اندية خريجين للمدارس وسيلة لإشراك المجتمع في تطويرها - د. معن علي المقابلة

 اندية خريجين للمدارس وسيلة لإشراك المجتمع في تطويرها - د. معن علي المقابلة
قبل أيام وكعادتي في مرافقة جاري الى المسجد بادرني بطلب وسؤال غريب ، وهو ان أُوصل طلبه للمسؤولين في وزارة التربية والتعليم لتسمية مدرسة بلدته باسم والده ، وعندما سألته ؛ لماذا؟ اجاب بأن والده هو الذي بنى المدرسة على نفقته الخاصة ، وهذا يذكرني وبحسب ما يذكر المسنين من اهل بلدتي ان اول مدرسة تم بناؤها في البلدة كانت على نفقة اهلها حيث تبرعوا بالأرض وادوات وأجور البناء.
 
وهذا يقودني مرة اخرى للحديث عن المسؤولية المجتمعية في دعم وتطوير التعليم في بلدنا ، ولماذا هذا الدور آخذ بالتراجع او تلاشى تماماً في الآونة الأخيرة؟ وبعيداً عن البحث في اسباب هذا التراجع ، والذي لا يخرج في احد اسبابه عن البيروقراطية المقيتة التي اخذت تعصف في كل مؤسساتنا ، لا اظن ان هناك ما يمنع من قيام المجتمعات المحلية بالعودة والاضطلاع بهذا الدور المهم ، نظراً للتراجع الكبير في مخرجات العملية التعليمية ، والتي كان احد اسبابها الازمة الاقتصادية التي تعصف ببلدنا.
 
وزير التربية والتعليم الدكتور عمر الرزاز صرح مؤخراً ان الوزارة تحتاج سنوياً لستين مدرسة جديدةً لاستيعاب العدد المتزايد من الطلاب كل عام ، وليس بمقدور الوزارة بناء هذا العدد من المدارس ، فقدرة ميزانية الوزارة لا تعدو عن بناء اربعين مدرسة في احسن حالاتها ، فاذا اعتمدنا هذين الرقمين فان النقص يصل الى عشرين مدرسة سنوياً مما يؤدي الى اكتظاظ اعداد الطلبة في الغرفة الصفية الواحدة ، وهذا سينعكس سلباً على العملية التعليمية.
 
امام هذا التحدي الذي تواجهه الوزارة لابد من اجتراح وسائل خلاقة للتخفيف من حدة هذا التحدي ، وذلك باشراك المجتمعات المحلية –الاهلية- للمساهمة في تطوير العملية التعليمية مادياً ومعنوياً ، ومن هذه الوسائل والتي ارى انها وسيلة فعالة لعودة التعليم في بلدنا لحاضنته الاجتماعية ، تعميم فكرة اندية الخريجين للمدارس ، على غرار اندية خريجين الجامعات ، وعلى الرغم من ان تجربة هذه الاندية في بلدنا تجربة فاشلة بامتياز بسبب قصر نظر القائمين عليها ، والتي لا تعدو وظيفتها عن قيام احتفال هنا واخر هناك ، للتملق لهذا المسؤول او ذاك ، الا ان هذه الاندية لها تجارب متقدمة في البلدان الاخرى ، ساهمت في تطوير الجامعات بحيث اصبحت هذه الاندية وسيلة التواصل بين الجامعة وخريجيها ، وكان لهؤلاء الخريجون اسهامات كبيرة من خلال التبرعات السخية في بناء كليات علمية ، او انشاء كراسي علمية متخصصة ، او مراكز بحثية ، ساهمت في ايصال الكثير من هذه الجامعات الى مرتبة العالمية ، وقادت مشاريع التنمية في تلك البلدان. 
 
فتعميم فكرة اندية خريجي المدارس في مجتمعنا قد تكون وسيلة فعالة لاستعادة المجتمع المحلي لدوره في دعم المدارس ، وقد لا يتوقف هذا الدعم على الجانب المادي فقط ، كبناء مدرسة او اضافة جناح او توسعة ، او مختبر ، او ملعب ،  او مكتبة ، فللمجتمع ايضاً سلطته الاعتبارية على مؤسساته من خلال تقييم ادائها ، فمخرجات هذه المؤسسات تصب مباشرة في هذه المجتمعات بحيث يكون التقييم بشكل مباشر، ومن هنا تأتي الرقابة المجتمعية على هذه المؤسسات.
 
 ناهيك ان هذه الاندية ستكون حلقة الوصل بين المدرسة وخريجيها ، بحيث يقدم هؤلاء الخريجون خبراتهم المعرفية والعملية المتنوعة للمدرسة ، وقد تكون بأشكال متعددة كتقديم دورات متخصصة للطلاب والمعلمين ، وجوائز سنوية مجزية كمنح دراسية للطلاب ، وتكريم سنوي للمعلمين بجوائز مجزية تقدم لهم باحتفال يشارك به كل افراد المجتمع للتعبير عن امتنانهم لهؤلاء المعلمين ، والتي ستترك اثراً ايجابياً على المعلم مما سينعكس على ادائه في مدرسته.  
 
كما ان فكرة اندية خريجي المدارس ستعيد للذاكرة الحالة الوجدانية لدى خريجي هذه المدارس بمدارسهم ، فبهذه المدارس تشكلت شخصياتهم وخبراتهم الاولية ، وتركت ساحات ومرافق هذه المدارس ذكريات لا تنسى لدى هؤلاء الطلاب ستجعلهم اكثر التصاقاً بمجتمعاتهم خاصة ممن اغترب من هؤلاء الطلاب سواء الاغتراب الخارجي او الداخلي.
 
وقد يعترض البعض على هذه الفكرة ، بأن اعداد المدارس قد يصل الى مئات او الاف مما يتعذر انشاء نادي خريجين لكل مدرسة ، وهذا صحيح ، ولتجاوز هذه العقبة من الممكن تأسيس نادي خريجين وطبعاً خريجات واحد لمدارس البلدة الواحدة او الحي. 
 
اخيراً وليس آخراً ، هذا التراجع الحاد في مخرجات التربية والتعليم في بلدنا ، لا تقع مسؤوليته على طرف دون اخر ، وان كان صاحب السلطة التنفيذية يتحمل العبء الاكبر فيه ، الا ان المسؤولية جماعية ، وعليه يجب ان تكون الحلول جماعية ، من خلال اشراك المجتمع بحماية مؤسساته والعمل على تطويرها ودعمها.