زينة وعز: على هامش المجزرة تبدأ الحكاية
01-05-2025 02:26 PM
في صباحٍ باهتٍ من صباحات غزة، تلك التي لا يُفرّق فيها المرء بين نهار وركام، كانت الطفلة زينة تدور بدراجتها الصغيرة في فناء بيتها، ويدها تلامس الريح التي مرّت، للمرة الأخيرة، فوق جدران لم تكن تعلم أنها في طريقها للغياب. كان أخوها عز، طفل في الخامسة من عمره، يركض بخفة نحو البيت بعدما أنهى وضوءه، حافي القدمين إلا من دفء الأم التي تنتظره على العتبة بكوب ماء وبعض الحنان.
لا شيء في وجهيهما يومها يوحي بأن الحياة ستتوقف بعد لحظات. لا خوف، لا بكاء، لا وداع. فالصواريخ لا تعلن عن نفسها، ولا تنتظر اكتمال القصص.
انفجر البيت. لا أحد يدري من أين جاء الصوت. كل ما بقي منهما، من تلك اللحظة، هو ذكرى مشوشة!
تخرج زينة من تحت الأنقاض كمن يولد من جديد، لكن هذه المرة ليس من رحم حي، بل من تراب ساخن ونار. وجهها الصغير كان مغموراً بالدماء، شعرها يتساقط، ثوبها ملتصق بجراحها، وصوتها… غائب… غائب. أما عز، فقد كان مختبئاً خلف جدار الحمّام. الحائط حماه من الانفجار، لكن لم يحمه مما رآه بعدها.
والدهما؟ لم تبقَ منه سوى أشلاء، بقايا جمجمة، وخيط من الدم ظلّ عالقاً على الحائط كصدى بعيد لوجودٍ كان أباً.
أمهما؟ طارت من مكانها، وارتطم جسدها بجدار الجيران، وفارقت الحياة بسرعة… كأنها كانت مستعدة للموت.
بعد أيام، وسط الركام، ووسط شهقات الحارات التي تنعى أبناءها، لم يبق لهما إلا الجدّ. رجلٌ عجوز، انحنى ظهره منذ سنوات، لا على كتف الزمن، بل على غصّة الفقد. لم يكن يعدّ نفسه من الأحياء، حتى حمل الحكاية على كتفيه: زينة وعز، حفيداه، وما تبقّى من اسم العائلة. لم يكن المشي سهلاً… لم يكن الهرب ممكناً… لكن النزوح صار فرضاً، ووجد الجدّ نفسه يحمل عز بيد، ويجرّ زينة بيد.
رحلة التيه
بدأت رحلة التيه. لم يكن هناك متسعٌ للحزن، فالرصاص لا يمهل القلوب، ولا يعطيها وقتاً لتدفن مشاعرها. كان من أصعب اللحظات على الجدّ، تلك الأسئلة البريئة التي تأتي كخناجر:
«أين بابا؟»
«ليش أنا ما عندي ماما مثل صديقتي؟»
«هاي كنزة بابا… ريحتها ما راحت…»
«ليش حذاء ماما مرمي هون؟ ما كانت تحبه؟»
كل سؤال كان يضيف سنة إلى ظهر الجدّ.
كل كلمة كانت تعيده إلى لحظة الانفجار، حيث لم يستطع أن ينقذ سوى رماد.
زينة، ذات السبع سنوات، لم تعد تلعب. صارت صامتة، تضع يدها على خدها، وتحكّ جلدها المحترق كمن يفتش عن نفسه تحت جلده. رسمت ذات يوم بيتاً على ورقة، لكنه كان مائلاً، بلا أبواب.
قالت للجد: ما بدي باب. ما بدي حدا يفوت ويفجرنا تاني. أما عز، فكان يتلعثم كلما حاول أن يقول كلمة «بابا»… كأنه شعر أن الحرف ثقيل، وربما محرَّم.
كان أحياناً يضع لعبة صغيرة على السرير، ويقول إنها لأخيه، رغم أنه لم يكن له أخ… ربما، اخترع له شقيقاً مات أيضاً… ليقنع نفسه أن الموت ليس انتقائياً.
تمضي الأيام على مهل حاملة على ظهرها ثقل الفقد… والطفلان يكبران بسرعة، لا من حيث الطول، إنما من قوة الغصّة. صار الجدّ يجلس وحيداً في الليل، يبكي بصمت. ليس لأن التعب هدّه، بل لأنه شعر بالعجز أمام سؤال زينة الأخير:
يعني لما أكبر، كمان رح يقصفوني؟
لم يكن لديه جواب. فهو رجل من زمنٍ مرت فيه الحروب بكل فصولها القصيرة والطويلة، حروب مسحت أثر عائلات كاملة وطردت الحياة مراراً وتكراراً من القطاع… لتعود إليه بصلابة الأهالي وإيمانهم.
هو لا يعرف كيف يعلّمها الحياة في مدينة صارت كلها موتاً.
في كل صباح، كانت زينة تمشي إلى نقطة توزيع الخبز، تسحب عز خلفها، ويجلسان هناك بين طوابير العائلات المفجوعة، وكل واحدة تحمل اسم مذبحة ما.
زينة لا تأكل كثيراً. تقول إن بطنها لا يتّسع للخبز والحزن معاً. أما عز، فما عاد يحلم أبداً.
هو يصرخ ليلاً، ويبكي إذا أُطفئ الضوء.
قال للجدّ ذات مساء: أنا خايف، صوت الصاروخ صار جوّا راسي!
الكل في غزة يعلم أن الحروب لا تقتل فقط بالأجساد، بل تحفر في العقول فجوات لا تُردم.
هذه ليست حكاية خاصة… هذه حكاية زينة… وعز… ومئات غيرهم.
في غزة، لا تنتهي المأساة عند الموت، بل تبدأ من بعده.
تبدأ حين يُطلب من الطفلة أن تصير امرأة، وهي لم تلبس بعد فستان العيد.
ويُطلب من الطفل أن يصير رجلاً، وهو لم يحفظ بعد جملة كاملة بلا بكاء.
كل ما أراده الجدّ هو أن يمنحهما وقتاً يكفي ليشفيا، لكن الزمن نفسه صار قاسياً.
وفي ليلٍ آخر من ليالي التشريد، جلس الجدّ يروي لهما حكاية من الزمن الجميل، لكنه نسي النهاية. نظرت زينة إليه، ثم قالت بهدوء: مش مهم… وبدأت بالبكاء.
وهكذا، بدأت رحلة الطفلين مع اليُتم، ليس كصفة، بل كهوية. كواقعٍ كُتب عليهما أن يعيشاه كل يوم، حتى دون أن يتذكّرا شكل أمّهما أو صوت أبيهما. زينة التي احترق قلبها وعز الذي ضاع في سؤاله الأول: ليش ما عندي بابا؟
وفي وطنٍ مثقوب بالوجع، بقي الجدّ وحده، شاهداً على جيلٍ ينمو من بين الرماد، يحاول أن يعلّمهما كيف يُحبّان الحياة… حتى لو كانت الحياة ترفاً محرماً.
كاتبة لبنانية
رئيس الوزراء اللبناني يدعو إلى دعم عربي ودولي في محادثات بلاده مع إسرائيل
سوريا .. القبض على نائب رئيس الأركان ولواء طيار بعهد النظام المخلوع
استشهاد 3 فلسطينيين وإصابة 26 آخرين بغارتين إسرائيليتين على غزة
إعلان نتائج انتخابات رابطة الكتاب الأردنيين
بورصة عمّان تسجل ارتفاعاً في التداول والمؤشر العام خلال الأسبوع الماضي
تمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل 45 يوما
الصحة العالمية تحذر من تسويق خادع لمنتجات أكياس النيكوتين
إسرائيل: استهدفنا القائد الفعلي للجناح المسلح لحركة حماس
الحرمان الشريفان يدخلان موسم الحج بجاهزية تشغيلية متكاملة
ناصر العطية يهيمن على مراحل اليوم الثاني ويتصدر رالي الأردن الدولي
السعودية تصدر دليلًا بالتعليمات والإرشادات لموسم الحج 1447هـ
واشنطن تدرس مطالبة إسرائيل بتخصيص أموال الضرائب الفلسطينية لمجلس السلام
بطولة ألمانيا: الحارس المخضرم نوير يمدد عقده مع بايرن حتى 2027
ترامب يحذر تايوان من إعلان الاستقلال بعد قمته مع نظيره الصيني
دول ومنظمات تشكر الأردن على استضافة ودعم المفاوضات اليمنية في عمّان
رفع تعرفة التكسي اعتباراً من الغد
غضب واسع في العراق بعد مقتل طفلة والاحتفال بالجريمة
نقيب الأطباء يكشف مفاجآت صادمة حول طبيب التجميل المتهم بهتك عرض أحداث
فاجعة تهز الأردنيين بالغربة بعد مقتل علي الأشقر .. التفاصيل
غموض نتائج الفحوصات يثير التساؤلات حول حادثة تسمم طلبة “اليرموك النموذجية”
طبيب تجميل شهير يواجه تهمة هتك عرض أحداث في الأردن .. تفاصيل صادمة
الكشف عن أخطر رسالة بين حماس ونصرالله صبيحة 7 أكتوبر .. ماذا تضمنت؟
للأردنيين .. غرامة تصل إلى 5 آلاف دينار لمرتكب هذه المخالفة
تطورات جديدة بقضية المتهم بهتك عرض 3 أحداث
الرمثا إلى نهائي كأس الأردن على حساب الفيصلي
الأمن العام يوضّح قضية هتك عرض أحداث من قبل أحد الأشخاص
شاب يقتل والدته في عمان .. تفاصيل
قبل أن تخطط للتنزه الجمعة .. انتبه هذه المناطق تحت تأثير رياح قوية
