هل دقت ساعة الحرب الأوسع؟

هل دقت ساعة الحرب الأوسع؟

18-07-2026 02:21 AM

قبل أسابيع طويلة نسبيا، وبتاريخ 6 يونيو 2026، توقعنا أننا «ذاهبون إلى حرب أوسع»، في مقال حمل العنوان نفسه، وقبل أيام، بدأت الحرب الموعودة، صحيح أنها اختلطت هذه المرة بأحاديث خافتة عن إمكانية العودة إلى المفاوضات بين أمريكا وإيران، لكن الحرب الجديدة بدت جمعا ومزجا، جمعا للحرب التي استمرت لنحو أربعين يوما منذ 28 فبراير 2026، مع ما جرى بعدها من صدامات حربية متواترة، ومن حصار بحرى أمريكي خانق على الموانئ الإيرانية، ومن عمليات أمريكية جرت مرات لفتح «مضيق هرمز» بالقوة، وأعطاها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اسم «مشروع الحرية»، وكان الفشل الأمريكي فيها متكررا. ورغم أن كيان الاحتلال الإسرائيلي، لم يشارك رسميا في الحرب الجديدة حتى وقت كتابة هذه السطور، إلا أن المشاركة الإسرائيلية متوقعة جدا ووشيكة للغاية، رغم ما يقال عن استبعادها من حسابات ترامب، ثم إن إسرائيل تقوم بأدوارها الحربية بالفعل على جبهة لبنان، ولم تتوقف عنها لحظة، ومن دون أن تحد منها جولات المفاوضات المباشرة بين إسرائيل والسلطة اللبنانية، التي تقرر نقلها مؤخرا إلى مقر السفارة الأمريكية في روما، عوضا عن المقر الرئيسي للخارجية الأمريكية في واشنطن، بعد أن ثبت تعثر ما سمي «اتفاق الإطار»، فلا هو اتفاق ولا إطار، ولم تجر خطوة واحدة لتنفيذه، خصوصا مع «الاستعباط» و»الاستهبال» الإسرائيلي، وطرح خيار «مناطق تجريبية» في قرى صغيرة، لم تحتلها القوات الإسرائيلية بعد، ومطالبة الجيش اللبناني بالدخول إليها جنوب وشمال «الليطاني»، وبدء حرب فيها مع مقاتلي «حزب الله» لنزع سلاحهم، وهو ما زاد من اتساع نطاق المعارضة اللبنانية لما سمى «اتفاق الإطار» الوهمي، واختراق العدو الإسرائيلي لكل اتفاقات وقف إطلاق النار، وتحويلها إلى مجرد عتبات توطئة لمزيد من فتح النيران، وعمليات التجريف والهدم بالجملة .
ولا أحد يتوقع أن تنسحب «إسرائيل» طوعا من الجنوب اللبناني، ثم إن «اتفاق الإطار» ومناطقه «التجريبية» المصممة أمريكيا، لا يتحدث عن أي انسحاب إسرائيلي، بل عن مجرد «إعادة انتشار» محكومة بالاعتبارات الأمنية، التي يراها الإسرائيليون، وشيء من ذلك مع اختلاف الظروف فعله الأمريكيون، فلم يلتزم الأمريكيون أبدا بأي بند في ما سمي «مذكرة التفاهم» الأمريكية الإيرانية، وأهدرت واشنطن دم أول بنودها الخاص بوقف الحرب على جميع الجبهات خاصة لبنان، ولم تتوقف يوما عن التحرشات الحربية على جبهة القتال الأساسية في إيران، وتظاهرت برفع الحصار البحري ورفع عقوبات تصدير البترول الإيراني ومشتقاته ومنتجاته البتروكيماوية، ثم عادت أخيرا إلى إعادة فرض ما جرى رفعه مؤقتا، بعد أن أعلن ترامب في «قمة أنقره» الأطلنطية عن انتهاء سريان مذكرة التفاهم، ربما ليخفف من الانتقادات الداخلية الأمريكية ضدها، وضد نتائج حربه مع إيران، التي تقارب اليوم نحو الخمسة شهور، وانتهت إلى فشل مزدوج في مراحل السلاح والتفاوض معا، وزادت نسبة المعارضين لها في أوساط الرأي العام الأمريكي إلى ما يزيد على السبعين في المئة .
وبدا أن ترامب يحارب طواحين الهواء، فهو يعلن عشرات المرات، أنه انتصر وجرد إيران من كل قوة ودفعها لاستسلام غير مشروط في «مذكرة التفاهم»، ثم يعود لإعلان حرب ضد سلاح إيران الذي دمره، حسب أقواله، ويمد نطاق الغارات الجوية الأمريكية إلى كل مناطق السواحل الإيرانية، وليس فقط في الموانئ والمدن والجزر القريبة جدا من «مضيق هرمز»، ويعلن أن حملته الحربية الجديدة قد تستمر لأسبوعين أو ثلاثة، وأنه سيدمر كل المواقع النووية الإيرانية، وكان قد أعلن مرارا أنه أبادها ومحاها جميعا، وإن أضاف هذه المرة موقعا سريا جديدا تحت جبل «الفأس»، وكلنا يذكر ما قاله في «حرب الاثني عشر يوما» خلال يونيو 2025، وإعلانه أن عملية «مطرقة منتصف الليل» دمرت مفاعلات «فوردو» و»نطنز» و»أصفهان»، وتفاخره بدور القاذفات النووية «بي 2»، التي نفذت القصف، وبأم القنابل خارقة التحصينات الأمريكية «ج. بي. يو 57»، التي تزن الواحدة منها نحو 14 طنا، وها هو يعود اليوم إلى التهديد ضمنا باستخدام القاذفات النووية «بي. 52» الأقل تطورا من «بي ـ 2» واستخدام القنابل الثقيلة لتدمير موقع «جبل الفأس» السري الأشد تحصينا من موقع «فوردو»، وكأنه ينتظر شيئا آخر غير الفشل العظيم، الذي حققه في حرب «الاثني عشر يوما» و»حرب الأربعين يوما». لا أعني ـ طبعا ـ أن القوة الأمريكية الأعظم في العالم، ليست قادرة على مزيد من القتل والتدمير، ولا أن إيران ـ بالمقابل ـ تملك سلاحا وتكنولوجيا أفضل مما تمتلكه أمريكا، بل أقصد أن واشنطن مهما ملكت ودمرت، ليست قادرة هذه المرة أيضا على تحقيق النصر، ولا تحقيق أهداف حربها مهما توسعت، وإن كان ترامب يتخبط هذه المرة في صياغة هدفه المباشر، ويركز أحيانا على ما يسميه فتح «مضيق هرمز»، أو انتزاع السيطرة على المضيق من القوات الإيرانية، بينما يزعم أنه فتح المضيق بالفعل، ويطلب هذه المرة من كل سفينة أو ناقلة بترول عابرة، أن تدفع له «إتاوة» عبور بنسبة 20% من قيمة حمولتها، ولم نسمع من دول المنطقة، ولا من دول العالم المستفيدة من مبدأ «حرية الملاحة» في «مضيق هرمز»، أن أحدا ـ خليجيا بالذات ـ اعترض على «إتاوة» ترامب ورسوم العبور التي أعلن عنها، رغم أن الجميع جاهروا بالاعتراض الصاخب على رسوم الخدمات ـ لا رسوم العبور ـ التي أعلنت إيران المشاطئة للمضيق عنها، بينما أمريكا البعيدة بآلاف الأميال، تريد فرض رسوم عبور باهظة التكاليف، ومن دون أن يعتبرها أحد من المعنيين خروجا على قواعد القانون الدولي، أو خرقا لمعاهدة البحار، مع أن الموقف القانوني الأصلي لأمريكا وإيران من المعاهدة المذكورة هو نفسه، فلم تصادق إيران على قانون البحار، كما لم تصادق أمريكا، وما من تفسير للازدواجية الفاضحة في مواقف المستفيدين من حرية المرور المجاني، سوى أن الدفع لأمريكا عندهم فرض وسنة واجبة الإتباع، بينما الدفع لإيران خروج عن الملة الإسرائيلية أو «الإبراهيمية» التي جبلوا عليها.
وربما يكون السبب في تناقضات القوم العجيبة، أن ترامب يعدهم بإسقاط النظام الإيراني، وهو يدعى أنه أسقط نظامين إيرانيين منذ اغتيال السيد علي خامنئي صباح 28 فبراير 2026، وأنه في سبيله لإسقاط النظام الثالث، ومن دون أن يعرف أحد معنى «هلوساته»، فالنظام الإيراني واحد كما هو منذ وقت خامنئي الأب، بل إنه صار أكثر تشددا وتماسكا ومخاطرة وجرأة مع تولي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، وكان الوداع الأسطوري المليوني دليلا شعبيا على الوفاء والاستمساك بنهج خامنئي الأب، وأثبتت الحروب التي توالت، أن النظام الإيراني بقاعدته الشعبية الواسعة، ليس من النظم المعلقة التي تزول بقطع الرأس، بينما ترامب يعيش في فقاعته الشخصية، ويعتقد أنه المستهدف لا غيره برايات الثأر الحمراء في جنازة خامنئي الأسطورية، ويريح نفسه بزعم أن مجتبى قتل هو الآخر، ويقول في تصريح علني جهير، إن مجتبى قتل بنسبة 92%، النسبة نفسها تقريبا، التي قال إنه دمر بها مخازن الصواريخ الإيرانية ومدنها تحت الجبال، بينما قالت تقارير المخابرات المركزية الأمريكية نفسها، أن إيران لا تزال تحتفظ بأكثر من تسعين في المئة من ترسانتها الصاروخية الباليستية، وهي قراءة إحصائية معاكسة تماما لمزاعم ترامب وجنرالاته، تقول أيضا، إن إيران نجحت في إصلاح أضرار تدمير لحق بمداخل مدن الصواريخ الإيرانية في بطون الجبال، وأن إنتاج إيران للصواريخ والمسيرات لم يتوقف أبدا.
والخلاصة ببساطة، أنه لا بأس في أن يجرب ترامب حظه الحربي مجددا، وخسارته مضمونة في مطلق الأحوال، حتى لو كرر حروبه ألف مرة، فلم تنتصر أمريكا في عشرات حروب شنتها بعد الحرب العالمية الثانية، والأرجح أنها لن تنتصر أبدا في حربها على إيران، سواء خاضتها وحدها، أو مع ربيبتها «الإسرائيلية»، والسبب ظاهر، فلم ينتصر العدو الأمريكي الإسرائيلي في «الحروب غير المتناظرة» التي جرت في المنطقة خلال نحو الثلاث سنوات الأخيرة، ولم تتحقق أهداف العدو كاملة، وظلت هذه الحروب في حالة غير منتهية، ولم تنهزم جماعات المقاومة الفلسطينية واللبنانية نهائيا، فما بالك بإيران، التي هي الداعم الحصري لظاهرة المقاومة من نوع مختلف في المنطقة، خصوصا مع تصاعد احتمالات انضمام «الحوثي» اليمني رسميا إلى الصراع الدائر .



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

وفاة سيدة أثناء الولادة تستنفر الأجهزة الأمنية في إربد

«الجنرال» يشعل فضول الأردنيين .. هل صنعت قيود الإعلام نجومية الحسابات المجهولة؟

بعد مقتل جيمي كارني .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يصدر بيانًا رسميًا

هيفاء وهبي تصل الأردن وتشعل الاهتمام قبل حفل الليلة .. ومفاجأة تجمعها بسانت ليفانت

لماذا أثارت المادة (21) من قانون الجامعات الجدل؟ .. قراءة في مخاوف آلاف العاملين

مشروع قانون الملكية العقارية .. 15 تغييرًا قد يؤثر في كل مالك أرض بالأردن

وزير الإدارة المحلية يوجّه بالتحقيق في شبهة اختلاسات ببلدية في المفرق

إرادة ملكية بالموافقة على إجراء تعديل على حكومة حسان

القبض على مشتبه به بقتل فتاة أميركية في إيرلندا

وفاة بلوغر بعد سقوطها من الطابق الـ27 في دبي .. صورة

بعد المصادقة على حبسه .. الرياطي يفقد عضويته في النواب

أول ثمار "مجلس السلام " خمط .. ؟

إيران تستهدف الأردن .. والجيش يسقط صواريخ

قتيل واصابة بمحافظة جرش

أحكام مشددة في قضية سرقة مكتب طلال أبو غزالة .. والقضاء يحسم الملف