التوظيف الرأسمالي لوباء الكورونا


الكاتب : م. مهدي حنا
لقد تجاوزت أزمة كورونا العالمية السنة والنصف وقاربت على السنتين فيما لا نرى آفاق واعدة وحلول جذرية للتصدي لهذا الفيروس اللعين الذي حصد معه الكثير من الأرواح نسبياً في العديد من دول العالم. على الرغم أن المسألة ليست مرتبطة بالأرقام وبالكم الحقيقي والنسب التي يتم التعامل معها حيث بلغ عدد المصابين في العالم لغاية اللحظة 196,335,004  مصاب، في حين بلغت عدد الوفيات ما يقارب 4,198,012 أي كنسبة فهي ضئيلة جداً لا تتعدى 2.14% للوفيات من المرض، مقارنة بعدد الوفيات السنوية الناجمة عن الانفلونزا الموسمية والتي تصيب الجهاز التنفسي حيث تبلغ ما يقارب ال 650,000 وفاة موسمية بإعتراف منظمة الصحة العالمية. في حين أن عدد الأطفال الذين يقضون نحبهم جراء سياسات نقص الغذاء والدواء وخاصة في الدول الفقيرة في تزايد مستمرا عام تلو الآخر، هناك الكثير من الاحصائيات التي تتحدث عن موت ما يزيد عن ال 6 ملايين طفل سنوياً دون الخامسة من العمر، ومن هؤلاء قلة قليلة من ضحايا المجاعات التي تتصدر الصحف والمجلات المصورة والريبورتاجات المختلفة، فهناك الملايين غيرهم يموتون ومن دون أن يلاحظهم أحد يموتون نتيجة للمجاعات الخفية. 
 
فالمسألة إذن ليست في الاحصائيات، فضحايا الفقر نتيجة للسياسات الرأسمالية في العالم والقائمة على نهب مقدرات وثروات البشر تفوق أي جائحة نتحدث عنها. لذلك دعونا نتساءل لماذا هذا الكم من الترهيب الكبير الذي صاحب الكورونا وملكوت موتها منذ بداياتها. لكي يتسنى لنا قراءة الواقع بشكل دقيق يجب أن ندرك أن المسألة ليست بالوباء وهذا الوباء كغيره من الوباءات التي أصابت البشرية منذ قرون والتي كانت آثارها أكثر تدميراً من هذا الوباء من حيث أعداد المصابين والوفيات وغيرها ، ولكن لم تتعامل الحكومات مع تلك الوباءات بنفس الطريقة التي تعاملت بها الحكومات مع هذا الوباء ، مع الأخذ بعين الاعتبار فارق الزمن والتقدم التقني الطبي والعلمي من أدوية وأجهزة طبية ومستلزمات وغيرها ، لماذا؟  
 
أن المسألة بكل بساطة تكمن ضمن الصراع الرأسمالي العالمي المحتدم بين القوتين العظميين الصين والولايات المتحدة، حيث تم توظيف هذا الوباء سياسياً ليخدم مصالح الولايات المتحدة بشكل أساسي. لقد اصبح القاصي والداني يعلم جيداً بإن هذا الوباء قد تم تصنيعه وتجهيزه في المختبرات من قِبل الامريكان وتم نشره في الصين وبعض الدول الأخرى التي تقف من الولايات المتحدة موقفاً معادياً. لذلك فقد وظفت الرأسمالية الوباء على عدة مستويات مستفيدةً من فقدان السيطرة عليه والتي استخفت به في البداية ، ولم تتوقع له هذا الانتشار الهائل في العالم ، ولكنها استطاعت ان تستفيد من مجرى تطور الاحداث المتلاحقة وتوظيفها على المستويات التالية :
 
أولاً : لقد صاحب هذا الوباء نشر العديد من السياسات المعادية للشعوب كنشر سياسة الهلع والخوف من الصين وكأنها قوة قادمة من الفضاء وتهدد سماء الأرض، وعلى الطريقة الهوليودية فإن الولايات المتحدة هي من يجب أن تدافع عن العالم في وجه أي عداء تتعرض له البشرية . هذه الحرب الدعائية ضد الصين كانت نتيجة مباشرة للحرب التجارية التي تشير إلى تفوق الصين على الولايات المتحدة في كافة التقنيات والصناعات المتطورة وخاصة في مجال الاتصالات وعلوم الذكاء الاصطناعي، والانتشار العالمي لتلك الصناعات والتقنيات التي أصبحت بموجبها الولايات المتحدة تقف في دور العاجز عن مجاراة الصين وغيرها.حيث ساهمت هذه السياسات في استعداء الصين عالمياً عندما بدأ الامريكان يحملون الصين المسؤولية الكاملة عن انتشار الفيروس عالمياً ، بالرغم من أن الصين كانت قد قضت على الفيروس، وحدت من انتشاره حتى داخل الصين، فيما فشلت الولايات المتحدة بعظمتها وتقنياتها كصاحبة أقوى اقتصاد في العالم، ومع وجود هكذا نظام صحي متخلف لديها في التعامل مع الجائحة، وكذلك فشلت ايضاً الدول الصناعية الرأسمالية الكبرى ، وأثبتت مدى الهشاشة في بنيتها الداخلية التي لم تمكنها من التصدي للجائحة كبريطانيا العظمى وغيرها من الدول الأوروبية الأخرى. وهذا إن دل على شيء يدل على أن حياة البشر هي من الأولويات الدنيا في المجتمعات الرأسمالية التي لا تقيم وزناً للبشر، بقدر الحاجة لهم ولاستغلالهم قدر المستطاع ومص دماءهم من أجل جني المزيد من الأرباح فقط. كان هذا التوظيف الأول للرأسمالية في استعداء الصين ، ثم انتقل التوظيف إلى المستوى الثاني .
 
ثانياً: ساهمت الرأسمالية في نشر ثقافة التباعد الاجتماعي والفردية بغية تفتيت المجتمعات من داخلها وابعاد افرادها عن المشاركة الحقيقية في حل المشكلات ، مما ساعد في تعميق الهوة الاجتماعية بين الفرد والمجتمع وتفردت الدولة ببسط سيطرتها على سياسات الدولة التي أصبحت تتحكم  بها بكل حرية من دون حسيب أو رقيب، بحيث اصبح الفرد على الهامش ، وبذلك اتسعت الهوة بين الفرد ودوره الفاعل في  العملية التنموية ودوره في المجتمع.  كما ساهمت هذه الثقافة في إعطاء الدولة الحق في الانقضاض على كافة مكتسبات الشعب وتوظيفها لصالحا بكل يسر وسهولة وذلك لانشغال البشر والهيئات والمنظمات في  أمور الجائحة والوباء وما يثار حولهم من التصريحات والإجراءات، ورافق ذلك الكثير من التخبط الشديد والمربك لمنظمة الصحه العالمية في التعامل مع الجائحة وقراراتها المضطربة والمتضاربة ، وكذلك ساهم التدخل السافر للإدارة الامريكية وإملاءاتها المستمرة على منظمة الصحة العالمية التي بدت وكأنها منظمة تابعة للخارجية الامريكية ، عداك عن الكثير من التصريحات المستفزة وغير المتزنة للرئيس السابق ترامب تجاه الجائحة وإطلاق الاتهامات ضد الصين والفيروس الذي اسماه بالصيني والقاء اللوم على الغير بدلاً من العمل مع المجتمع الدولي لمواجهة ويلات الوباء، في حين كانت بلاده تغرق من هول عدد الإصابات اليومية،  هذا عداك عن بعض الفضائح في محاولات تسويق بعض الادوية عنوة لعلاج الفيروس وذلك لإن الرئيس ترامب كان له مصلحة مباشرة في هذا الدواء.  
 
ثالثاً: لقد تنصلت الدول الرأسمالية من مسؤولياتها المباشرة تجاه الوباءات بتقصيرها في مد يد العون للمواطن البسيط وتركته عرضة لانتهاكات شركات التأمين التي أصبحت العراب  المباشر في احتكار إعطاء العلاجات اللازمة للمرضى والمحتاجين ، بل وتركت الغالبية العظمى من كبار السن ليواجهوا حقيقة  ضعف اجسامهم وعدم جدوى علاجهم مما أدى إلى موت العديدين تحت حجة كبر السن، وتم الترويج لهذا المرض بأنه فتاك لكبار السن وهذه حقيقة وذلك لإن كبار السن  لديهم العديد من الأمراض المزمنة بحكم الزمن، وهذا المرض يضيف مشكلة إلى جملة المشاكل الأخرى التي يعانوا منها، مما يصّعب من إمكانية نجاتهم. بل والادهى من ذلك حاولت الرأسمالية بالترويج لسياسات حصانة القطيع كنوع من الترويج للداروينية الاجتماعية وترك هؤلاء الناس وخاصة من كبار السن هم عرضة للموت المحقق وكأنه أنتخاب طبيعي على غرار الانتخاب الطبيعي لداروين. فعملية الانتخاب الطبيعي لدى داروين تُفسر بأنها عملية تحدث في الكون وبواسطتها تبقى الكائنات الحية والنباتات الأكثر تكيفاً مع بيائتها على قيد الحياة ، وهي ما يطلق عليها البقاء للأفضل ،هذا يبقى في الطبيعة. لكنه لا ينطبق على البشر إذا ما تلقوا العلاج المباشر الذي من الممكن أن يجنبهم الموت المحقق. هذا النهج الجديد الذي سعت إليه الرأسمالية ما هو إلا بداية لفلسفة جديدة قد تمارسها ضد البشر وذلك مع التطور الهاائل في العلوم الذي يتجه بإتجاه تطوير عمل الأله والروبوتات ليحلوا محل البشر ، وبهذه فإعادة إحياء هذه النظريات من الداروينية الاجتماعية والدعوة إلى المالتوسية الجديدة من شأنها ان تقلل من أهمية البشر، وبل ستعمل على القضاء على سكان الكوكب لتقليل عدد البشر غير المنتجين وذلك لصالح المزيد من الربحية.    
 
رابعاً :  أما القضية الأكثر إيلاماً هي توظيف احتكارات الادوية وحرب اللقاحات في الحرب التجارية الامريكية ضد الصين وروسيا وبعض الدول الأخرى التي تقف في الموقف المعادي للولايات المتحدة ككوبا مثلاً، هذه الدولة الصغيرة التي ترزح تحت الحصار الاقتصادي من قِبل الولايات المتحدة منذ ما يزيد عن الخمسين عاماً وتتمتع بإحسن نظام رعاية صحية في العالم وذلك بإعتراف منظمة الصحة العالمية، وكان لها السبق في إنتاج لقاحين لعلاج الكورونا ولم يروا النور خارج كوبا بفضل حرب اللقاحات والحصار. لقد بادرت الدول الرأسمالية الكبرى وشركات الأدوية الاحتكارية وعلى مستوى العالم في العمل بشكل دؤؤب على إنتاج لقاح للكورونا ودخلت في سباق محمومِ مع الزمن من أجل السبق في إنتاج هذا اللقاح ، مع العلم أن التجارب المخبرية التي عهدناها في انتاج أي نوع من اللقاحات يستغرق العمل بها مخبرياً لمدة قد تصل السنتين لحين التوصل إلى الصيغة الكيميائية والعلمية المناسبة وبعد إجراء العديد والمزيد من التجارب. أما في موضوع الكورونا ومع السباق المحموم لكبرى شركات الأدوية الاحتكارية في العالم سواءً الامريكية أو الأوروبية،  فقد كان السبق للصين وروسيا  وكوبا في إنتاج لقاح ال Sputnik , و ال Sinopharm  ، واللقاح الكوبي Soberana 02  واللقاح الثاني  الذي  أسمته Abdullah حيث استمدت هذا الاسم من اشهر المسرحيات الشعرية التي كتبها خوسيه خوليان مارتي البطل الوطني الكوبي الذي عُرف بحبه للعرب وجعل من شاب مصري بطل لإحدى مسرحياته الشعرية واسمه عبدالله، هذا اللقاح يقي بنسبة تصل إلى 92,28  بالمئة أي لا يقل عن مستوى أي لقاح يسوق له الغرب الذي تأخر وأمريكا في إنتاج لقاحهم ال Pfizer   و ال Astra Zeneca و Moderna وغيرهم. بعد أن تمكن الامريكان والغرب من إنتاج اللقاحات الخاصة بهم ، بدأت هنا عملية التوظيف الكبرى من قِبل الشركات والدول من أجل تسويق منتجاتها والحصول على عقود أكثر لجني الملايين ، وهنا بالتحديد بدأ التوظيف الرأسمالي في حرب اللقاحات بضغط من حكومة الولايات المتحدة على منظمة الصحة العالمية والدول التي تدور بفلكها وإرغامهم على شراء المنتوجات الأمريكية بالتهديد والوعيد ، كما ضغطت على العديد من الدول بغية عدم الاعتراف باللقاحات الصينية والروسية وذلك من أجل تسويق اللقاحات الامريكية من منطلق حقها في السيادة العالمية على البشرية، مع العلم بإنه لا يوجد أي شركة منفردة في العالم قادرة على تطعيم سكان الكوكب وبفترة وجيزة للحد من الجائحة وويلاتها. فالمسألة لم تكن إنسانية على الإطلاق، ولم يكتفوا بذلك بل وفرضوا شروطاً على السفر وتم إرغام العديد من الدول الأوروبية والتابعة في الاعتراف بلقاحات معينة وتحديداً اللقاحات الامريكية ، وعداها فالشخص الذي تلقى أي مطعوم آخر ، يجب أن يعامل وكأنه غير مطعم ويخضع لإجراءات العزل المكلفة ، وهذا بحد ذاته فيه الكثير من السياسات العنصرية تجاه البشر وحريتهم في التنقل والعيش الكريم وحق اختيار ما هو مناسب لهم ولظروفهم. لقد فرضت الولايات المتحدة ارادتها في كل ذلك وأكثر على العديد من الدول ومن دون أي مبرر أخلاقي. مع العلم أن صحة البشر وتطعيمهم لوقايتهم من الوباء وحمايتهم وعلاجهم يجب أن تكون في قمة الأولويات لكافة دول العالم، وليس حرب اللقاحات. بل يجب أن تسعى الحكومات على تأمين اللقاحات الكافية لحماية البشر بغض النظر عن نوعية اللقاح حتى يتسنى لها الحد من الانتشار المزعج للفيروس وسلالاته المتطورة التي تقض مضجع كافة البشر على وجه هذه البسيطة وترعب البشر وبشكل يومي. بحيث اصبحنا لا نتكلم إلا عن المرض ونحزن لكثرة المأسي التي تحيط بنا جراء هذا المرض ونعزي المكلومين كحدث يومي. وهذا يثبت لنا مرة أخرى أن حياة البشر ورفاههم هو أخر هموم الرأسمالية الدولية التي تسعى إلى تحقيق المزيد من الأرباح  وبأي وسيلة كانت ضاربة بعرض الحائط كافة المعايير الأخلاقية والاجتماعية وغيرها. 
 
إن حرب اللقاحات  التي وظفتها السياسات الأمريكية في حربها التجارية مع الصين بغية تحقيق المكتسبات في هذه الحرب التجارية والتقنية الهامة لتسجيل  نقطة ضد الصين، لم تكن ناجحة بتاتاً ،، بل جاءت النتيجة محسومة لغاية الآن لصالح الصين التي لم يتأثر كثيراً اقتصادها ، بل شاهد نمواً تدريجياً ، بل و كان قادراً أن يتعدى الجائحة ويعمل بشكل فعّال وبكفاءة عالية لفت  اليه الانتباه . في حين عانى الاقتصاد الأمريكي والغربي عموماً من الجائحة ولا زال يعاني.
 
من هنا نستنتج بإن مسألة التوظيف الأيديولوجي للرأسمالية في الصراع العالمي بين قوى الخير والشر بين حكومات تللك البلدان وشعوبها وشعوب العالم لا تقتصر على الكورونا فحسب ، بل قد تتعداها إلى الكثير من المسائل المتعلقة بمستقبلها وجشعها وطمعها في السيطرة على كافة مناحي الحياة المختلفة على مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، فطالما أن الصراع محتدم بين الأقطاب الرأسمالية في العالم على النفوذ والنفط  و الطاقة والطاقة البديلة  و العلوم ، والممرات المائية ،والسلاح والتجارة والصناعة وتكنولوجيا الفضاء وغيرها من المجالات المختلفة، فلا عجب أن نرى المزيد من التوظيفات المختلفة من أجل المصالح الحيوية لتلك البلدان الأمبريالية، في تكريس هيمنتها على حساب البشر والتخلص من الجزء الكبير الذي قد يكون عالة على المجتمع الرأسمالي من كبار السن والعجزة بعد تقاعدهم ، أو من يمكن الاستغناء عنهم لصالح العمل الآلي والروبوتات. من هنا فإن الخوف يتزايد يوماً بعد يوم بإن مسألة الكورونا ما هي إلا بالون اختبار لما هو قادم واعظم من ويلات وكوارث وجائحات أخرى ربما وغيرها.