قوة التَّفاوض والمحصلة النهائية

قوة التَّفاوض والمحصلة النهائية

24-06-2026 11:35 AM

يرى بعضُ المراقبين أنَّ للإيرانيين قوةَ تفاوضٍ فريدة مكَّنتهم من توقيع اتفاقٍ مع الرئيس الأميركي باراك أوباما، واستطاعت طهران أن تُحوّلَه إلى نصر كبير لها، وهو ما كان؛ تأجيل التخصيب 10 سنوات، والإفراج عن ملياراتٍ استخدمتها وقتَها إيران في حروبها الخارجية وبناءِ مزيد من المراكز البحثية ومصانع للصَّواريخ الباليستية. اليومَ، تردد التصريحات الإيرانية ما يشابه ذلك؛ الحرب انتهت، وهي اليومَ تُفاوض ومعها ورقةُ قوةٍ جديدة هي مضيق هرمز، وستخرج بملياراتها الحبيسة، والأهم أنَّ النظامَ لا يزال قائماً.

من حيث التحليل المهاري لقوَّة التفاوض، يعتمد الموضوعُ كلُّه على عواملِ قوة التفاوض، مَن يملك من الطرفين عواملَ قوةٍ فستميل كفةُ الميزان لصالحه، هي ليست مهارةً ذهنيةً أو خطابية، بل أصول صلبة وثابتة تقع عليها تقويةُ موقفِ أيّ من الطرفين.

إيرانُ عملت، طوالَ أربعة عقود، على تخطيط وتنفيذ اختراق دول المنطقة، ونجحت في ذلك لظروف تفصيلية كثيرة، لكنَّها بالنهاية وضعت المنطقة في واقع أنَّها مسيطرة على النظام في سوريا، وفي العراق، وغزة، وتحتل العاصمة اليمنية، وتحتكر مصير لبنان. هذه عوامل قوة ضاغطة تُفاوض من خلالها، وهذه الخيوط التي جمعتها كانت لوقتٍ مثل هذا؛ عندما تواجه خصومها. العامل الآخر أنَّ جيرانها دولٌ غنية ومسالمة ليس من ضِمن استراتيجياتها شنُّ حروب، وهي دول حليفة للغرب المُعادي لإيران، وكانَ الهجوم عليها، خلال حرب فبراير (شباط) الماضي، دلالةً على أنَّ إيران ترى دول الخليج من أهم أوراقها ضد الوايات المتحدة، إنْ وصل الأمر لتحطيم إيران.

العامل التفاوضي الأكثر خطورة أنَّ الأساس الذي تنطلق منه المواقف الإيرانية هو آيديولوجي بحت، ليس وطنياً أو سياسياً. وهذا الفارق بين إيران وفنزويلا التي لم تُكلف واشنطن سوى أيام حتى أسقطت نظامَ مادورو واختطفته وساقته إليها. الإيرانيون أثبتوا الثابت؛ أنَّ الآيديولوجيا أقوى دافع للدول والأفراد للتمسك بالأهداف والاستماتة من أجلها، والأمثلة متعددة. كوبا مثلاً، ما الذي تُمثله أمام دولة مثل أميركا؟ جزيرة صغيرة على الجانب الآخر من الخليج. أرسلت واشنطن جواسيسها، ودعمت الثوار ضد نظام كاسترو الشيوعي، لسنوات طويلة، ثم اكتشفت صواريخ نووية مُرسلة لكوبا من الاتحاد السوفياتي على بُعد 150 كيلومتراً من ميامي، وانتهت الأزمة باتفاقية من ضِمنها سحب الصواريخ مع تعهد أميركي بعدم غزو كوبا.

الحال تنطبق في فيتنام بشكل أوضح، لم تستطع الولايات المتحدة لخمسة عشر عاماً القضاء على الشيوعيين في حرب شرسة، رغم أنَّها دعّمت المعارضين الجنوبيين دعماً هائلاً؛ عسكرياً ومالياً وسياسياً ضد الشيوعيين الشماليين. وفي منطقتنا، إلى جانب إيران، لنتذكر كيف كانت آيديولوجيا «تنظيم القاعدة» تتلاعب بعقول الشباب، وتجعلهم بيادق تستخدمهم وقتما جاء صالحها، حتى إنَّ الرجل منهم لا يهتزّ له جفنٌ وهو يقتل والديه وأبناءه؛ ولاءً لمعتقده. هناك أيضاً الحروب الصليبية وحروب المسيحية في أوروبا، والحرب الأهلية الإسبانية وغيرها.

المفاوضون الإيرانيون على الطاولة، نعم خبراء ومتعلمون، لكنَّهم يشعرون بالشَّفقة على الأميركان الذين يفاوضونهم لأنَّهم لا يؤمنون بآيديولوجيا، فالانتصار على «الشيطان الأكبر» رخصة دخولهم الجنة، وأنَّ النظام الإيراني القائم على ولاية الفقيه هو الأمل الوحيد للنجاة. هذه الآيديولوجيا ترعرعت في جيلين من الإيرانيين، وعلى أساسها، مثل أي آيديولوجيا، اعتمدت مبدأ نشره، مثل حركات التبشير، لكنَّه تبشير مسلَّح، يضمن مساحات جغرافية تكفي لتكوين إمبراطورية ولاية الفقيه. مثل هؤلاء لم يكن ببساطة وصفهم بالمفاوضيين الجيدين، أو بالبرغماتيين، وكأنَّنا نتحدث عن ساسة قرأوا وتدربوا على مهارات التفاوض، هؤلاء يفكرون ويقررون بطريقة مختلفة، ولديهم الاستعداد للتضحية بأي شيء من أجل التصدي لمحاولة إسقاط النظام.

مجبتى خامنئي هو الممثل لأبيه القتيل، معنوياً على الأقل، لذلك فوجهُ النظام قائم، والنظام قائم، أضعف من الأسبق بحكم آثار الحرب المدمرة، لكن أضعف أكثر بسبب التغيرات في المنطقة، فلا نظام بشار الأسد موجودٌ، ولا «حزب الله» بقوته السابقة، ولا «حماس» و«الجهاد» و«داعش» وغيرها، لا تزال أذرعاً خادمة للنظام الإيراني.

من ناحية أخرى، فجلُّ ما يصبو إليه دونالد ترمب أنْ يخرج من المفاوضات ليقول للصحافيين عبر «سي إن إن» إنه وقَّع اتفاقاً أفضلَ بكثير ممَّا وقَّعه غريمه باراك أوباما، وهو الاتفاق الذي طالما انتقده ترمب وانسحب منه في النهاية إذ عدَّه انهزامية للحزب الديمقراطي. الواقع أنَّ الإيرانيين خسروا كثيراً، خلال فترة رئاسة ترمب.

لقد كانت حرب فبراير امتداداً للسابع من أكتوبر (تشرين الأول) دون شك، وكل ما حصل بعد ذلك اليوم غيَّر وجه المنطقة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

الحبس 6 أشهر لسيدة احتالت على أخرى بإبرة تجميل من إسرائيل

هدى العتوم تنتقد السماح باحتفالات الهالوين والتضييق على احتجاجات غزة

87 مليون يورو من صندوق المناخ الأخضر لدعم مشاريع في الأردن

شركات استبدلت موظفيها بالذكاء الاصطناعي ثم تعود لتوظيفهم .. ما القصة؟

القضاء العراقي يسترد 21 مليارا عن جريمة احتيال مالي

السيسي يصدر 3 توجيهات تهم ملايين المصريين

زين تعزز منظومة حماية الأسرة والطفل بالتعاون مع مؤسسة نهر الأردن

ما حقيقة فرض غرامة 225 ألف دينار على مزارع بسبب مياه الأمطار؟

وزير الثقافة يعلن بلدة "حمود" مدينة للثقافة الأردنية لعام 2027

الذهب والنفط وفلس الريف .. "الطاقة" تستعرض تقدم مشاريعها الاستراتيجية

الصادرات الأردنية للاتحاد الأوروبي ترتفع إلى 411 مليون دينار

5 شهداء ومصابون في قصف الاحتلال مواصي خانيونس بغزة

مجمع الملك الحسين للأعمال يوقع مذكرة تفاهم مع اتحاد الرياضات الإلكترونية

انطلاق المؤتمر الفني الدولي الـ38 للاتحاد العربي للأسمدة بعمان الثلاثاء

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة

أردنيون أمام مهلة شهرين لتسديد التزامات مالية .. أسماء