عاجل

بعد ارتفاع نسبة الفحوصات الايجابية .. توجيه حكومي صارم وفوري لجميع المواطنين

رسالة ماجستير .. إبراهيم أمين مؤمن

«من رواية قنابل الثقوب السوداء»
صبيحة يوم مناقشة رسالة الماجستير لحظ فهمان -وهو في الشارع- وجود كثرة من رجال غرباء يتبعونه، فخشي أن يمنعونه من حضور رسالته بيد أنه تساءل من جديد: «لو أن هؤلاء يريدون أذيتي لآذوني منذ زمن، إني أظنهم من الموساد.»
 
ارتدّ خائفا قاصدا العودة إلى منزله -وهو منزل خاص به من منازل المصادم- وعندما دخل كان مصباحا حجرة نومه وردهة الشقة مضاءين، فلمّا أغلق الباب انطفأ مصباح حجرة النوم على الفور، فتأكد فهمان أنّهم يرقبونه من خارج المنزل وداخله أيضًا. فولى هاربًا متوجهًا إلى قاعة كلية العلوم. 
                   
اسم الطالب: «فهمان فطين المصريّ»
تخصص الرسالة: «الفيزياء النظريّة»
الموضوع: «إمكانيّة بناء مصادم FCC-2  لاكتمال النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات»
المشرف على الرسالة: «ثلاثة من أساتذة جامعة جنيف»
لجنة المناقشة: «لفيف من أساتذة كليّة العلوم بجنيف»
ومن الضروري معرفته أن اللجنة أجلت موعد المناقشة أكثر مِن مرّة بسبب الدور الخطير الذي قد تلعبه رسالته في الحرب المحتملة القادمة.  
 
 القاعة: «كليّة العلوم بجنيف»
تاريخ الجلسة: «في المستقبل»
تملأ الرهبةُ أعضاءَ فريق المناقشة بسبب خطورة ما قرأوه في الرسالة، حيث وضع تصورًا لمصادم أسماه مصادم FCC-2، وإنه لتصور خطير؛ ويزيد من خطورته احتمالية حدوث حربًا نوويّة ولاسيما بعد نجاح الرئيس الأمريكي رامسفيلد -العميل الصهيوني- في الانتخابات الرئاسية الأمريكية. 
 
أما الحاضرون، فقد كانوا شخصيات بارزة في العلوم الفيزيائية، ولم يكن ذلك فحسب؛ بل حضر أعلام ورموز سياسية لها ثقل رهيب في دولهم.
 
وكان من بين هذه الشخصيات العلية بروفيسور من الموساد، ولقد حضر خصيصًا ليحدّد مدى أهمية الرسالة المطروحة وخطورتها على الأمن الإسرائيليّ. ولقد حضر أيضًا رئيس جامعة بيركلي، ذاك الرئيس الذي كان يترقب هذا اللقاء على أحرّ من الجمر ليأخذ فهمان -إذا حصل على الماجستير - إلى أمريكا للوفاء بعهده الذي وعده إياه قبل الرحيل من كاليفورنيا (وعده فهمان مسبقًا ببناء المصادم على الأراضي الأمريكية).
 
أمّا مهديّ وميتشو كاجيتا فيتابعان اللقاء من خلال البثّ الهوائيّ للرسالة.
ولقد  تحفز الناس أيما تحفز لحضور المناقشة لعلمهم السالف بمشاركته الفتى الأمريكي -جاك- في إطفاء حريق الجامعة.
ولكن هناك من حضر وتخفى تحت الأستار وهما فريقان: الأول الكيدون الإسرائيليّ، أما الآخر فهو الحرس الجمهوريّ المصريّ.
ولم يفت جاك أن يقف بجانب صديقه الأوحد في مثل هذه الظروف الحالكة، فجاك يتوجس شرًا من اللقاء لعلمه بخطورة محتوى الرسالة. 
 
 العرض التقديمي 
 
جلس فهمان على طاولته وبجانبه حاسوب ذو شاشة عملاقة، يحتوي الحاسوب على صور للعديد من مكونات المصادم الهادروني المستقبلي  FCC-1 الكائن الآن هنا في سيرن.
أخذ فهمان يشير بعصا في يده على تراكيب المصادم الحالي، ثمّ يوضّح طرق تطوير مكوناته ليصبح FCC-2.
 
وعندما قال: «هذا المصادم طاقته 400-500 تيرا إلكترون فولت.» صاح الحاضرون؛ فأوجس في نفسه خيفة؛ فتوقف عن الكلام. والصياح معزو في الأساس إلى حجم الطاقة الرهيبة التي قد تتسبب في فناء كوكب الأرض إذا ما ولدت ثقوبًا سوداء تشبع جوعها بالتهام ما حولها؛ مما يترتب عليه تضخمها. وبالتالي فلن تشبع حتى تلتهم كوكب الأرض كله، ثم تمتد بعد ذلك لتلتهم المجموعة الشمسية، ثم تظل على هذا المنوال حتى تلتهم الكون كله.
 
هذا التصور معروف لدى الفيزيائيين؛ بل لدى الطلبة المتخصصين في دراسة هذا المجال.
 
نادى جاك على فهمان وحفزه على التماسك كي يستطيع طرح وجهة نظره بثقة واقتدار. 
 
فأكمل فهمان: «ليناك 4 الموجود حاليًا في FCC-1  -الذي يعتبر الحلقة الأولى في السلسلة التي تقوم بإرسال الجزيئات إلى داخل مُصادم الهادرونات الكبير وتسريعها من خلال ثلاث حلقات بداخله- لعب صبيان؛ لأنه سيعجز عن تسريع دفقات البروتونات الجديدة والتي تقدر ب 1000مليار بروتون، وأنّنا في حاجة لتطويره وخاصة الحلقات المتتالية الثلاث المسئولة عن زيادة سرعة الحزم تدريجيًا وضخّها داخل المصادم. لابدّ من تطويرها ليتناسب و   FCC-2، لابد أن يطور ليصبح ليناك 64. ومغانط FCC-1 لم تكن أحس حالًا أيضًا، لأن ملاحتها سوف تعجز على توجيه الحزم وتسريعها داخل المصادم FCC-2 بسبب كثرة البروتونات الموجهة للارتطام، ولابد من تطويرها وزيادتها إلى 60000مغناطيس أفقيًا ورأسيًا، والعمل على زيادة درجة برودتها أكثر.»
 
وظل يتكلم على ما يربو عن خمس دقائق عن مكونات المصادم القديم وكيفية تطوره ليناسب الطاقة الجديدة.
 
 وعندما قال: «لابدّ من بنائه لينقذ البشريّة من المستقبل القاتم، لابدّ من بنائه في.» تلعثم ثمّ صمْت يأسًا وهدته الحيرة والخوف فخرّ على كرسيّه مهدودًا.
 
تعجب أهل التخصص والساسة من قوله: «لابدّ من بنائه لينقذ البشريّة من المستقبل القاتم.»، وتساءلوا فيما بينهم عن مراد الفتى، كما أن تلعثمه يدل على أنه يضمر أمرًا فيه خطر على العالم على حساب دولته -يقصدون أمريكا- وطرحوا سؤالا هاما وهو: «هل يريد الفتى نصرة الجنس العربي على الأجنبي ببناء ذاك المصادم على أرض مصر.»
 قام فهمان ليخرج نفسه من المأزق الذي وضع نفسه فيه قائلاً: «عامة فى صفحة 196-199 من الرسالة ستجدون كلَّ ما شرحته من تطوير للمصادم في جدول موازنات. هذا الجدول يبين إمكانيّة تطور FCC-1 إلى FCC-2  كما كان من قبل طُورLHC إلى FCC-1.»
 
ثمّ ألقى العصا وهو يقول: «بهذا المصادم الجديد المقترح في الرسالة سوف نكتشف غوامض الكون بسبب الأصدقاء الجُدد من الجسيمات التي من المتوقع تولّدها بفعل الطاقة الجديدة، مثل اكتمال النموذج القياسي، وخلْق ثقوب سوداء مجهريّة، والتي تمثل بوابات بُعديّة لأكوان أخرى.»
 
وفور ذكره ذلك هب الحاضرون وصاحوا به متهمين إياه بالخبل والجنون. عندها توجس مهدي شرًا فحفزه ذلك على مهاتفة الحرس قائلا: «استعدوا يا شباب، فيبدو أن الفتى لن يخرج من هذه المناقشة سليمًا.» 
تسارعتْ كاميرات الصحفيين لتصوير المشهد الرهيب، أما الحاضرون والمشاهدون فرددوا قائلين: «لن تفتح لنا بوابة يا أبله، بل ستفتح لنا أفواه ثقوب سوداء.» 
 أمّا بروفيسور الموساد ففتح جواله وهاتف الكيدون بالخارج قائلاً: «تأهّبوا يا أبطال.»
 
وجاك يلملم كمي قميصه ويرفعهما إلى أعلى استعدادًا منه لخوض معركة حتى لا يذهب ضحيتها صديق عمره.
ورئيس لجنة المناقشة يدعو الحاضرين بالتزام الصمت حتى يؤدوا عملهم. ثمّ نظر إلى فهمان بتهكّم قائلاً: «أكملْ يا إسرافيل (يقصد فناء الكون من خلال الثقوب السوداء المتولدة من المصادم الذي ينوي بناءه).»
 
استطرد فهمان: «قد تكون الثقوب السوداء المتولّدة نتيجة استخدام هذه الطاقة من عمليات الارتطام  حبلاً متينًا لربط الأبعاد المختلفة من خلال أنبوب الزمكان المشوّه.» صمت هنيهة ثم استأنف: «الأبعاد معكوفة ومطويّة ومختفيّة في قلب الثقوب.»
 
أغلق بروفيسور الكيدون هاتفه وهو يقول همسًا: «هل جُننت يا أحمق، تريد أن تأتينا بجنود من العالم الآخر لينضموا إلى العبيد من عالمنا هذا فيبطلوا مخططنا نحو قيام إسرائيل الكبرى؟ نحن ما زلنا نغرق في دمائنا من قسوة هذا العالم علينا.» 
 
وظلّ فهمان يتكلم عن عشرات المعضلات الفيزيائية ويضع حلولاً لها من خلال مصادمه FCC-2، وختم حديثه بقوله: «وأريد أن أنوّه إلى...»
قاطعه رئيس اللجنة بسؤاله: «أين تودّ بناءه؟»
 
هب مهدي واقفًا، فقد أصابه الذعر من السؤال وعلق غيابيًا: «تبًا لك، ما شأنك أنتَ ببنائه يا أحمق؟ أم أنك مسلط من هؤلاء (يقصد إسرائيل بالعموم).»
أما بروفيسور الموساد فقد ظل مترقبا؛ تدور عينيه في رأسه يخشى أن يسقط صريعا لو ظهر انتماء الفتى لبلده وقرر بنائه فيه.
 
بينما بدأتْ الخواطر والذكريات تعصف بقلب فهمان، واسترجع كلامه في الماضي ومما تذكر قول أبيه له: «لا تعمل لديهم يا ولدي.» ثم تذكر وعده لرئيس ناسا ببنائه في أمريكا، فتصارعتا الرغبتان بداخله. وظل أمر أبيه يطرق أذنيه حتى تألم أيما ألم، بينما عيناه تكادان تكفا على إثر مناشدة رئيس الجامعة له من خلال إيماءاته ببنائه في أمريكا كما وعده.
فاستغاث فهمان من الرمضاء بنار الجحيم محاولا الإفلات من الإجابة عن السؤال؛ فأثار قضية هي أم كل الأخطار فقال: «لا تعنينا الأبعاد المتولدة من الثقوب السوداء وإنما تعنينا قنبلة الثقب الأسود.» لم يعبأ رئيس اللجنة بهذا القول وإنما أصر على سماع الإجابة على سؤاله قائلا: «قلت لك أين تودّ بنائه؟ لن تنال درجة الماجستير حتى تُعلم اللجنة أين تودّ بنائه حِفاظًا على الأمن العالميّ.»
 
في هذه اللحظات العصيبة ساد الصمت الرهيب الذي ملأ أركان القاعة وما حواها، ولكن تبادل النظرات بين البعض منهم وتركيز نظر بعض آخر على وجوه بعينها كانت السمة البارزة التي اعترت الجميع.
لكن معظمهم يركز بصره على فهمان انتظارًا لما سوف يجيب به على رئيس اللجنة.
فجاك ينظر إلى صديقه بإشفاق شديد، وبروفيسور الموساد يتوعد في روعه فهمان بالويل إذا كانت رغبته بناءه في مصر، والرئيس مهدي يراسل حرسه مجددًا استعدادًا لخوض ملحمة قتالية صعبة؛ إذ إنه يتفرس في فهمان الخير كما يتفرس أيضًا تعرض الفتى لشر يحيق به من بعض الموجودين بالقاعة. أما ميتشو كاجيتا فكل ما يرجوه أن يُبنى ذاك المصادم على أرض يستطيع الخروج والدخول إليها للشروع في تنفيذ مخططه القذر (وهو محو أمريكا كما ستبين الأحداث اللاحقة) عن طريق بعض التجارب التي يتوقع منها صنع قنبلة الثقب الأسود التي جهر بها فهمان دون وعيٍ منه. 
 
وهنا بدأ الصراع الداخليّ يعاوده مرّة أخرى وبقوّة جامحة، وشرع يفكر في أمريكا وجاك وما فعله رئيس الجامعة له من تزكية مكنته من تسطير رسالته الآن، ولقد لمح في عينيه التأنيب والتوجع عن فعله، بينما على الجانب الآخر نجد أبيه مطلٌ من بين السحاب بفمه العطر يقول: «لا، لا تعمل لديهم.»
حاول فهمان أن يستنهض عزيمته علها تساعده على تحريك لسانه الملتصق بسقف حلقه، ازدرد ريقه ثمّ تابع التمتمة حتى بلغتْ حدّ الهذيان، وفجأة أحسّ بألم مفاجئ في الظهر، وتنميل في أطراف الجسد، كما أمسك بطنه متألمًا، وضاق تنفّسه وتعرّق عرَقًا شديدًا. ولم يشعر بما يدور حوله.
 
وتأكد بروفيسور الموساد أن فهمان يدين بالولاء للعرب بصفة عامة وبلده مصر بصفة خاصة من طول فترة صمته، حينها راسل فرقة الكيدون يأمرهم بقتل الفتى على الفور.
ومن نظرات بروفيسور الموساد على الشاشة التي تفرسها مهدي، ومن خلال حركة شفتيه -فهو يعرف اللغة العبرية- تأكد أن الخطر يحدق بفهمان فأمر هو الآخر بالالتفاف حول الفتى وعمل درع بشري حوله كي لا يصيبه أي أذى.
 
وبالفعل تمّ الاقتحام وبدأ الرصاص الحيّ ينطلق من مسدسات فريق الموساد، وبدأ فهمان يترنح في شلله إثر المعركة النفسيّة الرهيبة التي دارتْ بداخله وهو استحالة تحقق أمرين متضادين -الأول رغبة أبيه، والآخر رغبة رئيس جامعة بيركلي- تلك المعركة التي فُُرضتْ عليه وكانت بمنزلة مسرحيّة دراميّة فتكتْ بقلبه. وكلّ مَن في القاعة ولوْا هاربين مذعورين بمجرد إطلاق النار، والعالم كلّه أمام التلفاز في ذهول من الأحداث.
 
جرى أحد أفراد الأمن المصريِّ المدرّع بقميص رصاص نحوه ليجنّبه وصول الذخيرة إليه، لكن الرصاص قد فجّر رأسه وخرّ ميتاً.
 
أسرع كيدوني بسلاحه إلى حيث يرقد فهمان الطريح أرضًا، فقد نهض مِن بين صفي الدرج وكان جاك جالسًا في الصف الثاني على حافة الدرج فجنّدله فوقع على بطنه ثمّ قفز جاك عليه منقضّاً وأخذ المسدس منه وأطلق عليه رصاصة في قدمه، بينا الحرس الجمهوري المصري يردف بعضهم بعضا متسورين حول فهمان لإنشاء درع غير قابل للاختراق.
 
تبادل أفراد الكيدون والحرس الجمهوري إطلاق النيران فسقط على إثره معظم أفراد الحرس الجمهوري، عندها تأكد جاك من أنهم لن يتركوا فهمان حيا، فأزمع على تصفية أفراد الكيدون، فأطلق عليهم وابلا من الرصاص الحي وهو يتحرك منخفضًا بسرعة رهيبة حتى أسقطهم جميعًا غارقين في دماء أقدامهم.
 
ثم انطلق بسرعة الفهد، وأمسك فهمان بأنياب اللبؤة الحنون محاولة الهروب به خارج القاعة محل الخطر، وعندما همّ بالخروج به وجد بعض أعضاء الحرس الجمهوري متجهين نحو الباب فعلم أنهم يريدون أخذ فهمان، فلما وصلا معًا تراءى لجاك أن أفضل مكان آمن له أن يعود إلى بلده، فأعطاهم إياه كنوع من حمل الأمانة وإيصاله لصاحبه وعيناه تفيض من الدمع حزنا أن يفارق صديق عمره إلى الأبد. 
 
نظر كبير فرقة الكيدون نظرة ثاقبة إلى زملائه المطروحين أرضًا والدماء تنزف مِن أقدامهم -وكان يحمل مسدسًا وهو من أبرع القتاليين على مستوى العالم- ثم نظر إلى تسليم فهمان على باب القاعة ولم يعبأ بهروبه أيضًا، كل ما عناه أن لا ينهزم من أحد،
 
فألقى  مسدسه وأشار بسبابته إلى جاك أن هلمّ إلىّ -إشارة منه إلى قدرته الخارقة على هزيمته، وقد أخطأ، أخطأ كلُّ مَن لا يعرف جاك سواءٌ في قدرته البدنيّة أو العلميّة أو حتى الخلقيّة - فانقضّ جاك عليه ولكمه ثمّ حمله فوق كتفه وأداره بحيث أصبح رأسه في الأسفل وقدماه في الأعلى ثمّ أسقطه ليرتطم رأسه بالأرض، حاول الكيدوني النهوض فما استطاع.
 
توجّه بروفيسور الموساد سريعًا خلف جاك ومعه عصا غليظة وهمّ ليضربه في رأسه ولكنّ أحد أفراد حرس مهديّ قد لكمه فأسقطه أرضًا.
 
 
 
كلمات دلالية: قنبلة –  ثقب - أسود
«من رواية قنابل الثقوب السوداء»