العرب واليوم التالي لنظام الملالي

العرب واليوم التالي لنظام الملالي

25-01-2026 03:27 PM

بعد نحو خمسة عقود على أفول نظام الشاه، الذي أُطيح به حين تجاوز حدود دوره الوظيفي بوصفه شرطياً للمصالح الغربية وبالذات الأمريكية منها وحاجزاً ضد التوسع السوفيتي في الشرق الأوسط، يبدو أن عجلة التاريخ تعود لتدور من جديد، كأنها تُصرّ على استكمال دورتها بلا هوادة. فالنظام القائم اليوم في إيران، الذي وُلد في رحم المختبرات السياسة الغربية وتحديداً في نويل-لو-شاتو بفرنسا حيث كان يقيم الخميني، يقترب هو الآخر من نهاية دوره الوظيفي، بعدما بدأ بوضوح يتجاوز الخطوط الحمراء حين شرعت أذرعه المسلحة باستهداف مصالح إسرائيل والغرب بشكل عام وبعدما شرع في تأسيس قوة عسكرية لم تكن ضمن بنود التفويض المرسوم له.

لقد جرى استبدال الشاه، حين تخطّى السقوف المرسومة له أمريكياً، بنظامٍ دينيٍّ موسومٍ بـ «صُنع في فرنسا»، حُمل على أجنحة الطائرات الغربية إلى عرش طهران ليتقمّص دوراً جديداً. غير أن هذا الدور، كما تكشف الوقائع، لم يكن موجّهاً لبناء وطن أو لتجسيد تطلعات الجماهير التي ملأت الشوارع وقدّمت دماءها ثمنًا للحرية، بل صُمّم ليكون أداة لإنتاج فوضى إقليمية مستدامة، تخدم في جوهرها أجندات خارجية، وتدفع بالبلاد بعيداً عن مسارات التنمية والاستقرار.

كان «رجل الدين الجديد» — الخميني— بلا رؤية سياسية جامعة ولا كفاءة اقتصادية حقيقية؛ لأن من صنعوه وتبنوا تتويجه لم يريدوا له نجاحاً سياسياً أو اقتصادياً. لقد أرادوه مُفجِّراً للتوترات، يُشعل صراعات المنطقة، ويستنزف طاقات الأمة في حروب عبثية وطائفية لا نهاية لها.

واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، يكون النظام الذي قاده الخميني ثم خامنئي من بعده قد أنجز ما أُنيط به: الاحتواء المزدوج لأعظم قوتين في المنطقة وقتئذٍ (العراق وإيران)، وإذكاء نار الطائفية الدينية، وتصدير الخراب إلى دول المنطقة، فضلًا عن توفير الذرائع لتأسيس وانتشار قواعد «الأنكل سام» التي باتت تملأ الإقليم طولاً وعرضاً. ولكن ومع كل هذا "النجاح" الوظيفي، تصل طهران اليوم إلى مفترق طرق مصيري، ربما يكون الأكثر عسراً في تاريخها الحديث.

فالأزمات لا تأتي فرادى، بل تتقاطر كجيشٍ عرمرم يزحف على الدولة والمجتمع معاً: اقتصاد يترنّح تحت وطأة العقوبات، وتضخّم ينهش القدرة الشرائية، وعملة وطنية منهارة، وبطالة تسحق أجيال الشباب، ومظاهرات مليونية، واختراقات أمنية، وضربات عسكرية استباقية من الخصوم، وضغوط سياسية كثيفة من الولايات المتحدة وإسرائيل وغيرها، تهدف إلى كبح البرنامجين النووي والصاروخي. لم تؤدِّ هذه التحديات مجتمعة إلى إضعاف ركائز النظام والدولة الإيرانية فحسب، بل تجاوزت ذلك لتقليص نفوذ أذرعها العسكرية خارج الحدود، ودفعها إلى مربع الانكشاف الاستراتيجي.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه، والأجدر بأن يُطرح الآن في ظل التطورات الراهنة، لا يتعلق بتاريخ إيران ولا بدورها في المنطقة، لا بل يتعلق بماذا يعني انهيار هذا النظام أو خروجه من معادلة القوى؟ وماذا أعدَّ العرب لليوم التالي إذا ما سقط النظام أو أصيب بالشلل؟ التساؤل مشروع، فالعرب الذين قدَّموا العون لواشنطن لإسقاط نظام صدام حسين، لم يكن لديهم حسابٌ لليوم التالي لأنهم وضعوا كل بيضهم في سلة الولايات المتحدة التي قدمت العراق لقمة سائغة لإيران، حيث ابتُلِع العراق وتم تقطيعه أوصالاً بين مليشيات إيرانية وأخري مدعومة منها، وسط غياب عربي تام، ومازال العراقيون – والعرب– يدفعون الثمن، وقد تطول هذه المعاناة لعقود قادمة.

لا شك أن للعرب مصلحة حيوية فيما يحدث في إيران سلماً أم غير ذلك؛ فانهيار النظام ربما يعني تفكك الدولة بجغرافيتها التاريخية، وهنا لابد أن يتذكر العرب أن لهم دولة على الضفة الأخرى من الخليج العربي احتلتها إيران عام 1925 وهي دولة الأحواز العربية، ومروراً باستقرار حدودهم الشرقية في حال انزلقت البلاد إلى حرب أهلية أو "فوضى خلَّاقة!!!"، خاصة مع وجود أعراق وأقليات مهمَّشة لصالح العرق الفارسي منذ عقود.

يبقى السؤال الأشد إلحاحاً: ماذا عن العرب بعد إسقاط النظام الإيراني أو إخراجه من دائرة الفاعلين الرئيسيين؟ هل نكون على أعتاب الفردوس المفقود، أم على أبواب جحيمٍ جديد؟ في ظل التشرذم العربي وغياب المشروع القومي الجامع، وبين مشاريع إسرائيلية وتركية وأمريكية وصينية متقاطعة، قد نجد أنفسنا — بحق — كـ «المستجير من الرمضاء بالنار».

صحيح أن إيران، منذ قيام نظام الملالي، لم تتوانَ عن إيذاء العرب، غير أن المؤشرات تنذر بأن الشرق الأوسط، في حال غيابها عن معادلة القوة، سيدخل مرحلة «العربدة الصهيونية» بلا كوابح. فإطلاق يد إسرائيل في الإقليم لم يعد احتمالاً نظرياً، بل مساراً مُمهَّداً منذ سنوات يتجلى في تفكيك بعض الدول العربية الكبرى وإضعافها، كما في العراق وسوريا، والدفع نحو إيجاد كيانات طائفية هشة؛ والتخلي الأمريكي الصريح عن حل الدولتين لصالح «يهودية الدولة» و«إسرائيل الكبرى»، وهو ما تجسّد في نقل السفارة إلى القدس، والاعتراف بضم الجولان، وتصريحات بعض المسؤولين الامريكيين التي تستبدل «الضفة الغربية» بـ «يهودا والسامرة».

السؤال الذي يبقى هنا أيهما أخطر على العرب: فراغ سياسي في إيران، أم نظام جديد موالٍ للغرب؟ كلاهما مُر. فالفراغ قد يعني حروباً أهلية وانزياحاً أمنياً، تُوظَّف فيه المليشيات في حروب بالوكالة تستنزف العرب وتجعل خيوط الحل محصورة بيد واشنطن وتل أبيب. وأما النظام الجديد الموالي، فسيكون شرطياً إقليمياً آخر، ينفذ أجندة اسرائيل والغرب، ويشرع لفصل جديد من الصراع غير المباشر، تديره إسرائيل من خلف الستار.

وبذلك يبدو جلياً أن الحرب القادمة ضد إيران تعتبر فصلاً آخراً من فصول نزع الدسم من القوى المؤثرة في المنطقة لإعادة ترتيب أولويات الشرق الأوسط الجديد، بحيث تنسحب أمريكا من الواجهة المباشرة خصوصاً بعد سيطرتها على نفط فينزويلا، تاركةً الساحة مفتوحة لإسرائيل لتعربد كيفما شاءت، بينما يقف العرب مشدوهين مفككين، بلا رؤية، وبلا مشروع، وبلا مستقبل، ولكنهم كما جرت العادة يدعون أنهم أدرى.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد