أم شريف: نسيج من الحكمة والبصيرة

mainThumb

21-03-2024 05:02 PM

ذات قصة، وعلى تلال قرية مليح النابضة بالحياة، عاشت امرأة قوية، امرأة تحمل على كاهلها تاريخاً من الجهاد والصبر، هي ليست مجرد امرأة، بل هي أيقونة للتضحية والصمود في وجه الصعوبات.

تربت في أحضان قرية مليح في جنوب مادبا ثم في جبل بني حميدة ثم في قرية ذيبان وعملت في وادي الهيدان ورعت الغنم هنا وهناك، كانت تنقل الحطب بين الصخور الشاهقة في جبل بني حميدة، لتضمن لأسرتها لقمة العيش. تحملت صدمات الحياة وتجاربها بكل صبر واحتساب، فعاشت أم شريف أحداثاً كثيرة، ولكنها لم تنكسر.

في أعماق كفاحها ضد مرض النسيان، ترددت هذه الأسئلة في قلوب الذين عرفوا أم شريف جيدًا: هل سيجرؤ مرض النسيان هذا على محو قوتها؟ هل سيجرؤ على تقليل بريق ذكائها الملحوظ؟ بدا الأمر غير ممكن تصديقه. كيف يمكن لأحد أن ينسى القوة الثابتة والحدة اللافتة لانتباه امرأة مثلها؟ ومع ذلك، وسط معركتها مع مرضها، لم تتسلل أي شكوك حول فقدانها قوتها وحكمتها في قلوب أحبتها.

لكن وسط هذه الحيرة، بقي شيء واحد ثابتًا، ذكريات روح أم شريف الجامحة وذكائها الحاد. إذا ما تراجعت قوة عقلها بسبب الأقدار القاسية، سيبقى إرثها من القوة والحكمة خالدًا إلى الأبد. بالنسبة لأولئك الذين عرفوها، كان من غير الممكن التفكير في أن تنقص قوتها بواسطة أي شكل من أشكال المعاناة.

وهكذا، صدحت وعدًا في قلوب عائلتها وأصدقائها: "إذا ما نسيت يا أم شريف الغالية، سنكون هنا لنتذكر بدلاً منك. قوتك، ذكاؤك، وفراستك هي محفورة في أرواحنا، شعلة إلهام لن تتلاشى. حتى في مواجهة هذا المرض العنيد، يظل إرثك شعاعًا مشعًا يهدينا خلال أصعب الأوقات".

تلك هي أم شريف، الأم الأردنية الأصيلة التي طالما بذلت كل جهدها لرعاية عائلتها وبناء مستقبل أبنائها.

كان الحنان والصبر في أم شريف سمتين أساسيتين في شخصيتها. طالما امتلكت قلبًا دافئًا ينبض بالحنان تجاه أسرتها بأكملها. لم تكن تبخل بالعناقات الدافئة والكلمات المعبّرة عن مشاعرها. كانت دائمًا موجودة لتجفف دموع الأطفال بعد يوم صعب، وتمتلك صبرًا لا يضاهى في تقبل تحديات الحياة. ساعدتها هذه الصفات في بناء علاقات قوية ومتينة مع أفراد عائلتها وجميع من عرفها ولو صدفة، حيث كانت تعلمهم كيفية التعبير عن مشاعرهم بكل حرية وثقة.

كانت أم شريف مثالًا حيًا للقوة والتحدي. واجهت الصعوبات والتحديات بوجه مرفوع وروح مقدامة. من خلال عملها الشاق في السقاية والزراعة ورعي الغنم والتربية والظروف القاسية جدا، أثبتت للجميع قدرتها على التغلب على الصعوبات بإصرار وإيمان. كانت تواجه الظروف القاسية بابتسامة، محفزة برغبتها الجامحة في توفير أفضل حياة ممكنة لعائلتها.

بالإضافة إلى قوتها، كانت أم شريف مزيجًا مدهشًا من الذكاء والحكمة. كانت تتخذ القرارات بحكمة وتفكير دقيق، مما جعلها مرجعًا لعائلتها في الاستشارات واتخاذ القرارات الهامة. كانت تمتلك ذلك القدر من الذكاء العملي الذي يجعلها تجد حلاً لأي مشكلة تواجهها.

تمتعت أم شريف بالفراسة والقدرة على فهم الناس والوضع بشكل عميق. كانت دائمًا تلاحظ التغيرات الدقيقة في سلوك أولادها وتفهم ما يدور في عقولهم. هذه الفراسة جعلتها تكون داعمة لهم في اللحظات الصعبة، حيث كانت تعرف كيف تقدم الدعم والمساعدة بدون أن تطلب.

لطالما أجادت أم شريف فن التواصل بشكل استثنائي، حيث كانت تملك القدرة على سماع أولادها بعناية وتفهم ما يرونه ويشعرون به. كانت تخصص الوقت للجلوس معهم والاستماع إلى مشاكلهم وأحلامهم دون انقطاع.

هذا التواصل الفعال ساهم في بناء ثقافة مفتوحة وصادقة داخل الأسرة، حيث كان الأولاد يشعرون بأنهم يمكنهم الحديث عن أي شيء دون خوف.

امتلكت أم شريف رؤية واضحة للمستقبل، حيث كانت تفهم أهمية توجيه أولادها نحو أهدافهم وطموحاتهم. كانت تشجعهم على تحديد أهدافهم ووضع خطط لتحقيقها، وكانت دائمًا توجههم نحو الطريق الصحيح بحكمة ومعرفة.

اتخذت أم شريف قراراتها بحكمة متناهية، حيث كانت تفكر جيدًا قبل اتخاذ أي خطوة. كانت تعتمد على خبرتها وفراستها في تقدير الوضع وتحديد الطريق الأمثل. هذه الحكمة كانت تشعر أولادها بالاطمئنان والثقة في قراراتها، مما جعلهم يثقون بها كقائدة وموجهة لهم.

لم تكن أم شريف فقط تدعم أولادها في اللحظات الصعبة، بل كانت تعرف كيف تلهمهم وتحفزهم لتحقيق الأفضل. كانت تشارك معهم قصص النجاح والتحديات التي واجهتها، مما يعزز الروح المعنوية ويزيد من إصرارهم على تحقيق أحلامهم.

هكذا كانت! ليست فقط أمًا وداعمة، بل كانت قائدة ومرشدة بفراسة فائقة، تمتلك القدرة على قيادة عائلتها نحو النجاح والسعادة.

في حين كانت قوية وذكية وفريدة الفطنة، كانت أم شريف تحتضن في قلبها لطفًا لا يُضاهى. كانت تفهم أن الحياة تتطلب توازنًا بين الصلابة واللطف، وكانت دائمًا تعمل على تعزيز هذا التوازن في تربية أولادها. لقد كانت قدوة في كيفية تحقيق التوازن بين الصرامة والمرونة، مما أثرى حياتهم بالحكمة والتوجيه.

قد يظن البعض أن حياة امرأة في الريف تكون بسيطة، ولكن حياة أم شريف كانت عبوراً صعباً من خلال التضحية والعمل الشاق. فلم تكن هي فقط أماً لأولادها، بل كانت شريكة لزوجها، أبو شريف، في كل شيء.

وبينما كانت ترعى وتعلم أولادها، طالما كانت تقول "أنا أريد من أولادي أن يكونوا عوناً لنا، وليسوا عبئا علينا." هي أم بألف أم.

واليوم، وأمامنا أم شريف، تقاتل مرضها وتصارعه مصارعة الذئب. فهي الأم التي لم تتخلى يوماً عن دورها كعمود قوي في حياة عائلتها.

في النهاية، تبقى أم شريف قصة نجاح وتضحية وحب، تذكرنا بيوم الأم وهي التي تذكرنا بأهمية الأمهات في حياتنا، فهي الروح التي تضيء دروبنا، والقلب الذي ينبض بالحب الصافي. ندعوا جميعاً لأم شريف بالشفاء العاجل، فهي تستحق كل الخير والصحة بعد أن غمرت حياتنا بالعطاء والحنان.






تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد