القصور في التّوجيهيّ ، و الأسباب المنسيّة
في كلّ عام ترنو أبصار كثيرة ، و تهفو قلوب نحو موسم بات ثابتًا في الأردنّ ، و هو موسم إعلان نتائج الثّانويّة العامّة ، الذي نعيشه في الحول مرتين : دورة شتويّة ، و أخرى صيفيّة .
و لكن ومنذ عدة دورات صُدم المجتمع الأردنيّ من نتائج امتحانات الثّانويّة العامّة ، ومن نسبة الرّسوب العالية ، و نسبة النّجاح المتدنّية ، حتى بات المجتمع و الطّلاب الآن متعوّدين على هذه النّسب ، و قد ترحّموا على السّنوات الخوالي التي كان فيها معدّل التّسعين معدّلا طبيعيّا ، و من السّهولة الحصول عليه .
إن كان لا بدّ للمريض من بعض الألم ، و الشّعور بشيءٍ من المرارة عند حدوث تدخل جراحيّ ، أو عند تناول الدّواء ، فالشّفاء من الدّاء لابدّ له من تجرّع الدّواء ، و هذا ما حصل بالضّبط في التّوجيهيّ ، فلا بدّ لنا من النّظر بتفاؤل إلى أنّ ما يجري الآن هو عمليّة تصحيح لمسار التّعليم بشكلٍ عام ، و منه المرحلة الثّانويّة ، و بقاء الأمور على ما كانت عليه سيؤدي إلى مزيد من التّأثير السّلبيّ على التّعليم و الوطن بكلّ مؤسساته ، و هذا ما لمسناه في الأعوام السّابقة .
لن أخوض في الأسباب المعلنة لهذا التّدني في نسبة النّجاح ، و المعدّلات ، و التي تعتمد على الخطوط العريضة لسياسات التّربية ، و التّعليم ، و أساليب التّدريس ، و الخطوط العامة للمناهج ... بل سأبحث عن الأسباب التي لا يتلمّسها بشكل جادّ ، و لا يعرف مقدار تأثيرها على نتائج التوجيهي إلا من مارس مهنة التّعليم ، و عايش مراحل التّعليم بكلّ تجلّياتها ، و سأبسط لكم بعض الأسباب التي أرى أنّ لها وقعًا ، وأثرًا سلبيًّا واضحًا ، و أدّت إلى ضعف النّتائج :
1 - نسبة لا يُستهان بها من طلّاب الثّانويّة العامّة المسار الأكاديميّ ، و خاصة في الفرع الأدبيّ هم أصلًا ممن حصلوا على معدّلات في الصّفوف الثّامن ، والتّاسع ، والعاشر- و هي الصّفوف التي يعتمد عليها في اختيار تخصص الطّالب ، في المرحلة الثّانويّة - لا تؤهلهم للدراسة الأكاديميّة ، و لكن و لأسباب إنسانيّة ، مثل بعد المسافة ، و غيرها من الأسباب الحقيقية أو المدّعاة من قبل الطّلاب ، تمّ تحويل تخصصات هؤلاء الطّلاب ، من الفروع المهنيّة إلى الفروع الأكاديميّة ، وخاصة الفرع الأدبيّ ، ومثل هؤلاء الطّلاب هم في عداد المخفقين في التّوجيهي سلفًا ، بل و لهم تأثير سلبيّ عال على الطّلاب الجادّين في الدّراسة .
2 - نتائج الثّانوية العامة نتائج تراكميّة ؛ فهي في الحقيقة تعتمد على المهارات ، والمعلومات التي اكتسبها الطّالب في جميع المراحل الدّراسية ؛ فمثلًا كيف يُجيب الطّالب على أسئلة الرياضيّات إذا لم يكن يتقن عمليات الحساب الأساسيّة ؟ كانت أنظمة التّعليم تقيّد المعلم بنسبة رسوب معينة ، و عدد من مرّات الرّسوب لا يسمح بتجاوزها ، و بالتّالي فإنّ هذه التّعليمات و الانظمة تنتج طلّابًا ضعافًا هم بحكم المخفقين في الثّانويّة العامّة ، علمًا أنّ هذه التعليمات قد تمّ تغييرها هذا العام ، و أصبحت نسبة الرّسوب مفتوحة ، و نتمنى أن يكون لهذا التّغيير تأثير إيجابيّ على التّعليم بشكل عامّ .
3 - فترة الدّراسة الضئيلة التي يدرسها طلّاب الصّف الثّاني الثّانوي ( التّوجيهي ) ، حيث أنّه أصبحت - و بحكم العرف – هنالك عطلة لهؤلاء الطّلاب قبل الامتحانات المدرسيّة التّجريبية للفصلين ، و عطلة أخرى بداية الفصل الدّراسيّ الثّاني قبل إعلان نتائج امتحانات الفصل الأوّل ، و فترات الانقطاع هذه تؤدّي إلى زخم في المادّة ، وعدم إعطائها حقّها في الشّرح و التّدريس .
4 - كثير من الطلاب يسعون للحصول على شهادة الثّانويّة العامّة ؛ للحصول على الوظيفة ، و من أجل الالتحاق بالقوات المسلحة أو الأجهزة الأمنيّة ، و ربما لو كانت الأولويّة للطّلاب الحاصلين على شهادة التّلمذة المهنية للالتحاق بصفوف الجيش العربيّ و الأجهزة الأمنيّة ، و كذلك توفير وظائف لهم ، لتغيّرت أولويّة الطّلّاب ، و اتّجهوا نحو التّعليم المهنيّ ، و بهذا نكون قد اكتسبنا أيد ماهرة تقلل من نسبة البطالة ، و تقتل ثقافة العيب ، وتبني هذا البلد في مختلف الميادين .
5 - الغشّ ، الحقيقة المرّة ، و السبب الأكثر تأثيرًا وتدميرًا لنتائج الثّانويّة العامة ؛ حيث أنّه وفي مراحل سابقة أصبح الغشّ حقّا مكتسبًا ، و جزءًا لا يتجزأ من امتحان التّوجيهي ، و هذا أثّر سلبًا على الطّلّاب الضّعاف و المجتهدين ؛ فالطّالب الضّعيف أصبح يختار التعليم الأكاديميّ ؛ فهو يعتقد أنّه ضامن للنّجاح ؛ بفضل شيطان الغشّ ، أمّا الطالب المجتهد فإنه عندما يرى من لا يفتح كتابًا يحصل على معدل عالٍ ، و يحصل على مقعد دراسيّ هو في الأصل حقّ للطّالب المجتهد ، فإنّ هذا يُضعف من عزيمته ، و قد يجعله يتّجه سلبًا ، و يجاري الغشاشين في سوء السّبيل . أمّا الآن فقد تمّ ضبط امتحانات التّوجيهي من عملية مراقبة ، و منع تسريب الأسئلة ، ولذلك تدنّت نسب النّجاح ، و تدنّت معدلات الطّلاب ، و هذا أمرٌ إيجابيّ ؛ فهو يُعطي كلّ صاحب حقّ حقّه ، و يجعل من الطّلاب يجدّون في الدّراسة ، ويقضي على سلوك سلبيّ تفشّى بين الطّلاب ...
6 – هذا السّبب يعتمد على السّبب الذي سبقه ؛ فالغشّ كانت له آثار واضحة على كافة قطاعات الوطن ، و الذي بسببه أصبح هنالك كثير من الملتحقين بالوظائف العامّة من غير المؤهلين ، ومنهم عدد من المعلّمين الذين يدرّسون أبناءنا ، و يعدّونهم للمستقبل ، وبالتّالي فإنّ ضعف المعلّم يؤدّي إلى ضعف الطّالب ، و قد ظهر هذا جليّا في الامتحانات التي عقدها ديوان الخدمة المدنيّة ؛ لاختيار الموظفين من خريجي الجامعات ، و نتائجه التي لا تقلّ صدمتنا بها عن صدمتنا بنتائج التوجيهي .
هذه الأسباب تحمل في ثناياها الحلول مثل : العمل على رفع سويّة التّعليم في مراحله المختلفة ، و خفض لجوء الطلّاب إلى المراكز الثّقافيّة ؛ برفع جودة التّعليم ، و ليس عبر حلول آنيّة وشكليّة ، تعتمد على تحديد نسبة الرّسوب ، و منع تدريس مناهج التّربية في المراكز الثّقافيّة ، و من الحلول تشجيع الطّلاب ، و تحفيزهم على الالتحاق بالتّعليم المهنيّ ، و كذلك عملية اختيار المعلمين ، يجب أن توائم بين النّوع ، والكمّ ، و بناء منظومة أخلاقيّة تعتمد على الثّواب ، و العقاب ؛ لمنع الغشّ ، و بثّها في نفوس الطّلبة ، و أولياء الأمور ، منذ البدء ، من خلال الوسائل المختلفة . و هنالك حلول نوعيّة أخرى ، لا يمكن تحويلها إلى أمر واقع إلا من خلال مؤتمر تربويّ ، و جلسات عصف ذهنيّ تعتمد على دراسات ، و أوراق بحث علميّ ، تتصف بالجدّية ، و أن لا تبقى مجرد طقوس تنتج حبرًا على ورق ، و يجب أن يشارك فيها أهل الاختصاص من جميع الجهات ذات العلاقة ، و تؤخذ توصياتهم على محمل الجدّ ، و يُنظر إليها بعين الاعتبار عند رسم سياسات التّعليم .
و كما قلت بداية لابدّ للشّفاء من تحمّل ألم الجراحة ، و مرارة الدّواء .
برنامج وطني يستهدف تشغيل 8 آلاف أردني
معدل قانون المنافسة 2025 على طاولة النواب اليوم
نتنياهو يوافق على الانضمام إلى مجلس السلام
حالة الطقس في المملكة لأربعة أيام
سعر كيلو الليمون يصل إلى 90 قرشاً محلياً
مهم بشأن إدخال أسطوانات الغاز البلاستيكية إلى المملكة
إطلاق شبكة أعمال أردنية سعودية في الرياض



