الشائعات


الكاتب : ابراهيم محمود ابو عجمية
قال صاحبي : وأكثر ما يؤرقني الشائعات جاء هذا في معرض حديثه عن أشياء كثيرة كانت ولا تزال تؤرقه وتقضّ مضجعه واستطرد قائلا : تكون الحكاية بسيطة إذ لا تتعدى أن تكون حدثا عاديّا يحدث كل يوم لملايين من الناس إلاّ أن بعض الناس يزيد عليه ويظل يزيد حتى يصبح حدثا وحادثا جللا وأكثر ما تنتشر الشائعات زمن الحرب وفي الظروف الحرجة ففيها تكون النفوس المضطربة مهيّأة لاستقبال أيّة شائعة من أيّة جهة كانت بدون أدنى تفكير في مصدرها وبدون أدنى تفكير أيضا في مدى مصداقيتها فتسري سريان النار في الهشيم وما هي إلاّ سويعات حتى تصبح في نظر الناس حقيقة واقعة غير قابلة للنقاش فهي منسوبة إلى مصادر واسعة الإطّلاع ويمكن الوثوق بها وأحيانا منسوبة إلى مسؤول كبير يطلب عادة عدم الإفصاح عن اسمه وأحيانا كثيرة تنسب إلى مصادر وثيقة ومصادر مقرّبة وإلى شهود عيان لم يعرف عنهم الكذب ولا التدليس ولا التضليل .. تصور يا رعاك الله لو أن لدى البلدية هنا حديقة حيوان وفي هذه الحديقة أسود ونمور وضباع وذئاب وزواحف وخرج من يقول للناس هل سمعتم آخر الأنباء ؟ تشرئب الأعناق وتصغي بخوف ويستطرد صاحبنا: جاء حارس حديقة الحيوان منذ قليل ليطعم الأسود كعادته فلم يجدها في أقفاصها اتصل بالدفاع المدني وأعلنت حالة الطواريء فلا يحاول أحدكم الخروج أغلقوا الأبواب فالأسود جائعة ويتطوع هو فيغلق باب المكتب بإحكام ويستند عليه وعيناه تدوران في محجريهما رعبا .. ستمتقع وجوه الزملاء وحين يلتقطون أنفاسهم سيهرعون إلى الهاتف الوحيد الموجود في المكتب .. كلّ منهم يحاول الإتصال بزوجته أو بوالدته أو بمن هو في بيته وبلهجة آمرة لا تقبل الأخذ والرّد يقول أغلقوا الأبواب جميعها فورا وكذلك النوافذ وتجمّعوا في الصالة وضعوا خلف الأبواب جميع ما تجدون من أثاث ثقيل فالأسود تهاجم الآن بيوت البلدة بيتا بيتا وانتظروا تعليمات أخرى قال وتصوّر حالة كلّ بيت من هذه البيوت سينطلق سيل المكالمات المسمومة هل وصل الزئير حيّكم ؟؟ لقد فتكت الأسود بجميع الأسر في منتصف البلدة وفي غضون دقائق قليلة تنتشر الشائعة ويدب الذعر بين السكان ويغمى على من يغمى عليه فيطلب أهل المغمى عليه الإسعاف ويغمى والحالة هذه على كثير ولنقل يغمى من كلّ حيّ على واحد أو واحدة فتتحرّك سيارات الإسعاف إلى جهات البلدة الأربع ويبدأ نفيرها يصمي الأسماع المذعورة فيزدادون ثقة بأن الأسود تهاجم البلدة بيتا بيتا قلت لصاحبي لقد عقّدت الأمر الآن قال ولكنها معقّدة بطبعها .. فالإشاعة كالمرض المعدي وحسما للأمر فعلى من أطلق الشائعة أن يراجع نفسه ويعلن أنّها مجرد إشاعة قلت وحتّى لو أعلن ذلك فسيظلّ الشك يوسوس في بعض الصدور والحل الوحيد هو أن نتدبّر جميعا قوله سبحانه وتعالى ( يا أيّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) صدق الله العظيم ...