عاجل

الحكومة تلغي قرار من أمر الدفاع.. ولرئيس الوزراء تعديل البلاغ

تراجيديا حيزية: ماتَتْ أمْ قُتِلَتْ؟...واسيني الأعرج


كلما ذُكر اسم حيزية (1855-1878) في الثقافة الشعبية الجزائرية والمغاربية، طرح سؤال الأسطورة المركزي: لماذا ظلت حياتها الخاصة سرّاً مغلقاً، مع أن قضتها العشقية الرسمية يعرفها القاصي والداني، هل هناك يد رتبتها لتصبح مقبولة في ظل نظام قبلي وعروشي شرس؟ بعد مرور قرن ونصف على قصتها التراجيدية، ما تزال العقلية المتحجرة هي المتحكم في كل شيء؟ فقد تلونت قصة حيزية كثيراً عبر الأزمنة والرواة. وقد قيل الكثير عنها وبشكل متناقض. اكتشفت وأنا أقتفي خطاها ورحلتها مع قبيلتها، أشياء غريبة تحتاج اليوم إلى إعادة قراءة، ومنها فكرة الحب العذري في شعر ابن قيطون، الذي خلدها في قصيدته الشعبية المعروفة: حيزية التي مطلعها:
عزوني يا ملاح في رايس الملاح
سكنت تحت اللحود ناري مقدية (مشتعلة)
ودونها وحافظ عليها في نهاية القرن التاسع عشر الباحث الفرنسي والعسكري، سونيك ((Sonneck الذي اهتم بالثقافات الشعبية ودونها ونشرها في الجريدة الآسيوية le journal Asiatique، (شهرا يناير / كانون الثاني وفبراير / شباط 1899) لم يكن ذلك الحب عذرياً الذي يحرم لقاء الجسدين. وعلى الرغم من إصرار الكثير من النقاد على هذه العذرية إلا أن قراءة القصيدة قراءة لغوية تكشف لنا خطأ التوصيف النقدي. فقد كان حباً طبيعياً امتزج فيه الجسد بالروح في كلية جعلت بالشاعر يسمو بالتجربة عالياً دون أن يحرمها حقها الطبيعي. الأعراف والنظام القبلي كانا يمنعان أي اتصال ظاهرياً، لكنه كان يتم سرياً. وحينما نستنطق قصيدة ابن قيطون سنجد أن اللقاءات بين العاشقين كانت موجودة. ومن يقرأ القصيدة بقليل من التمعن والتبصر، سيكتشف ذلك بلا تعب كبير. أضع بين أيدي زملائي من الجامعيين هذه الأبيات التي كثيراً ما حذفت من القصيدة، ولولا تدوين سونيك لذهبت مع الريح.
صدرك مثل الرخـــــــام فيه اثنين تـــــوام، من تفـــــــــاح السقام، مسوه يديـا
بيدي درت الوشــام، في صدر أم حــزام، مختـم تختام في زنود طــــوايــــــــا
ازرق عنق الحمام، ما فيهشي تلــــــطام، مقدود بــــلا قلام، من شغل يديـــــــا
درتــــه بين النهود، نــــزلتـــــه مقــدود، فوق سرار الزنود، حطيت سمــايــــا
أغلب الذين أنشدوا القصيدة غنائياً، قديماً وحديثاً: خليفي أحمد، عمر البار، الشيخ عبابسة، درياسة، ونعيمة وفلة عبابسة، الشاب جلال، الشاب فيصل عيشة، وغيرهم، كلهم نزعوا هذه المقاطع، أو حوروها باستثناء خليفي أحمد، لأنه كان مرافقاً لخاله المداح الحاج بن خليفة وتتلمذ عليه، وسجل أغنية حيزية في 1933 في تونس، ولم ينقص منها أي بيت. المغني الصحراوي خليفي أحمد سار في النهج نفسه، وغناها كاملة في باريس، في الأولمبيا Olympia أمام جمهور مكون أساساً من المغتربين المغاربيين. لهذا وجب إخراج حيزية من النظم الأخلاقية التي قد تقتل الشخصية ولا تدفع بالمخيال الأدبي المرتكز على التاريخ نسبياً، إلى أقاصيه. الكثير من الأكاديميين (باستثناء أسماء قليلة) أفسدوا ليس القصيدة وحدها، لكن أيضاً قراءتها، إذ فرضوا نظاماً تأويلياً مسبقاً بأفق أخلاقي، وصنعوه كقناة أحادية للقراءة.
الفرق بين الروائي والمؤرخ يتجلى هنا بوضوح. في حين أن المؤرخ، يغرق في الفرضيات والعموميات واستعادة ما قيل واجتراره بشكل مكرور، ويأتي الناقد فيأخذه بنفس منظور التقديس مشيعاً معرفة غير صحيحة، نجد الروائي، على العكس من ذلك كله، يبحث في المادة المدفونة من قرون، مستخرجاً التفاصيل الصغيرة غير الظاهرة للعيان، بل كثيراً ما يقوم بقوم بعمل تفكيكي للمؤسسة القبلية التقليدية بهدف فهمها، دون إهمال حتى للتفاصيل الصغيرة. نحن مثلاً نعرف اسم والد حيزية كما هو مدون على الشاهدة: أحمد بلباي أو ابن الباي، لكننا لا نعرف شيئاً عن اسم أمها؟ النظام القبلي يرفض إشاعة اسم المرأة خارج العائلة. سألت أصدقائي الذين كتبوا عنها، وبحثوا في تفاصيلها، عن اسم الأم، لا أحد منهم يعرفه أو فكر في ذلك؟ حتى شاهدة حيزية، كُتبت في وقت حديث، ومن طرف شخص عارف غيور على ميراث المنطقة.
الأخطر من هذا كله، هو لغز موتها؟ المتداول هو أن موتها كان طبيعياً. مرضت، فتوفيت. وزوجها سعيّد، عندما توفيت، ركض نحو ابن قيطون وطلب منه أن يكتب له قصيدة عن زوجته المتوفاة. هناك قصة أخرى لموتها تتعلق بوالدها وسلطته القاسية، الذي فضل تزويجها بشخص من علية القوم بدل حبيبها، فماتت كمداً وحزناً. ولم يكن ابن قيطون إلا وسيطاً شعرياً بين حيزية وحبيبها أو قصتها في كتابة مرثيته (كتب ابن قيطون مرثية في الشيخ المختار، قيم زاوية الهامل)؟ لنا أن نتخيل أن يروي رجل شرقي (سعيد) قصة زوجته لرجل غريب وشاعر لا يعرف حفظ السر، كل التفاصيل الحميمية والإيروتيكية. كل هذا في نظام قبلي محافظ؟
الرأي يميل نحو محمد بن قيطون بوصفه الشاعر العاشق، ولا يمكن أن يكون سعيد الذي كان موظفاً في الإدارة الفرنسية في بسكرة (سونييك) وهو ما يضعه في موقف ضعف، للفوز بقلبها، إذ لا يمكن لفارسة مثل حيزية، داخل نظام له قيمه، أن تقبل برجل لصيق بالإدارة يهمه مستقبله وارتقاؤه بالدرجة الأولى. بينما توفرت في بن قيطون كل الصفات الإيجابية، الشعر والفرروسية وسن الرزانة (كان وقتها خمسينياً) والرحيل مع القبيلة صيفاً وشتاء، بينما لم يتحرك سعيّد من مكتبه. ولا قبر له في مقبرة الذواودة. حتى أني تخيلته مجرد قناع لابن قيطون مثلما كان سيد أحمد بن انجلي قناعاً لسيرفانتس في دون كيخوتي الذي انتقد فيه محاكم التفتيش المقدس. وله حفيد اسمه خالد بوعكاز، حي يرزق. يقول إن جده، بعد وفاة حيزية، تزوج ثلاث مرات، الأولى كان اسمها، حيزية من باتنة لكنها كانت عاقراً، ثم تزوج من قريبته باية بنت عثمان بوعكاز، ورزق منها ببنت، وبطفلين إسماعيل (والد خالد) وبلقاسم. ربما كان من الأجدى البحث عن أسباب أخرى لموت حيزية، أكثر إقناعاً روائياً وتاريخياً وأدبياً. الشاعر لا يتحدث عن مرض، لكن عن موت فجائي؟ نشم في هذا رائحة القتل. الغريب أن الموت حدث بعد العودة من الشمال، وقريباً من مقبرة الذواودة، في سيدي خالد، ولم يحدث مثلاً في بازر الصخرة في العلمة بالقرب من خالتها، حيث كانت القبيلة مصيفة هناك في رحلتي الشتاء والصيف. وكأن الأمر دبر بليل مثلاً؟ بالخصوص أن حالة الحب واللقاءات كما تقول القصيدة نفسها، أصبحت مرئية ولم تعد سراً؟ ما الذي يمنع هذه فرضية القتل من أن تقوم، في ظل نظام قبلي يشكل الشرف؟ فحجر الزاوية في تقاليده؟ وهو ما قالت به الباحثة والمناضلة الجزائرية ليلى قريش (روزلين غريش (Gresh Rosline : ربما يكون والدها قد قتلها حماية للشرف بعد أن كثر الحديث عن علاقاتها السرية، أو انتحرت يأساً بسبب إصرار والدها على تزويجها من شخص لم تكن تريده. وهي نفس فكرة الدكتور أحمد لمين، ابن المنطقة؟ وهذه الفرضية سمعتها أيضاً من الدكتور بلقاسم سعدالله، والشاعر عزالدين المناصرة، وفي مقبرة سيدي خالد حيث قبر حيزية. يجب إزالة الغطاء الأخلاقي للتمكن من الوصول إلى الحقيقة. فالكتابة رحلة في المبهم والمخيف المليء بالمزالق والمخاطر.