يوميات سالم - الحلقة 29

 يوميات سالم - الحلقة 29
الكاتب : أكرم الزعبي
بعد أن أدّى صلاة العشاء، وفي أثناء عودته إلى بيته انقطعت الكهرباء في الحي الذي يعيش فيه سالم، وبعد وصوله بيته وجد زوجته وأبناءه يجلسون حول شمعه فجلس معهم.
 
(احكيلنا يا بابا عن المدرسة زمان) قال أحد أبنائه (المدرسة على أيامنا يا بابا غير)، (كيف؟؟).
 
يتنهّد سالم ويقول (على أيامنا ما كان فيه بستان وتمهيدي نتعلّم فيهم قراية وكتابة وكل واحد يجيب سندويشته معه، كانت روضة وكنّا نلعب ونطلع رحلات، وكان فيه وجبة مهمة اسمها بحتة)، (شو البحتة؟؟) يسأل أحدهم، فيضحك سالم وزوجته التي تقول (البحتة رز بحليب).
 
يُكمل سالم (كنّا نتخرّج من الروضة وندخل الصف الأول، و بالصف الأول كنّا نتعلم الحروف الهجائية ونحفظ اناشيد مثل فلسطين داري ودرب انتصاري، وماما ماما يا انغاما، وكانوا يعلمونا العربي من خلال شخصية باسم ورباب، كل موادنا كانت ثلاث، عربي ودين وحساب، والانجليزي كنّا نبلّش فيه بالصف الخامس).
 
(بابا بابا، احنا عندنا بالصف الأول ست مواد) تقول ابنته، (ويا ريتكوا فالحين يا ماما، بالصف الأول وبتحتاجوا مدرسين خصوصيين) قالت زوجته.
 
(على أيامنا يا بابا كان معظم المعلمين معهم عصاية، ويا ويل اللي بغلط أو ما بحضّر دروسه، أقل شي كان يوكل ثلث اربع عصي، ويظل حصتين يبكي من الوجع، بس طلّعوا زلم، مش طنطات زي ايامكوا، على أيامنا يا بابا كنت لمّا أرجع على البيت ماكل كتلة من المعلم يطعميني أبوي الله يرحمه كتلة أكبر منها، وعلى ايامنا .........)
 
تعود الكهرباء أثناء حديث سالم فيتطاير الأولاد فرحاً بعودتها، بعضهم يضع الآيباد على الشاحن ويقوم بتشغيله، وبعضهم يشعل التلفزيون، فيقوم سالم إلى فراشه - والدمعة في عينيه بعد أن تذكّر والده - لأنه ينوي أن يصلّي الفجر جماعةً في المسجد.
 
يستيقظ سالم فجراً، وذكرى والده ما تزال في رأسه، وبعد أن يصلي الفجر في المسجد يقرر زيارة قبر والده في المقبرة القريبة لقراءة الفاتحة له.
 
المقبرة موحشة، سكونها يثير الرعب، الظلام ما يزال سيّد المكان، يهم سالم بالعودة بعد أن شعر بشيء من الخوف لكنه عدل عن ذلك وهو يقول في نفسه (عيب عليك يا سالم، أصلا الميتين ما بخوفوا، الناس العايشة هي اللي بتخوّف).
 
يجلس قرب قبر والده ويبدأ بقراءة الفاتحة والدعاء له بالمغفرة والجنّة، ورغم محاولاته في الخشوع إلا أنّ كل حواسه كانت متأهبة ومستنفرة، وفجأه وفي وسط السكون الشديد يسمع صوتاً فينخلعُ قلبه من مكانه ويكاد ينقلبُ على ظهره من الخوف.
 
(بسم الله، بسم الله، بسم الله الرحمن الرحيم) يتمتم سالم، ويختفي الصوت، فيتمالك نفسه ويلتفت حواليه فلا يجد شيئاً، فيضحك في نفسه ويقول (شكلك صرت تتخيّل يا سالم).
 
يقف سالم على قدميه ويهم بالعودة إلى البيت فيعود الصوت مرّة أخرى (اششششششششش)، قدما سالم بالكاد تحملانه الآن، لكنه يستجمع ما بقي لديه من شجاعه ويقول بصوت متقطع (إذا كنت إنس ورجيني حالك، وإذا جن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم).
 
لا أحد يرد، (يخرب بيتك ما اتيسك، حد بيجي ع المقبرة بالعتمة، كان استنيت تا يطلع الضو) يقول في نفسه وهو يغادر المقبرة بسرعة.
 
يعود الصوت مرة أخرى لكنه هذه المرة ممزوجاً بصوت آخر (اششش ميووو اشششميووووووواشششش).
 
كان الضوء قد بدأ بالظهور وسالم يركض بأقصى طاقته وخلفه القط العالق بـ (كيس بلاستيك).
 
#وبعدين_مع_سالم