داحس والغبراء نت

mainThumb

19-10-2007 12:00 AM

حرب دامت أربعين عاماً تقاسمها داحس الذكر والغبراء الأنثى وسميت وخلدت ذكرى هذه المهزلة التي حصدت أرواح الأبرياء باسميهما مع أنهما بريئان من الدماء التي أريقت. المتسببون فيها توافه البشر الذين يتواجدون في كل زمان ومكان يجعلون من الحبة قبة ويثيرون الفتن والقلاقل والمصائب.

هذه الحرب كما تذكر لنا كتب التاريخ حدثت بين قبيلتي عبس وذبيان, اللتين تراهنتا بمئة بعير في سباق على الفرسين, فتحايل صاحب الغبراء حمل بن المنذر بن بدر الذبياني على داحس الذي يعود لقيس بن زهير العبسي فنصب له كمينا أرعبه فسقط فارسه وهكذا فازت الغبراء وفارسها وعندما انكشفت الخديعة انتهى السباق لصالح داحس,ولكن النفوس المريضة أشعلوا نار الفتنه فتطاول حذيفة الذبياني على قيس العبسي فأرداه الأخير قتيلاً, فثاروا وقتلوا مالك شقيق قيس العبسي وهكذا بدأت حرب داحس والغبراء واستمرت أربعة عقود من الزمن.
وما أشبه الليلة بالبارحة معارك عبس وذبيان مازالت قائمة ولكن بوسائل حديثة. وعقليات أصحاب داحس والغبراء موجودة بين ظهرانينا لم يغيرها نور الإسلام ولم تتبدل عبر السنين الطوال.

كلما فتحت المواقع الإخبارية أو المنتديات عبر الشبكة العنكبوتية أجد معارك قديمة بتقنيات جديدة لا تبتعد كثيرا عن معركة داحس والغبراء. فلا يخلو موضوع عن دولة عربية أو موضوع ما في بعض المواقع والمنتديات الإلكترونية إلا ويشمر إخوة التراب عن أذرعتهم ويبدأون في كيل اللكمات والركلات وشد شعر بعضهم على النت , والخاصية المشتركة بينهم تعليقاتهم على مواضيع ليست ذات قيمة فكرية أو ثقافية أو سياسية.

عصبية الجاهلية الأولى تكشر عن أنيابها و تبعد عن الموضوعية ولا نجد إلا الاتهامات المتبادلة بين الأعداء الأشقاء بالتخلف والجهل...إلى آخر قائمة الشتائم التي تزيد الحقد وتشعل الفتن وتزرع الغل بالقلوب وتزيد المتنافرين نفوراً.

أصحاب نظريات المؤامرة يقولون إن مايتم نشره من أخبار و تقارير في المواقع الإخبارية كـ"العربية.نت" وغيرها من تصاريح تطلق هنا وهناك وخاصة من فنانين عرب من قبيل نحن الأفضل والأجمل , يشعل نار الفتنة ويطلق الرغبات القتالية المدفونة في العقلية العربية فنشاهد الكر والفر المتتالي فمن هجوم إلى دفاع في تعليقات القراء. ويكفي تعليق واحد ليفتح المجال للبقية لممارسة هواية الضرب تحت الحزام وتظهر عقليات عبس وذبيان القرن الواحد والعشرين.

وأبرئ هنا ساحة الإمبريالية والصهيونية العالمية بأن تكون سبباً في إشعال الفتن بين الأشقاء وإفساد ذات البين بينهم , كما أن المواقع الإلكترونية تنشر أخبارا بشقيها السلبية والإيجابية عن أي بلد ولا أعتقد أنها تدبر المكائد للإيقاع بين داحس وغبراء العصر الحاضر.

فالنفوس مهيأة للانفجار وما يجري جزء من التفريغ الانفعالي لحالات الإحباط والغضب والقهر التي يشعر بها المواطنون العرب جراء كبت الحريات وتكميم الأفواه وممارسة القمع على كل من يرفع صوته.
فإما أن يغيب العقل في الدردشات والمنتديات التي تسلب العقول وتقتل الوقت , أو يبحث عن جنازة يشبع فيها لطماً خاصة إذا كانت جنازة شقيقه في القهر والشقاء والإحباط.وإذا لم يجد هذا أو ذاك رمى عصفورا على الشجرة أو عاكس من لا حول لها في الشارع , أو صب جام غضبه على الحكومات العربية المجاورة وعمالتها لأمريكا وإسرائيل.

وما يحدث حقل واسع لمختصي العلوم الاجتماعية والنفسية لدراسة هذه المشكلة وإسعافنا بحلول تمكننا من تنقية عقول أتباع داحس والغبراء من العصبية القبلية وتهذيب سلوكيات أهل عبس وذبيان الذين يسكنون بين ظهرانينا.