بحيرات الملح

بحيرات الملح

20-04-2023 09:25 AM

أول مرة سمعت اسم «سُولت ليك سيتي» (مدينة البحيرة المالحة) كانت في عشاء مع غسان تويني وزوجته الشاعرة ناديا. قالت ناديا إن الاسم الشاعري يشبه أسماء القصائد الكبرى في الآداب، مثل «الأرض اليباب»، (تي إس إليوت)، وإن الاسم يرن في نفسها شاعرياً وأليفاً مع أنها لم تذهب يوماً إلى المدينة، ولا حتى إلى ولاية يوتاه برمّتها.
ثم تراءى لي أن الروائي عبد الرحمن منيف تأثر على الأرجح بالاسم عندما اختار «مدن الملح» عنواناً لمجموعته الشهيرة. وفجأة خرجت بحيرة الملح من الرومانسية والشاعريات ودخلت عالم المال، عندما تحدثت صحف العالم عن أن رجل الأعمال السعودي عدنان الخاشقجي اشترى أعلى برج سكني في «سولت ليك سيتي». كان الخاشقجي يومها في عز شهرته وذروة صورته، كمغامر وساحر وحامل مصباح علاء الدين. ويومها عرفت معنى الفارق بين الاسم كعنوان لقصيدة وبينه كرقم لصفقة.
عاد الاسم والبحيرة إليَّ وأنا أقرأ الآن أن بحيرة الملح مهدَّدة بالزوال، حقيقةً وشعراً. إنها يد الإنسان تعبث في انتظام الطبيعة وعبقريتها. وقد أدى ارتفاع عدد السكان وزيادة المشاريع الزراعية إلى جفاف وهبوط في مستوى البحيرة هو الأدنى في التاريخ.
فقدت البحيرة (الثامنة في العالم) 73 في المائة من مياهها بسبب المشاريع الضخمة والجفاف الذي يضرب غرب الولايات المتحدة منذ عقدين. وسُجل أخيراً انخفاض هائل في مستوى سطح البحيرة. وزال الكثير من منظر البحيرة الجميل، وحل محله مشهد الرمال اللامتناهية والطيور الميتة. أما «المارينا» التي كانت تزدحم بالمراكب والسياح، فقاحلة اليوم، والمراكب مهجورة.
وسرعة الانهيار في تزايُد. والنشاط الصناعي والتجاري ينقص. وأدى جفاف البحيرة إلى ارتفاع مستوى البحار: تتبخر مياه البحيرات وتتساقط أمطاراً في المحيط.
لاحظْ جنابك كم تغيّرت حياة البشر. كان الإنسان كائناً مفتوناً بالشعر، فأصبح مأخوذاً بالبيئة. وكنا نعتقد أن التغير المناخي ترفٌ طلع به المتفذلكون، فإذا به يؤثر في الحياة اليومية لكل واحد منا. وأصبح الاختلال في دورة الطبيعة يحمل الأضرار والأذى للجميع. تعاني تركيا وسوريا والعراق من آثار الجفاف، بينما تتساقط الثلوج في السعودية وبعض المناطق الصحراوية.
لم يكن يخطر لي يوماً أن أقرأ، فكيف أن أكتب في أمور البيئة! لا علاقة للإنسان العادي بهذه الأشياء، والفصول تتولى إدارة نفسها على ما يرام، كما فعلت من آلاف السنين. لكن تبين أن كل شيء تغير على نحو مخيف فوق الكوكب الصغير.
عندما أصدر الزميل نجيب صعب قبل ثلث قرن مجلة «البيئة» خُيّل إليّ أنه سوف يعثر على قرائه على سطح القمر. لكن مع الأيام اكتشفنا أنه أنشأ مشروعاً مستقبلياً بعيد النظر. ثم أصبح مقاله هنا، في مصاف المقالات السياسية من حيث المتابعة. بل حتى في دولة إهمالية مثل لبنان، أصبحت للبيئة وزارة، ولو أنها لم تكن أحياناً تُعطى لصاحب اختصاص، بل لرجل يضحك البلاطة.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

نقيب أصحاب المعاصر يكشف عن سعر تنكة زيت الزيتون للموسم المقبل

بالصور .. أردنيون يعبرون عن استيائهم: أوقفوا المجزرة .. ما القصة

تفاصيل وفاة طالب اليرموك الإندونيسي .. قطار يجر سيارته مئات الأمتار

فيديو "البقرة الراقصة" وتذاكر بـ425 دينارا .. ماذا كسبت العقبة من حفل عمرو دياب؟

للمرة الرابعة في 2026 .. ارتفاع مرتقب على أسعار السجائر

قضايا وأحداث تتصدر حديث الشارع الأردني .. التفاصيل

16 عاما من الانتظار .. انتهت بوفاة أماني الحجيجي

حادث مروع على شارع البترا بإربد .. فيديو وصور

مسيّرة حوثية باتجاه مكة .. الدفاعات السعودية تعترضها وتدمرها

عرض مغرٍ انتهى بخسارة أمواله .. قصة احتيال تحولت إلى كابوس .. تحذير أمني

الجيش يعلن عن منح هندسية في أمريكا .. التفاصيل والشروط

مشاجرة في إربد تنتهي بطعن لاعب الحسين إربد وشقيقه .. التفاصيل

كاميرات جديدة تراقب شوارع الأردن .. هذه المخالفات تحت الرصد

بالفيديو .. سرقة عجل من مركبة في الحصن

لماذا تُزال الأشجار من أرصفة عمّان .. الأمانة ترد على استياء الأردنيين