القاتل الأكاديمي

 القاتل الأكاديمي

04-05-2025 02:51 PM

في كتابه الشهير "اعترافات قاتل اقتصادي"، يكشف جون بيركنز كيف خُدعَت عشرات الدول النامية بوعود النمو والازدهار، ليتم دفعها إلى الهاوية عبر أدوات ظاهرها التنمية وباطنها السيطرة والاستعباد، لكنها لا ترتدي ربطة عنق البنك الدولي، بل عباءة التعليم العالي، وتجلس على كرسي رئيس الجامعة. إنها نسخة قاتلة صامتة: القاتل الأكاديمي.

وفي بعض الدول، فإن القاتل الأكاديمي لا يدمر الجامعات بجرافات، بل بقرارات. لا يحمل سلاحًا، بل يحمل ختمًا إداريًا، يوقع به قرارات ظاهرها التطوير، وباطنها تفكيك مؤسساتنا التعليمية. هذا النموذج من رؤساء الجامعات لا يُعين لكفاءته الأكاديمية، بل لقدرته على تنفيذ أجندات غير معلنة، قد يكون هدفها ترويض المؤسسة الجامعية، أو إفراغها من مضمونها التنويري، وتحويلها إلى إدارة بيروقراطية فاقدة للروح والرسالة.

يبدأ القاتل الأكاديمي مهمته بالتدريج: أولًا، بإقصاء الكفاءات وتهميش العقول الحرة التي تشكل خطرًا على مشروعه السلطوي. ثانيًا، بفرض برامج موازية تتغذى على جيوب المواطنين دون حساب لجودتها، فيتحول التعليم إلى سلعة، والمعلّم إلى بائع ساعات تدريسية، والجامعة إلى مؤسسة ربحية بلا بوصلة فكرية. ومع الوقت، تصبح الألقاب الأكاديمية أدوات للتفاخر الفارغ بدل أن تكون رموزًا للبحث والنقد والإبداع.

ثم تأتي المرحلة الأخطر: تفكيك البحث العلمي. في ظل إدارة القاتل الأكاديمي، يتحول البحث إلى مجرد "نقاط" للترقية، وتنعدم الاستراتيجية الوطنية الداعمة للإبداع. تُلغى مشاريع الباحثين، تُقصى الدراسات الجادة، وتُرفع ميزانيات المؤتمرات الشكلية، فقط لإيهام الخارج بأن "الجامعة بخير". وهكذا، تُدفن إمكانيات التطوير الحقيقي تحت ركام الشكليات.

ولا يقف الأمر عند حد الإهمال العلمي، بل يمتد إلى قمع الحريات الأكاديمية. يتم تضييق الخناق على الحوارات، وتُفرغ المجالس الجامعية من أدوارها، ويُمارس الترهيب الإداري ضد كل من يجرؤ على رفع صوته بالنقد أو الاعتراض. يصبح الحرم الجامعي مجرد فضاء للصمت والخوف واللامبالاة، بدلاً من أن يكون منارة للنقاش الحر وصناعة الوعي.

القاتل الأكاديمي يشبه القاتل الاقتصادي في هدفه النهائي: تدمير مستقبل الدول من الداخل. فكما أن بيركنز أغرق الدول بالديون لتفقد سيادتها، يغرق القاتل الأكاديمي الجامعة في العجز والتراجع حتى تفقد استقلالها ورسالتها. والنتيجة واحدة: أجيال مشوشة، تعليم بلا مضمون، ومجتمعات بلا أدوات للنهوض.

الاعتراف بالمشكلة هو بداية الحل. وكما تجرأ بيركنز وكشف جرائم مؤسسته، فعلى كل من يعمل في الحقل الأكاديمي أن يرفض الصمت، وأن يكشف الفساد والتدمير الممنهج الذي تتعرض له جامعاتنا. فمستقبل الأوطان لا يُصنع إلا في قاعات الدرس، ومصير الشعوب يبدأ من حماية حريّة التفكير، ونزاهة المعرفة، واستقلال المؤسسة التعليمية.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

وفاة سيدة أثناء الولادة تستنفر الأجهزة الأمنية في إربد

«الجنرال» يشعل فضول الأردنيين .. هل صنعت قيود الإعلام نجومية الحسابات المجهولة؟

بعد مقتل جيمي كارني .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يصدر بيانًا رسميًا

هيفاء وهبي تصل الأردن وتشعل الاهتمام قبل حفل الليلة .. ومفاجأة تجمعها بسانت ليفانت

لماذا أثارت المادة (21) من قانون الجامعات الجدل؟ .. قراءة في مخاوف آلاف العاملين

مشروع قانون الملكية العقارية .. 15 تغييرًا قد يؤثر في كل مالك أرض بالأردن

وزير الإدارة المحلية يوجّه بالتحقيق في شبهة اختلاسات ببلدية في المفرق

إرادة ملكية بالموافقة على إجراء تعديل على حكومة حسان

القبض على مشتبه به بقتل فتاة أميركية في إيرلندا

إيران تستهدف الأردن .. والجيش يسقط صواريخ

وفاة بلوغر بعد سقوطها من الطابق الـ27 في دبي .. صورة

بعد المصادقة على حبسه .. الرياطي يفقد عضويته في النواب

أول ثمار "مجلس السلام " خمط .. ؟

قتيل واصابة بمحافظة جرش

أحكام مشددة في قضية سرقة مكتب طلال أبو غزالة .. والقضاء يحسم الملف