من منصة التخرّج إلى صناعة المستقبل .. ولي العهد وحق الشباب في الفرصة

من منصة التخرّج إلى صناعة المستقبل ..  ولي العهد وحق الشباب في الفرصة

20-08-2026 09:42 PM



في كل عام، تمثل حفلات التخرّج لحظة فارقة في حياة الشباب؛ فهي لا تختصر سنوات من الدراسة والجهد فحسب، بل تفتح سؤالاً أكبر: ماذا ينتظر الخريج بعد مغادرة الجامعة؟ فالحصول على الشهادة يظل إنجازاً مهماً، لكنه لم يعد وحده كافياً لضمان الانتقال إلى حياة مهنية مستقرة في عالم تتغير فيه المهارات والوظائف بصورة متسارعة.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة رعاية صاحب السمو الملكي الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، لحفل تخريج الفوج السادس من جامعة الحسين التقنية، وبحضور سمو الأميرة رجوة الحسين، باعتبارها مناسبة تتيح التفكير في قضية تتجاوز التخرج ذاته، وتتصل بحق الشباب في الحصول على تعليم يفتح أمامهم فرصاً حقيقية للمشاركة في صناعة المستقبل.

فالحق في التعليم، في منظومة حقوق الإنسان، لا يرتبط فقط بإتاحة الوصول إلى المؤسسات التعليمية، وإنما يرتبط كذلك بجودة التعليم وقدرته على تنمية شخصية الإنسان ومهاراته، وتهيئته للمشاركة الفاعلة في المجتمع والحياة الاقتصادية.

ومع التحولات التي فرضتها التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، تبرز أهمية التعليم التقني والتطبيقي الذي يربط المعرفة بالمهارات العملية، ويهيئ الشباب للتعامل مع مجالات حديثة مثل الذكاء الاصطناعي، وعلم البيانات، والأمن السيبراني، والهندسة والتكنولوجيا.

وتكمن أهمية هذا النموذج في أنه لا يكتفي بتخريج طلبة يحملون شهادات، وإنما يسعى إلى توسيع مساحة الفرص أمامهم. فالتعليم النوعي يمكن أن يكون إحدى أدوات تعزيز تكافؤ الفرص، خصوصاً عندما تتوافر إمكانية الوصول إليه أمام الطلبة القادرين والمتميزين، بصرف النظر عن ظروفهم الاقتصادية أو مناطق إقامتهم.

ومن هنا تكتسب المنح والوقف التعليمي أهمية خاصة. فدعم الطالب الذي يمتلك القدرة والطموح، لكنه قد يواجه عائقاً اقتصادياً، لا يمثل مجرد مساعدة تعليمية، وإنما يساهم في تعزيز العدالة في الوصول إلى المعرفة. وفي هذا السياق، فإن إطلاق وقفية جامعة الحسين التقنية وتوسيع برامج المنح يفتحان مجالاً مهماً للتفكير في دور التمويل المستدام في إتاحة التعليم النوعي أمام الشباب.

فالعدالة في التعليم لا تعني أن يحصل الجميع على النتائج ذاتها، وإنما أن تتوافر أمامهم فرص عادلة للوصول إلى المعرفة والمهارات التي تمكنهم من بناء مستقبلهم.

وترتبط هذه المسألة بصورة مباشرة بالحق في العمل. فالشاب الذي يحصل على تعليم يتناسب مع متطلبات عصره يكون أكثر قدرة على دخول سوق العمل والمنافسة فيه، في حين أن اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد قد يجعل الشهادة، على أهميتها، غير كافية وحدها لتأمين المستقبل المهني.

ولهذا فإن الشراكة بين المؤسسات التعليمية وقطاعات الإنتاج تمثل اتجاهاً مهماً في تطوير التعليم. فالجامعة ليست منفصلة عن المجتمع، وسوق العمل ليس مجرد محطة لاحقة للتخرج؛ بل يفترض أن يكون هناك تفاعل مستمر بين الطرفين، بحيث تتطور البرامج التعليمية بما يواكب التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، مع الحفاظ على الدور الأوسع للتعليم في بناء شخصية الإنسان وتنمية قدرته على التفكير والإبداع.

ومن منظور حقوق الإنسان، فإن تمكين الشباب لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد توفير فرص مؤقتة، وإنما باعتباره عملية مستمرة تمنحهم المعرفة والمهارة والمساحة اللازمة للمشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. فالشباب ليسوا فقط مستفيدين من سياسات التنمية، بل هم أحد أهم أطرافها وصنّاع نتائجها.

وهنا تتجاوز مناسبة التخرج معناها التقليدي؛ فالخريج لا يغادر الجامعة حاملاً شهادة فقط، وإنما يدخل مرحلة جديدة يصبح فيها السؤال أكثر ارتباطاً بالفرصة: هل يستطيع أن يجد عملاً يتناسب مع قدراته؟ وهل يستطيع تطوير مهاراته والاستمرار في التعلم؟ وهل يمتلك الأدوات التي تمكنه من المشاركة في اقتصاد يتغير باستمرار؟

هذه الأسئلة لا تخص الشباب وحدهم، وإنما تمس مستقبل المجتمع بأكمله. فحين تتسع الفجوة بين التعليم وفرص العمل، لا تكون المشكلة اقتصادية فقط، بل قد تتحول إلى قضية تتعلق بالعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص ومستقبل الأجيال.

وفي النهاية، ربما لا تكون القيمة الأهم في حفلات التخرج هي لحظة تسلّم الشهادة، وإنما ما يأتي بعدها.

فالمجتمع الذي يريد أن يصنع مستقبله لا يكفيه أن يحتفل بتخرج شبابه، بل عليه أن يهيئ لهم الطريق الذي يستطيعون من خلاله استخدام ما تعلموه، وأن يضمن ألا تتحول الظروف الاقتصادية أو الجغرافية إلى حواجز أمام طموحهم.

ومن هنا، فإن حق الشباب في المستقبل يبدأ من حقهم في تعليم جيد، لكنه لا ينتهي عند بوابة الجامعة؛ بل يمتد إلى حقهم في الفرصة والعمل والمشاركة والقدرة على صناعة مستقبلهم.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضراً بعد كل حفل تخرّج هو:

هل نخرّج شباباً يبحثون عن مكان في المستقبل، أم نبني جيلاً يمتلك الأدوات اللازمة لصناعة هذا المستقبل؟

فالفرق بين السؤالين هو، في جوهره، الفرق بين تعليم يمنح شهادة، وتعليم يمنح الإنسان قدرة وفرصة وكرامة واستقلالية.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

فانس: الضغط الاقتصادي على إيران يغير حساباتها بشأن الاتفاق مع واشنطن

تونس .. إضراب مفاجئ لسائقي نقل المحروقات يربك توزيع الوقود

الطاقة النيابية: تعديلات مرتقبة على أنظمة وتعليمات الطاقة المتجددة

حين تصبح الدولة غنيمة

من منصة التخرّج إلى صناعة المستقبل .. ولي العهد وحق الشباب في الفرصة

العيسوي يرعى تخريج الفوج الرابع من طلبة مركز إرشيد القرآني في بلدة علعال

تهنئة إلى عبد الله العقرباوي

الأردن وترينيداد وتوباغو يقرران إقامة علاقات دبلوماسية

قائد قسد يعلن إنجاز دمج المؤسسات الكردية في الدولة السورية

واشنطن تفرض عقوبات جديدة مرتبطة بإيران وحزب الله

الأشغال تبدأ السبت صيانة جزء من الطريق الملوكي بين الكرك والطفيلة

الاتحاد المصري يتابع إجراءات فيفا التأديبية بحق حسام وإبراهيم حسن وزيكو

القوات الأميركية تعيد توجيه 67 سفينة تجارية في إطار حصار إيران

محمد بن راشد يستجيب لمناشدة أم أردنية ويتكفّل بعلاج طفلتها كاتيا

مسقط: غارات إسرائيل على مطار بسوريا تهديد لأمن المنطقة

أرض بملايين الدنانير وموظفون بلا دوام .. الحكومة أمام أسئلة حاسمة .. صور

أردني اصطحب والدته لبرنامج زواج دون علمها وما حدث بعدها أشعل الغضب

في آب اللهاب .. الأردنيون على موعد مع أمطار غير اعتيادية

أمطار صيفية نادرة تفاجئ الشمال .. وهذا ما ينتظر الأردن خلال الأيام المقبلة

77 مليار لتر سُرقت من مياه الأردن .. رقم يفوق سعة سد الملك طلال

صدور قوائم تنقلات داخلية لمعلمين ومعلمات .. أسماء

القبول الموحد يغلق قبل المكرمة .. موعدان مختلفان وخطوة لا يجوز تأجيلها

مصرع زوج فنانة لبنانية بصعقة كهربائية أثناء الاستحمام

«خيّي وخيّك» .. اسم مطعم يفتح جدلًا لغوياً وإدارياً في الأردن

وفاة ممثل مصري شهير .. صورة

مهم من الحكومة بشأن الخدمات المقدمة للمواطن

والدة رونالدو تغيب عن زفافه واتفاقية قبل الزواج بشأن الثروة .. تفاصيل صادمة

تعديلات تمس الاقتراع والدعاية والترشح .. ماذا سيتغير في الانتخابات بالأردن؟

حقيقة الذهب والكنوز بوادي السير .. الآثار الأردنية تحسم الجدل وتوجه رسالة للبحيشة

بعد سرقة 77 مليار لتر في الأردن .. فتوى تحسم الحكم الشرعي