الحمرنة المتحررة..

 الحمرنة المتحررة..
الكاتب : صابر العبادي
حرك الحمار أذنيه للخلف وللأمام، ليعبر غريزيا، عن فهمه لما يراد به عند وضع الحلس المزين بالاحمر على ظهره، فهو يعلم بالفطرة والخبرة والممارسة ان هذا التزيين الشكلي لن ينفعه في شيء، وهو يعلم أيضا انها ليست لراحته بل لراحة من يمتطي ظهره... 
 
أمسك الراكب برسنه وأمره باللكز والوكز والرفس، كي يحث المسير الى مقصده، حاول الحمار ان يتحرر ويأرن (يتقافز بمرح) كما يأرن المهر المنتشي بالحرية.. ويلقي براكبه أرضا ويستنشق هواء الحرية، لكن لجم خياله التبن والمذود، فألقى أذنيه الى جانبي رأسه وانتظمت مشيته وذل وكاد يقف، حتى افزعته ضربة سوط على رقبته ففزّ مسرعا..
 
وبعد أن هدأ عنه الضرب لانتظام مشيته، بدأ يناقش علاقته مع مالكه، وكلما ملأ بطنه تبناً من المذود، أتته أفكار ايجابية، وأخرى معتدله... صار يرى تصرفات الانسان نفعية، فهي لا تخدمنا نحن الحمير إلا بأضعاف ما تخدم الانسان، ولا يعتني بنا إلا لأن حاجة الناس لنا هي التي تجبرهم على إطعامنا والاهتمام البسيط بنا..
 
 وعندها نهق نهقة قصيرة  قائلا: الآن عرفت معنى شعارهم: " الحمير أغلى ما نملك".
 
ثم فكر كثيرا بالحرية، وأدرك أن المذود والتبن ليس من مستلزمات حياته ويمكن الاستغناء عنهما، فكل الحمير الحرة تعتبر كل ما ينبت على أرضها لها، وهي آكلة للاعشاب والحشائش، ولا يعني لها المذود شيئاً، وكل ما يمارسه الانسان ضدنا، هو من إقرارنا نحن بعبوديتنا، والامر يتعلق فقط بثورة لكل الحمير الممتهنة، وهذا يحتاج الى قائد، ثم انقلب على عقبيه وحدث نفسه، لكن هناك مشكلة تخص الحمير فهي من طبعها إذا اجتمعت تتناكف في التصالح على قائد، ولا تنقاد لحمار!! الأغنام هي التي تقودها الحمير، أما الحمير فقيادتها أمر مختلف، يصعب فهمه..!!
 
تواصل الحمار الحر ببعض أضرابه، في احد الحقول، في غفلة من أسيادهم، ليتوافقوا على أمر فيه حريتهم بلا قائد من الحمير، وبعد جدال طويل، بسطوا فيه بحث مساوئ قيادة الحمير وتعسفها على بني جنسها، قرروا أن يعودوا الى التبن والمذود، خير من الفوضى والارتهان الى مستقبل مجهول..!!

أكثر الأخبار قراءة