في «اللاروب» .. يغفو الزمن وتصحو الذاكرة

في «اللاروب» ..  يغفو الزمن وتصحو الذاكرة

18-07-2026 02:26 AM

أن تجد نفسك في مكان تلتقي فيه النقائض كلها، يتناطح فيه الحاضر بالماضي، تلتقي فيه شخصيات من كتب التاريخ وأخرى من زمن معاصر، يتقاطع فيه شعراء ومغنون، ساسة ومجانين، مجهولون وعقلاء، يطوف من حولهم عبد الرحمن المجذوب، شاعر المتصوفة والهائمين، ويصغون إلى أغاني «ناس الغيوان»، وإلى شيخات فن العيطة، نصادف فيه علي الحمامي أو عبد الكريم الخطابي، يزورهم في ذلك المكان الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، وكذلك جمال عبد الناصر، أو مهدي بن بركة أو عمر بنجلون. وكل هذه الشخصيات تجالس أشخاصا من الهامش، يجتمعون في كباريه «سنترا»، يخوضون فيه في شؤونهم وشؤون غيرهم، والعلامة الفارقة من كل هؤلاء هو شخص واحد، يقود حبال السرد، اسمه: محمد بنيس.
للوهلة الأولى يظن القارئ أن المقصود هو الشاعر المغربي المعروف، لكنه تشابه أسماء فذلك ما يوحي إليه حسن أوريد في روايته «اللاروب» (نوفل/ الفاضل، 2026)، ففي هذه الرواية لا مجال للفرز بين الواقعية أو الفنتازية، بين الحقيقة أو المتخيل، بل كل شيء يسير في خط واحد ولا يصلح التفريق بين المعيش والحلم، لأن الأزمنة متداخلة في ما بينها، تقفز من ماضٍ إلى حاضر من غير حرج، بحكم أن كباريه «سنترا» يشهد حالة لم يسبقه إليها مكان آخر، فقد تعطلت فيه الساعة في التاسعة إلا ربعا، أو بالأحرى التاسعة اللاروب، كما يقولون في العامية، ومن هنا يتأتى عنوان المتن. قد تبدو كلمة غير مفهومة في البدء، لكنها تعبير عن انعدام الوقت في مكان لا يعرف هل يمضي إلى الأمام أم يتراجع إلى الخلف. ويستبدل المؤلف الزمن بالحكايات، إنها بديل عن ورطة الضياع التي تدخل فيها الشخصيات.

«نعيد الحكي كي لا ننسى. لأننا محكومون بذاكرة. نحكي كي نفهم. كي لا نقع في العثرات نفسها. نحكي، لنتذكر ولكيلا ننسى، كي نمحق الظلم. نحكي كي نقدح العزيمة، ولو تداخلت الأزمنة. الذاكرة فعل مقاومة»، هكذا ورد على لسان شخصية الموتشو في مختصر الحالة التي دخل إليها المقيمون في كباريه «سنترا» في الدار البيضاء. ويتولى بنيس تحريك الخيوط وسرد الحكايات أو تخيلها. لقد كان موظفا في إدارة الاستعلامات، يترصد تحركات المناضلين الوطنيين، يترجم نصوصا من الفرنسية في الظاهر، ومن الباطن فقد كان نفسه مناضلا على صلة بعبد الكريم الخطابي، وكذلك على صلة برموز الحركة القومية في المغرب. يتحول بنيس إلى شهرزاد مذكرة، لقد تلصص على الآخرين ويعرف حكاياتهم، يعرف مأساتهم، ويخفي عنهم مأساته الأكبر، بأن أصابته العنة وبات غير قادر على أن يدنو من زوجته البولندية سوليكا، بل يخشى أن ترتبط في الخفاء مع واحد من الرجال الذين ينادمونه.
تبدأ الرواية من عام 1946 أو هكذا يتخيل القارئ، في زمن كان فيه بنيس شابا في مقتبل العمر، وفي بداية مسلك إداري واعد.

لكن سرعان ما ينفلت الزمن من بين يديه، وتحصل طفرات في الانتقال بين السنين، من فصل لآخر، إلى أن نلتقي به مرة آخر وقد تقدم في السن، من غير أن يبوح بعمره، لكنه يشتكي من عجز حيال زوجته، ولا بد أن هذه الدلالات جاءت عن وعي من المؤلف، عندما ربط فحولة رجل بتوقف الزمن، فعندما بلغ البطل حالة من اليأس في علاقته بزوجته، قدر أن الزمن قد توقف. صار يحن إلى الماضي وإلى الحكايات المستوردة من سنوات الفتوة والشباب، بدل أن يفكر في اللحظة التي وصل إليها. لقد ربط عمره بقدرته على الدنو من زوجته سوليكا، وعندما خانته قواه، قرر أن حياته إنما ما سبق وليس ما سوف يأتي. ودّ أن ينزلق إلى ذاكرته، بل أن ينظر إلى ما يجري من حوله. ألغى الزمن من الكباريه الذي يجالس فيه أفرادا ليس لهم ماض، يمضون يومهم بين شرب أو تدخين لفافة حشيش، وصار يسرد عليهم ما يعرفه أو ما يظن أنه عاشه، ويصغي إليهم من غير اهتمام، حريصا على ألا تخونه زوجته مع أحدهم، وحريصا كذلك على التباهي بمعرفة شخصيات يسمعون عنها، بينما البطل تسنى له مقابلتها. لقد قرر أن يتعلق بالماضي بدل أن يرى قدمه تنزل إلى قبر جراء تقدمه في العمر. ويبدو أنها إحالة إلى واقع الشعوب في المنطقة، وهي شعوب تحن إلى ماضيها أكثر مما تتطلع إلى مستقبلها.

عندما يلغي بطل الرواية الزمن، يصير كل شيء مباحا، يملأ عقله بكؤوس من الشراب، ثم يسترجع الذاكرة، ولا يعرف القارئ هل الشخصية تحكي الوقائع، أم تهذي. ولا يهم كذلك ترتيب الأحداث، إنه ينتقل من واقعة إلى أخرى من غير ربط، ومن يثمل فإنه لا يحتاج سوى إلى أحد يصغي إليه، وذلك ما يتوافر للبطل في كباريه سنترا، هذا المكان الذي يتحول إلى وطن له، يأوي إليه من أجل أن ينسى عجزه مع زوجته. يفلت منه الزمن لكن الحكايات تتناسل، ولا تريد أن تنتهي، وفي الأثناء ومن غير أن يدرك، يروي أيضا شذرات من تاريخ المغرب، عن أيام مكتب المغرب العربي في القاهرة، عن سنين المقاومة، عن تحايله على الإدارة الفرنسية، التي وظفته ثم صار مناضلا ضدها، يحكي كذلك عن علاقته مع الحركة التحريرية في الجزائر، ولا يتنازل عن حقه في سماع أغاني العيطة.

إن «اللاروب» رواية تعج بالشعر والشعراء وبالأغاني، وقد جاءت في جلها بلغة محلية، ولعله خيار فني من المؤلف، في انتقاء لغة تتناسق مع ألسنة الشخصيات، فهي ليس شخصيات عالمة، بل قادمة من مجاهل المجتمع، ومن المقدر أن تتعسر قراءة هذه الرواية على قارئ من خارج المغرب العربي، لكنها رواية من شأنها أن تلفت إليها النظر عندما يتعلق الأمر بقارئ محلي، يفهم لغتها الدارجة. سوف يرى فيها صورة له وصورة عن البلد في ماضيه القريب، ففي كل مرة يلج فيها البطل إلى كباريه سنترا يسأل عن الوقت، ثم يعلم أن الزمن قد توقف في التاسعة إلى ربعا (اللا روب)، وبدل أن يفكر في تصليح الساعة أو تغيير البطارية ينصرف إلى حكاية جديدة، من شأنها أن تنسيه في تعطل الزمن وكذلك تعطل زمانه بجانب زوجته. يتخذ المؤلف من مكان واحد مستقرا له، ولكن ذلك المكان تتعدد فيه الأزمنة بين ذهاب وإياب. يروي شذرات من حياة البطل، عن امرأة ارتبط بها وأنجب منها ثم تخلى عنها وعن ابنه منها، عن رجال عرفهم أو نساء أحبهن، وفي الأثناء يروي سيرة المغرب بين زمنين، قبل الاستقلال وبعده.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

نزار الرشدان ينضم إلى الوداد المغربي

العيسوي ينقل تمنيات الملك وولي العهد بالشفاء للفريق المتقاعد فاضل علي فهيد

الإدارية النيابية تقيد صلاحية الحكومة في حل المجالس البلدية لأول مرة

الحنيطي يبحث التعاون مع قائد قوات مشاة البحرية الأميركية

اللجنة الإدارية تقر مشروع قانون الإدارة المحلية مع تعديلات

ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 73389 منذ بدء العدوان

انطلاق مهرجان صيف تلفريك عجلون الثالث

انخفاض لافت على أسعار الذهب في السوق المحلية الخميس

نادي الأسير والحملة الوطنية: احتجاز الجثامين جريمة ممتدة بعد الموت

بمناسبة اليوم العالمي للشباب .. عمّان الأهلية تنظم زيارة توعوية إلى إدارة مكافحة المخدرات

إيران: مضيق هرمز تحت سيطرتها

زيلينسكي يطالب واشنطن بـ5% من صواريخ باتريوت لتجاوز الشتاء

تصعيد خطير في الأقصى مع بدء اقتحامات المستوطنين

8 أيام للتقديم .. والقبول الموحد يتيح تعديل الخيارات دون حدود

السفير الأميركي لدى إسرائيل: لا مبرر لسلوك المستوطنين البلطجي