ضرورة معرفة وفهم الدين


الكاتب : د. عمر جعوان

 عرفنا منذ نزل الوحي على سيدنا محمد صل الله عليه وسلم ان الدين هو ما جاء به جبريل عليه السلام من عند الله جل وعلا ، ومعظمنا فهم الدين وطبقه بعد ان عرفة وفهمه ، ذلك لان التطبيق لا يكون الا بالمعرفة التي هي اساس الفهم ، وقد ثبت عمليا ان المعرفة وحدها لا تكفي في الحياة تنتهي مع انتهاء الوقت ،  اما التطبيقات اللازمة في الحياة والتي يسعى اليها الناس فهي التعبير عن المعرفة وهي الفهم ، اي ان الفهم يعني التعبير عن المعرفة ، وهو الذي يرفع المقامات ويرسم خطوط التطور والارتقاء .

وبالتالي ، وحتى لا يقع المسلمون وخصوصا الدعاة منهم في منزلقات خطيرة في الحياة ، لا بد من معرفة وفهم معنى الدين لغة واصطلاحا .

فاللغة تقول بان مصطلح الدين غير مقصور على التشريع السماوي ، فقد علمنا القران وهو من اهم مصادر اللغة العربية ان هناك اديان قد يتبعها افراد من البشر، فقالت احدى ايات القران لنا نحن المسلمين في سورة أل عمران - وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ - بمعنى ان هناك الاسلام وهناك غيره من مواقع الاتباع . وقال ايضا في سورة الكافرون - لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ - وهذا خطاب للعرب ايام بعثة الرسول عليه افضل الصلاة والسلام ولمن يأتي بعدهم ايضا ، حيث كان كثير منهم من المشركين ، فسمَّى الله ما عليه مشركي العرب من الوثنية وغيرها ديناً.
 
وقد دخل العديد من غير المسلمين الى مفهوم مصطلح الدين الى الحياة من زوايا اخرى ، كقولهم بأن الدين هو الاعتراف بحقوق وواجبات الناس في الحياة اليومية كانها أوامر إلهية يجب تنفيذها بدقة على من يلتزم بها ، اي ان الدين من وجهة نظرهم هو اعتقاد بقداسة ذات معينه ، ذلك يعني انه يجب الالتزام بمجموعة السلوك التي تدل على الخضوع لتلك الذات رغبة وحبًّا له، وذلا ورهبة منه. 
وبالتالي فان ذلك المفهوم يعكس نفسه على تعريف الدين عندهم ، اذ لا بد ان يشمل الدين عبادات يتعبد الناس بها لمعبوداتهم، سواء كانت سماوية كالإسلام، أو كانت وضعية غير سماوية الأصل كالهندوكية، والبوذية، وعموم الوثنيات.
 
وبالطبع فلا بد ان يبرز هذا التعريف للدين حال العابد لحظة العبادة ، إذ لابد أن يكون العابد متلبساً بالخضوع ذلًّا وحبًّا للمعبود ، لان هدف العابد من العبادة ام ان يكون رغبة أو رهبة ، أو رغبة ورهبة معاً، لأن ذلك هو معنى تطبيق العبادة. 
 
الا ان مفهوم الدين لغة واصطلاحا عند المسلمين يختلف عن ذلك ، فمفهوم الدين اللغوي لديهم يبدأ من فهمهم للغة العربية حيث وصلهم دينهم بتلك اللغة ، وعلى ذلك فقد جاءت لفظة الدين في اللّغة العربية على عدة معاني، ومنها : 
 
المجازاة، كما في قولهم: كَمَا تَدِينُ تُدان معناها كَمَا تُجازي تُجازَى، أَيّ تُجازَى بعملك وَبِحَسْبِ مَا عَمِلْتَ، وفهم المسلمون ايضا ان ويوم الدّين هو يوم الجزاء . وياتي لفظ الدين لدى العرب ايضا بمعنى التوحيد وفي ذللك  قال الله -عز وجل-: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ). وجاء مصطلح الدين ايضا بمعنى الحساب على الافعال كما في قوله تعالى (الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) وقد يأتي بمعنى الحُكمُ، فقد قال الله -سبحانه وتعالى-: (كَذلِكَ كِدنا لِيوسُفَ ما كانَ لِيَأخُذَ أَخاهُ في دينِ المَلِكِ) ويأتي ايضا بمعنى المِلّة، فقد قال تعالى: (هُوَ الَّذي أَرسَلَ رَسولَهُ بِالهُدى وَدينِ الحَقِّ) .
 
واما المفهوم الاصطلاحي للدين خصوصا الدين الاسلامي فقد بينه العلماء بان قالوا ان الدّين هو الشّرع الإلهي المُتلقّى عن طريق الوحيّ ، وهو ما وضعه الله ، وحدد بانه الحق في المعتقد ، والخير في السلوك ، وهذا يؤدي إلى خيري الدنيا والآخرة . وهو بذلك يعني طاعة الله ورسوله ، ويتمثل بالتقوى والبر والخلق الحسن في التعامل طول العمر . 
 
وبالتالي – ولفهم مصطلح الدين – فيمكن فهم الدّين من خلال فهم المصطلح الذي يعبر عن الدين الاسلامي ، الذي حدد ان ذلك المصطلح يوضح أربعة عناصر أساسيّة وهي : 
ان مصدر الدين وهو الله -عز وجل- حيث قال الله في كتابه العزيز: (الحَمدُ لِلَّـهِ الَّذي أَنزَلَ عَلى عَبدِهِ الكِتابَ وَلَم يَجعَل لَهُ عِوَجًا). 
 
ثم الوحيّ الذي كان وساطة بين الرسول وربه اذ  قال الله تعالى : (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) . 
 
والعنصر الثالت هو ما الموحى به، وهو المنهج الذي يسير على هديه الناس أيّ القرآن الكريم، والسنّة الشريفة، قال -تعالى-: (كَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) ، فكان الجزء الاول من الاية هو ما اوحى به الله للرسول وهو القران الكريم ، اما الجزء الثاني منها فهو ما ينذر به الرسول الناس لينقل لهم وليفهمهم ما جاء به الوحي . 
 
واما العنصر الرابع من مفهوم الدين فهو الموحى إليهم ، وان ما جاء به الانبياء جاء لكل الناس ، فقال الله تعالى في ذلك (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّـهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ* وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَـكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ* صِرَاطِ اللَّـهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّـهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) 
 
واذا اتضح للانسان ان وراء كل شيء خالق ووراء كل حياة موجدها يصبح للدين ولاعتناقه اهمية كبيرة على حياة الأفراد والمجتمعات . 
 
ان الدّين ضروريّ في حياة الناس ، فهو الطّريقة التي توصلهم للحياة الواضحة والمستقيمة ، البعيدة عن الاضّطراب النفسيّ والخوف ، وحفظهم من الشّهوات والزّلات . وبالنسبة للمجتمع فاتباع الدين هو وسيلة انتشار العدل والمساواة بين مكونات الذلك المجتمع. 
 
ولذلك يلتجىء الإنسان للدين عند مواجهة هموم ومصاعب الحياة ، فالدين يبعث على الرّاحة ، والطمأنينة، والسّعادة في نفس الانسان ، فقد قال تعالى : (مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أَو أُنثى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجزِيَنَّهُم أَجرَهُم بِأَحسَنِ ما كانوا يَعمَلونَ) ، وهل يسعى الانسان لاكثر من ذلك ؟
 
ويرى معتنق الدين ان الدين دنيا واخره ، وانه سيحاسب في الاخرة على اعماله ، وان اعتناقه وتطبيقه للدين هو الطّريق التي توصلة إلى الجنّة ، كما وعد لله سبحانه وتعالى بذلك، فقال (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) . 
 
كما ان معتنق الدين الحق يُجازى في الاخرة بمرافقة من يحب في الدنيا ومرافقة أفضل خلق الله في الحياة الآخرة ، وقد وضح ذلك تعالى : (وَمَن يُطِعِ اللَّـهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَـٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقًا) . 
 
ولعل من اهم المشاعر التي ترافق الانسان عموما خلال مراحل عمره في اي موقع على سطح الارض انه يبحث دائماً عن ابتداعه وعن من اوجده وغيره على الارض وبالتالي يبحث عن خالق  يتبعه ، وهذا شّعور فطر الله سبحانه وتعالى عباده الذين هو خالقهم عليه ، وبالتالي فان اتّباع الخالق من خلال اتباع دّين يُغذّي هذا الشعور ويُرضي الانسان قطعا.
 
واخيرا فان الدين الذي يوطد علاقة الانسان بخالقه يعمق الروابط الانسانية والعلاقات الاجتماعية على نطاق الأسرة ، أو المجتمع ، أو حتى العالم ، ويُعزّز المعاني الأخلاقيّة بين الأفراد ، كالتعاون، والمساواة، والمحبة، ممّا يُعطي تأثيراً إيجابياً على مستوى الفرد، والأسرة، والمجتمع، والعالم أجمع ، وهذا موجود كله في دين الاسلام.
 
وما يدل على وجاهة ما سبق ان العالم الذي يعيش الان في اكناف ركن الصيام عند المسلمين يتحرك ويتمايل يمنة ويسره احتراما لبلايين المسلمين حوله ، وهو يعلم ان هذا العدد من الاتباع بدأ بواحد فقط قبل عدة قرون ، واتباعه في ازدياد عددي وازدياد قوة يوميا ذلك لانه قال لمن اتبعه من الناس ولمن سمع بذلك من كل الملل والنحل ( اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ) صدق الله العظيم .