بينهما برزخ لا يبغيان

 بينهما برزخ لا يبغيان
الكاتب : د. محمود العمر العمور
من آيات الله عز وجل في كونه، أنه جعل بين البحرين برزخ، أي حاجز أو مضيق، فلا يبغي أحدهما على الآخر، ولربما يختلف صفة كل بحر منهما، فقد يكون هذا عذب فرات، وهذا ملح أجاج، فلا يبغي أحدهما بصفاته على الآخر، فيستمر ميزان الكون عدلا، وتمشي الحياة سهلا.
 
       والبشر من حيث أنظمة الحكم بحران، حكام وشعوب، رعاة ورعية، وبينهما برزخ من المسؤولين والموظفين، عسكر ومدنيين؛ في مختلف القطاعات، وعلى جميع المستويات، والأصل في هذا البرزخ البشري أن يكون حاجز عدل، وطريقا سهلا، كي لا يبغي أحد البحرين على الآخر.
 
       فما بال هذا البرزخ؟! حيث أخذ يتضخم ويتمدد على حساب بحر دون الآخر، فبغى بينهما، حتى أصبحت حياة ذاك عذبا فراتا في أعالي الجبال والهضاب، وهذا ملح أجاج محصور في أخفض البقاع، وكلما مضى الوقت ولفحته شمس الهجير بحرارتها، تبخر ماؤه وازدادت ملوحة حياته، وانقطع بينها الوصل، وكلما استمر البرزخ في تضخمه وتماديه، والبحر المحصور في تقلصه وملوحته، ازدادت حرارة باطنه، فيأخذ بالغليان شيئا فشيئا، يخرج من فوهة هناك ساخنا يغلي، قد يوقف تدفقه حجرا كبيرا تُسد به فوهته، ولكن إذا استمر في غليانه وارتفاع حرارته، قد ينقلب إلى بركان ثائر لا يبقي ولا يذر.
 
       فالبرزخ الذي يُزيف ويُزين الأمور لهذا، ويميل ويقسو على ذاك، فهو يسير بالأمور نحو بركان لا يبقي ولا يذر -لا سمح الله-، أفلا يوجد في هذا البرزخ من حكماء؟ رجال رشد يعودون بالأمر إلى نصابه الصحيح، برزخ عدل وأرض سهل، تجمع بين البحرين، فلا يبغي أحدهما على الآخر.   
 
       اللهم بطانة صالحة، وعمال خير، يكونون بيضة قبان، ومرتكز لميزان العدل، وبرزخ بينهما لا يبغيان.