الأردن بين ضجيج المنطقة وثبات الدولة

الأردن بين ضجيج المنطقة وثبات الدولة
علم الاردن

10-07-2026 03:52 AM

في إقليم تشتعل خرائطه الأمنية والسياسية بلمح البصر، وتتطاير شظايا حروبه لتصيب لقمة عيش الشعوب في أسعار الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد، يبرز الأردن كحالة استثنائية من الاستقرار المؤسسي والأمني. نجحت الدولة في حماية أمنها الداخلي وإبقاء عجلات اقتصادها تدور، لكن هذا الثبات -الذي يبدو إنجازاً وسط نيران الجوار- لم يعد كافياً لطموحات الأردنيين، ولا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للمهدئات السياسية أو الطمأنة اللفظية.
إن الاستقرار الحقيقي لا يُقاس بغياب الفوضى فحسب، بل بقدرة الدولة على تحويل هذا الأمان العسكري والسياسي إلى فرص عمل، واستثمارات حقيقية، وتحسن يلمسه المواطن في جيبه وحياته اليومية.
بلد في عين العاصفة.. لِمَ بقيت عمان متماسكة؟
لا يحتاج الأردن إلى تتبع الأخبار ليعرف حجم الخطر؛ فالأزمات تحاصره من كل اتجاه، ملقية بظلالها على السياحة، وكلف التأمين، وحركة الشحن عبر الموانئ والمنافذ. ورغم هذه الرياح المعاكسة القوية الناتجة عن الصراعات المحيطة، أثبتت الدولة قدرة غير عادية على امتصاص الصدمات والحد من ارتداداتها بفضل ثلاثة عوامل رئيسية:

صلابة المطبخ الأمني والمالي: جدار الحماية الذي تشكله الأجهزة العسكرية، إلى جانب السياسة النقدية الحذرة والمستقلة للبنك المركزي.

الدبلوماسية المتوازنة: شبكة العلاقات الدولية والعربية التي بناها الأردن تاريخياً، والتي تضمن استمرار الدعم الاقتصادي والسياسي في أحلك الظروف.

مأسسة إدارة الأزمات: عقود من التعامل مع موجات اللجوء، وانقطاع خطوط الطاقة، وحروب الجوار، أكسبت الدولة "مقاومة طبيعية" ضد الهزات المفاجئة.

الرسالة الملكية: الأمن وحده لا يجلب المستثمر
خلال لقائه الأخير مع شخصيات اقتصادية، وضع الملك عبدالله الثاني يده على الجرح تماماً حين أكد أن استقرار الأردن وموقعه الاستراتيجي هما الأساس لجذب الاستثمارات، مشدداً على ضرورة الانتقال السريع نحو تنفيذ مشاريع رؤية التحديث الاقتصادي.
وهنا تكمن الحقيقة التي يجب أن تواجهها الحكومات بجرأة: المستثمر لا يبحث عن بلد آمن عسكرياً فقط. الأمن هو الخطوة الأولى، لكن ما يتبعها هو الأهم: تشريعات مستقرة لا تتغير مع تغيير الوزراء، كلف طاقة ونقل منافسة، قضاء تجاري ناجز، وبيروقراطية مرنة لا تغتال المشاريع في مهدها. إن تحويل الأردن إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا واللوجستيات يحتاج إلى إزالة العوائق أمام المستثمر المحلي قبل الأجنبي.
المواطن يريد أثراً.. لا أرقاماً صماء
يستمع الأردنيون بانتظام إلى تصريحات المسؤولين وتقارير المؤسسات الدولية التي تحث على الإشادة بنمو الاقتصاد الأردني بنسبة 2.8% لعام 2025 وتوقعات الصمود لعام 2026. لكن رجل الشارع، والشباب الخريجين، وصاحب المحل التجاري، لا تهمهم لغة الأرقام الصماء؛ هم يريدون رؤية أثر هذا الاستقرار على رواتبهم، وأسعار سلعهم، وكفاءة مواصلاتهم، ومستوى تعليم أبنائهم.
إن أكبر خطر يهدد أي تجربة صمود هو أن يشعر المواطن بأن هيكل الدولة ثابت، بينما قطار حياته الشخصية متوقف تماماً أو يتراجع إلى الخلف. هنا تصبح العدالة في توزيع الفرص، واجتثاث الواسطة والمحسوبية، وضخ التنمية في المحافظات، عناصر أمن استراتيجي لا تقل أهمية عن ضبط الحدود.
لا مجال للاسترخاء: ملفات ضاغطة تحتاج جراحة لا "مسكنات"
الأردن ليس جزيرة معزولة، ومخاطر التصعيد الإقليمي تظل قائمة لتضغط على قطاع السياحة الحيوي وترفع عجز الحساب الجاري وكلف استيراد الوقود والغذاء. يضاف إلى ذلك ملف الدين العام والتحديات الهيكلية في سوق العمل والمرافق العامة.
لذلك، يجب ألا تتحول الإشادة بالاستقرار إلى حالة من إنكار الأزمات الهيكلية أو التباطؤ في معالجتها. الدولة الثابتة تحتاج إلى اقتصاد يشعر به الناس في بيوتهم، وليس في التقارير المرفوعة على الرفوف الحكومية.

وبعد ذلك: لقد نجح الأردن بامتياز في امتحان "البقاء والتواجد" داخل منطقة ملتهبة، وهذه قيمة وطنية عليا حماها وعي المواطن وقوة مؤسساته. أما الامتحان المقبل والأكثر شراسة فهو تحويل هذا الثبات السياسي والأمني إلى ازدهار اقتصادي ملموس. فالأردني لا يريد فقط أن يسمع أن بلاده تجاوزت العاصفة، بل يريد أن يرى ثمار ذلك في فرصة عمل كريمة ومستقبل يدفع أبناءه للبقاء والبناء، بدلاً من حزم الحقائب والرحيل.

الدول القوية لا تكتفي بالصمود أمام العواصف؛ بل تستخدم هدوءها لبناء ما بعد العاصفة بجرأة وبأدوات جديدة تفكك العوائق وتصنع الفارق.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

استمرار دوام المؤسسة المدنية يوم غد الثلاثاء

الصفدي: نتطلع لتعزيز التعاون مع الصين لتحقيق السلام العادل والاستقرار

مهرجان صيف تلفريك عجلون يستقطب أكثر من 25 ألف زائر

ألبانيزي تدعو لنشر قوات حماية دولية في الضفة والقدس وغزة

الفراية يجري تنقلات إدارية تشمل 23 متصرفاً ومساعد محافظ .. أسماء

البيئة: توزيع 50 حاوية لفرز النفايات في البترا

انتهاء مشروع إعادة إنشاء طريق المشقر–سرابيط أبو هدمة في ناعور

الاتحاد الأوروبي يقر مساعدات دفاعية لأوكرانيا بقيمة 6.1 مليار يورو

الملك يلتقي الرئيس الصيني اليوم ويشهد توقيع اتفاقيات لتعزيز التعاون

مستوطنون يهاجمون منازل الفلسطينيين في قرية تل جنوب نابلس

شهيد وإصابات بقصف الاحتلال خيمة نازحين في دير البلح

رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم يدعو لاستقالة إنفانتينو

مجلس الأعيان يناقش ويصوّت على 3 قوانين الاثنين

الأمطار الغزيرة توقف الدراسة والعمل في جنوب تايوان

الدولار يهبط قرب أدنى مستوى وسط مخاوف الديون

سبب وفاة فؤاد حجازي تهز مواقع التواصل

سياحة الأعيان: ضرورة مواصلة تطوير موقع المغطس ومحيطه

الذهب يلمع في الأردن اليوم .. أسعار

أرض بملايين الدنانير وموظفون بلا دوام .. الحكومة أمام أسئلة حاسمة .. صور

أمطار صيفية نادرة تفاجئ الشمال .. وهذا ما ينتظر الأردن خلال الأيام المقبلة

77 مليار لتر سُرقت من مياه الأردن .. رقم يفوق سعة سد الملك طلال

قرار في جامعة حكومية يفتح ملف الصلاحيات القانونية

بيان شديد اللهجة من عشائر الخزاعية بشأن عرس مادبا: سنلجأ للقضاء

القبول الموحد يغلق قبل المكرمة .. موعدان مختلفان وخطوة لا يجوز تأجيلها

«خيّي وخيّك» .. اسم مطعم يفتح جدلًا لغوياً وإدارياً في الأردن

وفاة ممثل مصري شهير .. صورة

وفاة عشريني متأثرًا بإصابته برصاص والده في البلقاء

حقيقة الذهب والكنوز بوادي السير .. الآثار الأردنية تحسم الجدل وتوجه رسالة للبحيشة

من 50 إلى 300 دينار .. أجور الإتلاف تقفز 500% ومكافآت جديدة

بعد تصريحاتها المستفزة تجاه الأردن .. زوجة مسلّم تتصدر المواقع مجدداً