جولات كيري ركزت على «إطار عمل» لـ«حل معلق»

جولات كيري ركزت على «إطار عمل» لـ«حل معلق»
الكاتب : هدى الحسيني

ما يحدث لفلسطينيي مخيم اليرموك جريمة: أطفال بعيون مستديرة، وعظام بارزة، وبطون منتفخة.. لم نسمع احتجاجا أو مطالبة بفك الحصار من السلطة الفلسطينية أو من حماس. بضعة شباب وأطفال في مخيم عين الحلوة بلبنان حملوا لافتات تنديد واستنكار

في اللقاء التحضيري لمؤتمر «جنيف2»، تحدث وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف - وأثنى عليه وزير الخارجية الأميركي جون كيري - عن استعداد سوريا لإفساح المجال أمام وصول المساعدات الإنسانية إلى الغوطة الشرقية.. هذا حق، لكن لم يشر أي منهما إلى فلسطينيي مخيم اليرموك حيث المجاعة انتشرت ولجأ الناس إلى أكل عشب الأرض.

المسؤولون الفلسطينيون مهتمون بالقضايا الكبرى.. يعتقدون أن مشكلة مخيم اليرموك ستنتهي مع تحقيق حق العودة!

جون كيري سعيد بعدما قام بـ10 جولات إلى رام الله والقدس، وعرّج مرة على عمان، ومرة على الرياض.. يريد أن يجد حلا للقضية الفلسطينية، ويتحدث عن «إطار عمل» للحل أو الاتفاق الأخير.. ترد الأطراف الأخرى برفضها الانخراط مجددا في إطار مؤقت، لكن الواقع أن كل اتفاق، إذا جرى التوصل إليه، سيكون مؤقتا، وأن «إطار العمل» ليس عملا بحد ذاته.

والسؤال الذي يفرض نفسه: من ذا الذي لا يريد التوصل فعلا إلى حل؟ هناك مشكلات كثيرة وكبيرة..

فإذا أخذنا الجانب الإسرائيلي سابقا، كانت هناك أقلية من الرأي العام الإسرائيلي تريد الاحتفاظ بالأراضي الفلسطينية المحتلة، لكن الأكثرية كانت جاهزة لحل الدولتين. وقد أظهر استفتاء أخير أن غالبية الرأي العام هناك لم تعد تريد هذا الحل.

وتتمسك إسرائيل بتصريحات أدلى بها صائب عريقات عام 2009 وقال فيها إنه «مع السنوات، رأينا تآكلا مستمرا في مواقف إسرائيل إلى درجة أنها عرضت أخيرا على الفلسطينيين إعادة 100 في المائة من الأراضي المحتلة، لذلك لا يوجد سبب كي يكون الفلسطينيون في عجلة من أمرهم» (صحيفة «الدستور» الأردنية 25 يونيو/ حزيران 2009). مع أن هناك من يقول: «إذا فاوضت، أسرع في التوصل إلى نتيجة لأنه كلما تأخرت خسرت ونلت أقل».

ورغم هذا «التآكل» الذي لمح إليه عريقات، تبقى هناك عقبات حقيقية أهمها عقبة الدولة اليهودية: الفلسطينيون يرفضون هذه التسمية. والفكرة أعاد إحياءها الرئيس الأميركي باراك أوباما، وعندما سمعها بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي تمسك بها؛ إذ كان يعرف أنها عقبة لا يمكن تجاوزها.

الفلسطينيون يرفضون عدّ الأرض التي هي فلسطين، دولة يهودية؛ إذ إنها ترتبط بحق العودة.

محمود عباس أشار في السابق إلى أن عدد الذين يحق لهم العودة يصل إلى ثلاثة ملايين، على أساس أن الذين هجروا عام 1948 كانوا 760 ألفا، وصاروا اليوم حسب التوقعات 4.8 مليون. ياسر عرفات في كل المحادثات لم يحدد العدد.

يردد المسؤولون الفلسطينيون أن الاعتراف بيهودية الدولة الفلسطينية يهدد مصير 1.3 مليون فلسطيني ظلوا في بيوتهم خلال حملة التهجير الكبرى عام 1948.

مسؤول لبناني قال لي: لقد هجّر بشار الأسد خارج سوريا مليوني سوري، وهجّر داخلها خمسة ملايين، ما الذي سيمنع إسرائيل غدا من تهجير الفلسطينيين الذين يعيشون داخل دولة إسرائيل؟!

وكان عباس لمح إلى قبول الدولة اليهودية، ثم حاول التراجع بقوله إنه «يمكن لإسرائيل أن تسمي نفسها ما تشاء: دولة يهودية، دولة هندية، دولة الإسكيمو.. هذه ليست مشكلتنا». المشكلة ليست هنا، لأنه إذا جرى الاتفاق على اسم الدولة اليهودية، فهذا يعني أن عباس سيوقع على هذا الاسم.

ثم هناك القدس.. إسرائيل ترفض حتى تقسيمها إلى مناطق، والفلسطينيون يريدون أن يصبح الجزء العربي تحت السيادة الفلسطينية، وأن يكون عاصمة الدولة الفلسطينية.. وفي «إطار العمل» الذي اقترحه كيري، لم يشر إلى القدس. الفلسطينيون يريدون انسحابا كاملا، لا مستوطنات، ويريدون حق العودة. إسرائيل تقول إنه لا عودة لأي لاجئ، تبقى القدس تحت السيطرة الإسرائيلية، وتسمح للعرب، وليس للفلسطينيين، بإدارة شؤون الأماكن المقدسة، إنما تحت سيادة إسرائيل. وبالنسبة للحدود، تطالب إسرائيل بالتبادل على أن تبقى المستوطنات الكبرى حيث هي، مع تفكيك المستوطنات الصغرى، ويكون التبادل بأراض في النقب مثلا.

الملاحظ أن غزة لم تكن مشمولة في المفاوضات. قال كيري في مؤتمر صحافي إنه «سعيد بالتقدم الذي أحرزه عباس وهنية». لم يعرف أحد بهذا التقدم، ربما كان يعرف أنه ما دام الفلسطينيون لا يركزون على جمع كلمتهم، فإن إسرائيل ستظل تماطل.

ما يجري في المنطقة بعد «الربيع العربي» أخر القضية الفلسطينية، وأسقظ مقولة إن الاستقرار في الشرق الأوسط يأتي عبر حل القضية الفلسطينية.

للأسف لم تعد القضية أولوية، كما أن اللاجئين الفلسطينيين رغم استمرار معاناتهم فإنهم لم يعودوا اللاجئين الأكثر إلحاحا في العالم، بعدما حل محلهم اللاجئون السوريون، وهناك من يعتقد أن الوضع السوري صار أخطر وأكثر أهمية من الوضع الفلسطيني.

مشكلة الفلسطينيين أن قادتهم لم يكونوا مستعدين لأي حل. اتهم العرب الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة بالخيانة عندما قال للفلسطينيين من بيروت: «خذ وطالب»؛ إذ منذ قرار التقسيم لم يكن هناك استعداد عربي لقبول ما يعرض أساسا لمواصلة الانطلاق والمطالبة.

في «اتفاق أوسلو» بدا عرفات وكأنه يقبل بنوع من التقسيم، وحل الدولتين، لكنه ظل ثائرا، مما انعكس سلبا على بناء الدولة في غزة والضفة، وأثر على هدف عودته إلى هناك، وعلى ما كان مقدرا لها.

يقول المثل: «اعرف عدوك».. ففي أول اقتراح تقسيم لفلسطين عبر «لجنة بيل» (نسبة للورد بيل) في شهر يوليو (تموز) من عام 1937، ورغم أن «لجنة وود هيد» أعلنت أن مشروع تقسيم بيل لا يمكن تحقيقه، فإن ردّ ديفيد بن غوريون على قرار «لجنة بيل» كان مقالا بعنوان: «أرفض أن أرفض»، ورفض هو وحاييم وايزمان التخوف من ضيق الحدود المقترحة من اللجنة، وعدّا أن تلك الحدود ستكون مؤقتة وسوف تتوسع في المستقبل.

الفلسطينيون يشعرون بأن «هذه بلادنا»، ويرفضون التخلي عن أي شبر، لكن كل الأشبار تسيطر عليها إسرائيل. ذكر مرة الكاتب الفلسطيني الكبير إميل حبيبي مثلا يردده الفلسطينيون يقول: «يا بشرب من راس النبع، يا بخللي حالي عطشان».

هذا المثل ينطبق اليوم على العقلية التي تدير المفاوضات، صحيح أن الرفض يأتي بجمل منطقية وعبارات رنانة واعدة، لكنها تبقى عبارات على الورق، لا تستطيع تغيير الواقع على الأرض.

في المفاوضات الأخيرة، ورغم أن هناك من يقول إن حل القضية سيكون ثلاثيا، من الفلسطينيين وإسرائيل والأردن، فإن الأردن مارس سياسة النأي بالنفس.. هو يريد أن يكون طرفا في ترتيبات القدس، وقبل سنة توصل إلى اتفاق مع السلطة بأن يدير شؤون القدس حتى تحقيق الدولة، لكن بالنسبة لغور الأردن فإنه لا يريد التدخل. قال لي مصدر عسكري غربي إن «غور الأردن ليس استراتيجيا، المرتفعات هي الاستراتيجية. هناك قمة تمتد من بئر سبع، والجليل، وبيت لحم، والقدس، ورام الله، ونابلس، وجنين.. قمة واحدة». وأضاف: «تخرجين من وادي الأردن وتتجهين غربا إلى هذه القمة. الفلسطينيون مصرون على استعادة غور الأردن، لأنه جزء من داخل حدود 1967، وادعاء الإسرائيليين بأنه استراتيجي غير صحيح»، وقال: «الأماكن المنخفضة غير استراتيجية، دائما الأماكن المرتفعة هي الاستراتيجية. وفي غور الأردن مستوطنات لحزب العمل وليس لليكود».

لا يبدو أن كيري يريد التوصل إلى اتفاق حقيقي، يريد أن يضع «إطار عمل» والتمديد لسنة أخرى. ربما قرر الأميركيون الاعتماد في كل مفاوضاتهم على «إطار العمل» كما حصل مع إيران. الفلسطينيون يريدون إطار عمل للتوصل إلى السلام.

مع إيران كان هذا ممكنا، لأن الطرفين وجدا كلمات فسرها كل منهما بطريقة مختلفة. بالنسبة للفلسطينيين وإسرائيل اختفت العبارات. في مسألة إيران وافقت أميركا على ألا تشدد على الوضوح، لأنها مستعدة للتنازل. الفلسطينيون غير مستعدين لأن يحددوا نقاطا معينة.. في هذه الحالة سيخسرون، وتكون إسرائيل مثل إيران، والفلسطينيون مثل أميركا، لكن أميركا كانت مستعدة للخسارة لكسب إيران.

يقول مسؤول غربي: «الفلسطينيون في حاجة إلى قادة يعيشون معاناة شعبهم ويصرون على إنقاذه بأي طريقة، أما الآن فإننا نرى أحد قادتهم وهو يواظب على لعب الشطرنج عند الساعة الرابعة بعد ظهر كل يوم».