ففيهما فجاهد - د. محمود العمر العمور

ففيهما فجاهد - د. محمود العمر العمور
لا يدرك الإنسان معاني الأشياء على حقيقتها كما يدركها عند فقدها، فاللوالدين معنى عميق في الحياة تدرك بعضه في حياتهما، ثم يكون الإدراك الشامل عند فقدهما.
 
 فقضى الإله ببرّهما والإحسان إليهما وجعله معطوفا على توحيده وعبادته عز وجل، وخص الأم بالذكر؛ { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } (سورة لقمان 14). وحث النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فجعل برّهما جهادا في سبيل الله، وخص الأم: أمك ثم أمك.
 
 فطوبى لمن أدرك أبويه أو أحدهما وفاز ببرهما، وخاب وخسر من أدرك ذلك ولم يدخل بهما الجنة، ولا يغتر أحدنا بأنه بار بهما، فعند فقدهما يدرك بأنه كان لديه الكثير ليقدمه لهما، وأنه يتمنى عودتهما ليقدم ذلك الذي لم يقدمه لهما في حياتهما، فالهمة الهمة لمن ما يزال يتفيأ في ظلالهما، حيّ على الجهاد فيهما، والجهاد يقتضي الصبر والتضحية والعطاء بالمال والوقت والجهد وحتى النفس.
 
 السمع والطاعة لهما في المنشط والمكره، اللين لهما في الفعل والقول وطلاقة الوجه، فهما طفلان يحملان عبىء السنين من مرض وضعف وتجارب مريرة وأوقات عصيبة، بكلمة تسعدهما؛ { وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا } (سورة الإسراء 23)، وبأخرى تجرحهما وتسبب لهما الحزن والأذى؛ { فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا } (سورة الإسراء 23)، تذلل بين يديهما؛ { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ } (سورة الإسراء 24)، الزم قدميهما فثم الجنة.
 
  الصحبة الصحبة قبل فقدهما؛ { وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } (سورة لقمان 15)، من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله: أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك.
 
يا مناد الجهاد ألا نادي في الغافلين: ففيهما فجاهد، حيّ على الفلاح في الدنيا والآخرة، يا شباب الأمة رجالا ونساء، هذا باب من الجهاد فتحه الله لكم، فانفروا خفافا وثقالا، فطوبى لمن ما يزال يملك بابا منهما، وعزاءً وحزنا لمن فقد البابين، ويا حسرة على كل دقيقة مرت في غير برهما.