محطات قطار حياتنا

 محطات قطار حياتنا
الكاتب : أ.د. يحيا سلامه خريسات
 نمر في حياتنا بمحطات مختلفة ومتنوعة لكل منها الدور في صقل شخصيتنا وتكوين فكرنا ومعرفة محيطنا وجمع المعلومات والتي يخزن بعضها الى الابد والأخرى تمحى بمجرد عبورنا هذه او تلك المحطة. 
يبدأ قطار حياتنا منذ ولادتنا ونمر خلالها وبعدها بمرحلة الطفولة المبكرة، وهنا يكون الدور الاكبر في التأثير علينا وتكوين شخصيتنا الأولى للوالدين، وبالأخص الوالدة والإخوة والأخوات، وهنا نكتسب اللغة والدين بالفطرة والقدوة ويكون لهذه المرحلة الدور الكبير في تكوين شخصيتنا في المرحلة اللاحقة ونتزود من هذه المحطة بالوقود والطاقة للمرحلة التي تليها وهي المرحلة المدرسية.
 فإذا كانت الأسرة متعاونة متراحمة عابدة لخالقها، تكون النشأة على هذه الحال، إلا النسبة القليلة من الشواذ والموجودة بكل الأسر. أما اذا كان جو الأسرة يشوبه الغبار والرؤية فيه غير واضحة والعلاقات يسيطر عليها المناكفة والمشاحنة فيما بين الأبوين، فانه سرعان ما ينعكس على علاقات الأبناء، وقد يكون مصدر عدم صفاء الجو الوالد، وهنا تعتمد النشأة على توجيه الوالدة وتحملها وقيادتها للسفينة، وفي معظم هذه الحالات يخرج أبناء مستقلين ولديهم درجة عالية من النضوج وتحمل المسؤولية المبكرة، وهذا أيضا ينطبق على الحالة التي تكون فيها الأسرة فقيرة ماديا وغنية روحانيا ومتماسكة اجتماعيا. ننتقل بعدها الى الأجواء المدرسية، ويبقى تأثير الأسرة موجودا ولكن حدته تقل بسبب تأثير الأجواء الدراسية، ويكون التأثير الأكبر فيها للمدرسين والرفقة من زملاء الدراسة ويكون تأثيرهم ايجابا او سلبا، وهذا يعتمد على من يلازمنا المقاعد الدراسية ومن نختار منهم كأصدقاء طفولة. ويستمر أحدنا بالعبور من محطة دراسية الى أخرى ويكتسب المعارف اللازمة وتصقل شخصيته بناء على جميع العوامل المحيطه به. 
 
وعند النضوج والإنتقال الى محطة الدراسة الجامعية، يكون أحدنا قد شعر بكيانه المستقل وأنه ليس بحاجه الى أهله سوى النفقه الماليه عليه، والتأثير الكبير في هذه المرحلة يكون أيضا للمدرسين بالتوجيه الإيجابي او السلبي بالإضافة الى ما نختار من رفاق دراسة. ونحن نعيش هذه المرحلة نكون بين الماضي القريب والمستقبل المجهول ونفكر بالمحطة اللاحقة وقد نتزود بالإضافة الى المعارف في هذه المحطة برفيق أو رفيقة دربنا والتي سيكون لها الأثر الاكبر في المحطات اللاحقة وفي تربية ونشأة ما ننتج بسبب هذه الشراكة والتوأمة. 
المرحلة التالية وهي محطة العمل والبحث عنه وتكوين الذات والاستقلالية عن الأهل وتكوين أسرنا المستقلة، والتي سيكون لخبراتنا ومحطاتنا السابقة الدور الأكبر في تكوينها ونشأتها. في كل مرحلة من مراحل حياتنا نتعرف بها على أناس جدد، منهم من يبقى في القلب والوجدان،ومنهم من ينسى مباشرة بعد مغادرة المحطة. قد لا يعجبك إنسان في مرحلة من المراحل للوهلة الأولى ولكنك سرعان ما تغير فكرتك عنه بعد الحديث والاختلاط به، وهذا يعتمد على طول إقامتك في تلك المحطة ومعظم شركاء حياتنا نلتقطهم بهذه او تلك المحطة. 
فحياة الانسان عبارة عن محطات مختلفة ومتنوعة بحلوها ومرها فيها ما يترك الأثر الإيجابي وفيها ما يترك الصدمة والرعشة والرهبة وفقدان الثقة والأمل. الإنسان الموفق في حياته هو الذي يوفقه الله الى إختيار الأفضل في كل محطة والتزود بالطاقة الايجابية فيها. ونستمر في حياتنا من محطة الى أخرى إلا أن يقف قطار حياتنا نهائيا ويبقى الأثر بعدها أما ايجابا ومدحا وخيرا وإما غير ذلك. نسأل الله عزوجل التوفيق والسداد والتزود بكل محطة من محطات حياتنا بزاد التقوى والصحبة الطيبة وأن نخرج من كل محطة بقوة وقدرة ومعرفة أكثر وعلاقات طيبة وأثر جميل.