اضحك مع أبطال الديجتال الجدد
يقول مثل كردي: «البعيد عن ساحة المعركة يُكثر التباهي بسيفه»، ويُقال أيضاً: البطولة من خلف الشاشات أسهل ما تكون. وهذا تماماً ما يمارسه اليوم «أطفال» مواقع التواصل أو ما يمكن أن نسميهم بـ«أبطال الديجتال» الجدد. ولا نعني هنا طبعاً أبطال المسلسلات الكرتونية الشهيرة، بل أولئك الأفاقين الذين غادروا أوطانهم واستقرّوا في الخارج ينعمون بالراحة، ولم يتعرضوا يوماً لأي أذى، ويقضون وقتهم في جني أرباح المشاهدات والفيديوهات التي يسوّقونها للسذج، على قاعدة: «رزق الهبل على المساكين». هؤلاء يُمطرون أهل الداخل بفيضٍ من العنتريات والصيحات والشعارات الجوفاء، ويُغرقونهم بخطابات سياسية وأخلاقية وتحليلات وهمية، ويظهرون بمظهر الفرسان الصناديد الذين لا يُشق لهم غبار، في حين أنهم في الحقيقة مجرد مجموعة من المتاجرين بالكلمات والفيديوهات، لا يملكون سوى الفبركات والخزعبلات والترهات الإعلامية والهوبرات والفزعات الخُلبية، ولا يجيدون إلا بيع الأوهام والوعود المعسولة والضحك على ذقون العباد المسحوقين المذبوحين.
في زمن الفوضى الرقمية، لم يعد النضال موقفاً أخلاقياً نبيلاً، ولا المعارضة قناعةً تدفع ثمنها من العمر والراحة والطمأنينة، بل تحوّلت عند البعض إلى «مهنة» كاملة الأركان تدرّ أرباحاً بالدولار واليورو. عشرات الناشطين السوريين الذين يعيشون في الخارج، بعيدين آلاف الكيلومترات عن أوجاع الناس في الداخل السوري، نصّبوا أنفسهم أوصياء على الوطنية، وموزّعين رسميين لشهادات الشرف والعزة والكرامة والنقاء الثوري. ملأوا مواقع التواصل بالصخب والجعجعة والبعبعة، بالنبرات العالية والعبارات النارية، بينما حقيقتهم أنهم لا يجيدون إلا صناعة الوهم، والتغذي على الجراح، وتكديس الأرباح من وراء أزمات شعبٍ منكوب.
يطّلون يومياً من خلف الشاشات بملابس أنيقة وإضاءة احترافية، يتحدثون عن الحرية والكرامة والصمود والشرف وكأنهم قادة معارك ومهندسو انتصارات، بينما هم في الحقيقة قادة غرف مكيفة في عواصم غربية. يطالبون الفقراء والمسحوقين والمهجرين والجائعين في الداخل بالصبر والثبات والصمود والتصدي، والتمسك بالمبادئ، بينما هم أنفسهم يعيشون كل مظاهر الرفاهية، ولا يجرؤون حتى على زيارة البلاد التي يتاجرون باسمها. يطالبون الجائعين بالمستحيل، وهم يشربون نبيذ الموائد الدافئة، ويُحصون الأرباح والإعلانات المدفوعة.
أخطر ما في هؤلاء ليس نفاقهم فقط، بل تحويلهم الخطاب الوطني إلى سلعة تسويقية. يتظاهرون بأنهم يدافعون عن قضايا الشعب، لكن هدفهم الأول والأخير عدد المشاهدات والإعجابات والمشاركات. كل فيديو يُسجّل بالدولار، كل بثّ مباشر يُحتسب باليورو، وكل موقف سياسي يزداد سعره كلما ارتفع مستوى التوتر، وكلما ازداد حجم الدم. لقد تحوّل الوطن عندهم إلى محتوى، والمأساة إلى مادة إعلامية قابلة للقصّ واللصق ومن ثم البيع.
يتحدثون عن «القمع»، بينما يمارسون قمعاً من نوع آخر: من يخالف رأيهم يصبح عميلاً وخائناً، ومن ينتقدهم يتحول فجأة إلى «مرتزق»، ومن يصمت يُصنّفونه «جباناً». بهذه البساطة يصنعون لأنفسهم بطولةً زائفة، قائمة على تقسيم السوريين إلى قدّيسين وخونة، وهم بالطبع القدّيسون وحدهم في روايتهم الخاصة. لا يعترفون بالاختلاف، ولا يقبلون بوجهة نظرٍ أخرى مع أنهم يعيشون في بلاد الديمقراطية، وكأن الوطنية حكرٌ عليهم وحدهم، والوطنية والكرامة والشرف شهادةٌ لا تمنح إلا بختمهم الأزلي.
الحقيقة أبسط وأكثر قسوة: هؤلاء لا يريدون حلولاً، ولا يسعون لإنهاء المأساة، بل يحتاجون إلى نارٍ مشتعلة ليبقوا أبطالاً رقميين على الشاشات. يحتاجون إلى وطنٍ ينزف كي تستمر مشاهداتهم. يحتاجون إلى سوريين موجوعين كي تبقى قنواتهم نشطة وصفحاتهم متدفقة بالمال والدعاية السياسية. فوجود حلّ حقيقي يعني موت تجارتهم، واستقرار البلاد يعني كساد بضاعتهم وضياع مصدر رزقهم القائم على بثّ اليأس والفتنة والوطنيات الزائفة.
في مقابل هؤلاء، هناك في الداخل من يصحو كل صباح على همّ الخبز والدواء والمياه والوقود والكهرباء، من يعيش قلق الأمن والاقتصاد والمستقبل، من يدفع ثمن كل خطأ سياسي أو أمني أو اقتصادي، دون أن يكون له منبر أو شاشة أو مساحة يُسمع فيها صوته. هؤلاء هم السوريون الحقيقيون: البسطاء الذين لم يهاجروا، ولم يبيعوا مواقفهم، ولم يحوّلوا وطنهم إلى عرض مباشر على الإنترنت ومواقع التواصل. صمتهم أصدق من كل الخطب، وصبرهم أعمق من كل النداءات، ووطنيتهم لا تحتاج بريق الكاميرات.
أسوأ ما يمكن أن يصيب أي قضية عادلة هو أن يتصدرها تافهون أو يتحدث باسمها تجار تيكتوك وفيسبوك انتهازيون. هؤلاء الذين جعلوا من المأساة السورية وسيلة للشهرة والربح، لا يختلفون عن تجار الحروب الذين يبيعون السلاح والدماء، إلا أن أسلحتهم ليست بنادق، بل كاميرات وهواتف وشعارات، وأدواتهم ليست الرصاص، بل كلماتٌ مسمومة وصور مُنتقاة بعناية لتخدم رواياتهم ومصالحهم.
لقد آن الأوان ليدرك السوريون أن الوطنية لا تُقاس بعدد المتابعين، ولا النضال بعدد اللايكات، وأن الشرف لا يولد في غرف البث المباشر، بل يثبت بالمواقف الحقيقية، بالصبر في وقت الشدة، وبالصدق في زمن التضليل.
الوطن ليس فيديو، وليس ترندا، وليس وسيلة للارتزاق. الوطن وجع ومسؤولية، تضحيةٌ وثبات، ولا يتحمل عبء هذه المسؤولية إلا من عاشها فعلاً بعيداً عن وطنه، وذاب فيها، وحملها بصمت وأمانة وتحمل التبعات والمُلاحقات الأمنية والمصادرات والتهديدات وأحكاماً بالإعدام، لا من جلس على الأرائك الناعمة يستثمر من بعيد بدموع شعبٍ منكوب.
كاتب واعلامي سوري
falkasim@gmail.com
إلى لقاء قريب يا أهل العراق .. علي علوان يودّع نادي الكرمة
هجمات المستوطنين تُهجّر نحو 100 أسرة فلسطينية من الضفة خلال أسبوعين
عروض واسعة تهم كل بيت أردني .. تفاصيل
في مواجهة البرد والمنخفضات .. مبادرات خيرية تعزّز التكافل الاجتماعي
نيسان 2026 موعد المؤتمر الاستثماري الأردني الأوروبي في البحر الميت
صادرات تركيا إلى سوريا ترتفع 70% في 2025
الجيش الإسرائيلي يعلن اعتقال 14 فلسطينياً في عملية بالخليل
رئيسة وزراء اليابان تحل مجلس النواب وتدعو لانتخابات مبكرة
الدولار يتجه لأكبر خسارة أسبوعية منذ حزيران 2025
الناتو والدنمارك يتفقان على تعزيز أمن الدائرة القطبية الشمالية
القدس: الكنيست يقر قانونًا عنصريًا يستهدف خريجي الجامعات الفلسطينية
طريقة تحضير المرقوق باللحم والخضار
غرينلاند نموذج جديد لصراع الموارد والسيادة
الاعتداء على صحفي في الزرقاء والنقابة تتابع .. فيديو
الهاشمية حققت نقلة نوعية في جودة مخرجاتها
اليرموك تطلق برنامجي قروض ومساعدات مالية لطلبتها
عودة منصة إكس للعمل بعد تعطله بعدة دول
جامعة مؤتة تحدد موعد الامتحانات المؤجلة بسبب المنخفض
عائلة المهندس بني فواز تطالب بالكشف عن ظروف وفاته
أعراض لا يجب تجاهلها .. إشارات مبكرة قد تكشف عن السرطان
ما خفي من أسباب حول تراجع الموقف الأمريكي عن قرار الحرب ضد إيران
