رحل أهل الشداد .. وبقيت "عباءات الصيني"!

رحل أهل الشداد ..  وبقيت "عباءات الصيني"!

29-07-2026 10:05 PM

​شتّان بين مَن كان يلبس العباءة ليستر بها الناس ويحمل عنهم الكرب، وبين مَن يرتديها اليوم كأنها "زيّ عمل" لتقاضي الأثمان!
​رحم الله جيل الشيوخ الأولين؛ يوم كان الشيخ يبيع من حلاله ليطعم الجائع، ويدفع من جيبه الخاص ليرأب الصدع ويصلح بين المتخاصمين. كان الشيخ في ذاك الزمن يُعرف بهيبته لا بمظهره، وبموقفه الصلب لا بكلماته المعسولة، وبسخائه على وطنه وأبناء عشيرته دون أن ينتظر شكراً من أحد أو مكافأة من جهة. كانت الشياخة عنده مسؤولية وشهامة وتضحية، وليست تجارة أو وسيلة للتسلق.
​أمّا اليوم، فقد ابتُلينا بزمن كَثُرَت فيه "عباءات الصيني"... عباءات براقة في ظواهرها، رخيصة في جوهرها! تتصدر المجالس، وتتقن فن الاستعراض أمام الكاميرات، ولكنها تختفي تماماً عندما يحتاج الوطن إلى موقف، أو يحتاج ابن العشيرة إلى سند. لقد أصبح البعض لا يتحرك خطوة واحدة لخدمة ابن وطنه إلا إذا كان هناك "مقابل"؛ إما مصلحة شخصية ضيقة، أو خطوة نحو منصب، أو جاه مزيف يُشترى ويُباع.
​لكن، والحق يُقال، وحتى لا نَبْخَس الناس أشياءهم، فإن الأرض لا تخلو من الخيرين؛ وطُوبى لرجالٍ هم أهلٌ للعباءة وقدرها، ينفقون من عزائمهم وأموالهم وأوقاتهم بلا مقابل ولا مَنّ، يستجيبون لدواعي النخوة قبل أن يُطلبوا. تحية إجلال واعتزاز لكل رجل حر، وأخٍ صادق، وشيخٍ حقيقي يقف في الملمّات موقف الصلابة والعطاء، لا يبتغي إلا وجه الله ورفعة وطنه وستر أبناء مجتمعه. هؤلاء هم "أهل الفزعة" الذين تزهو بهم العباءات، وتفخر بأفعالهم المجالس، ويظلون السند المتين الذي لا يميل.
​إن الشياخة الحقيقية لم تكن يوماً مجرد "بشت" يُلقى على الكتفين، ولا لقباً يُكتَب على بطاقات الإهداء. الشياخة موقف، وكرامة، وعطاء بغير حساب. وحين تحين لحظة الحقيقة، يظهر المعدن الأصيل؛ فمن كان شيخاً بأفعاله وفزعته ظل كبيراً في عيون الناس ولو لم يملك شيئاً، ومن اعتمد على "العباءة المزيفة" سقطت هيبته عند أول اختبار، لأن الناس تميز جيداً بين الذهب والزجاج.
​رحم الله رجالك يا وطن الأمس، وبارك الله في نشاماك وأهل الفزعة في حاضرنا، وأعان الله هذا الوطن على مَن جعلوا من الوجاهة تجارة ومن خدمة الناس سوقاً للمساومة!
حفظ الله الاردن والهاشمين



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد