس سوى وقفة سريعة أمام تجربة عربية مميزة، استطاعت أن تجمع بين أصالة التاريخ وحكمة الحاضر، وأن تقدم نموذجاً يقوم على الاعتدال، والتسامح، واحترام الإنسان.
لقد عرفت عُمان كيف تبني مكانتها بالخلق قبل القوة، وبالحكمة قبل الصخب، وبالعمل الهادئ قبل الشعارات؛ ولذلك لم يكن احترامها وليد ظرف سياسي عابر، بل نتيجة مسيرة طويلة من الثبات على المبادئ، والالتزام بقيم حسن الجوار والتعاون والتعايش.
أما بالنسبة لي، فإن الكتابة عن عُمان ليست مجرد تناولٍ لحدث، أو استحضارٍ لذكرى، بل وفاءٌ لتجربة عشتها ولمست تفاصيلها عن قرب، وتقديرٌ لشعب كريم ترك في النفس أثراً طيباً لا يُنسى. ولهذا، فإن الحديث عن عُمان لن يتوقف عند هذه الشذرة؛ فهناك صفحات أخرى من التاريخ، ومواقف إنسانية ووطنية وحضارية جديرة بأن تُروى، وقصص تستحق أن تجد طريقها إلى القارئ في مقالات قادمة.
وللكلام عن عُمان دائماً... بقية.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد