أسباب الضربة الأمريكية لإيران: قراءة في ثلاثة مستويات مترابطة

أسباب الضربة الأمريكية لإيران: قراءة في ثلاثة مستويات مترابطة

30-01-2026 09:38 PM


لم تكن الضربة الأمريكية لإيران حدثًا عسكريًا منفصلًا أو ردّ فعل آنيًا، بل جاءت – أو هكذا تُقرأ مؤشراتها – كجزء من عملية أوسع لإدارة أزمة مركّبة تتقاطع فيها الحسابات الأمنية والاقتصادية والإقليمية. فالخطاب الأمريكي المعلن يضع البرنامج النووي الإيراني وتنامي القدرات الصاروخية الباليستية في صدارة المبررات، لكن القراءة الأعمق تكشف أن المسألة تتجاوز “الخطر النووي” إلى إعادة ضبط توازنات أوسع في لحظة إقليمية دقيقة.

وفق الرواية الرسمية، ترى واشنطن أن امتلاك إيران لقدرات نووية محتملة، مقرونة بترسانة صاروخية باليستية متطورة ودقيقة، يشكّل تهديدًا مباشرًا ليس فقط لحلفائها في المنطقة، بل لمنظومة الردع الدولية ككل. هذا الهدف المعلن يمنح أي تحرك عسكري غطاءً قانونيًا وسياسيًا، ويُقدَّم بوصفه إجراءً وقائيًا لمنع انتقال إيران إلى مرحلة “القدرة النووية العسكرية المحمية بالصواريخ”.

غير أن هذا الإعلان لا ينفصل عن المستوى الجيواستراتيجي العالمي، حيث يبرز مضيق هرمز بوصفه عقدة المصالح الأوسع. فالمضيق شريان حيوي للاقتصاد العالمي، وأي تصعيد مرتبط بالملف النووي أو الصاروخي قد يتحول سريعًا إلى تهديد للملاحة وإمدادات الطاقة. من هنا، تبدو التحركات الأمريكية وكأنها تسعى إلى تثبيت الخطوط الحمراء أمنيًا واقتصاديًا في آن واحد، قبل أن تتحول أدوات الردع الإيرانية إلى أوراق ابتزاز فعلي للأسواق.

وفي هذا السياق، لا يبدو توقيت الضربة – أو ما يُمهَّد له – تفصيلًا عابرًا. فالترجيحات التي تشير إلى إمكانية تنفيذها في يوم السبت، بعد إغلاق البورصات العالمية مع نهاية تداولات الجمعة، تعكس وعيًا عميقًا بتشابك الملف النووي والصاروخي مع استقرار الأسواق المالية وأسعار الطاقة. اختيار هذا التوقيت يمنح واشنطن نافذة زمنية لاحتواء الصدمة ومنع انعكاسها الفوري على الأسواق، وإدارة الرسائل السياسية بهدوء قبل عودة التداول.

على المستوى العسكري-الاستراتيجي، يُرجَّح أن تُصاغ الضربة – إن وقعت – ضمن نموذج “الردع الجراحي”. فالحديث ليس عن تدمير شامل للبرنامج النووي أو الصاروخي، بل عن استهداف محسوب لعناصر مرتبطة به، بما يعيد ضبط معادلة الردع دون دفع إيران إلى ردٍّ وجودي. تجنّب ضرب المنشآت النووية الكبرى أو القيادة العليا يترك لطهران هامش تراجع، ويُبقي الصراع تحت عتبة الانفجار الشامل.

البعد النفسي هنا أساسي: وضع إيران أمام معادلة واضحة مفادها أن امتلاك أدوات الردع الاستراتيجية لا يعني حرية استخدامها أو توسيعها دون كلفة. فالرسالة الأمريكية ليست فقط منع النووي، بل منع تحويل الصواريخ الباليستية إلى مظلة حصانة لأي تصعيد إقليمي.

إقليميًا، يتقاطع هذا المسار مع مرحلة مفصلية في ملف غزة، حيث تستعد المنطقة للانتقال إلى ما بعد تبادل الأسرى. واشنطن تريد دخول هذه المرحلة وهي ممسكة بسقف التصعيد، مانعةً تداخل الجبهات، ومُرسِلةً رسالة بأن أي محاولة لربط النووي أو الصواريخ الإيرانية بتفجير الساحات الإقليمية ستواجه بضبط مباشر من المركز لا من الأطراف.

وفي رسالتها إلى الوكلاء، توحي المقاربة الأمريكية بأن زمن الاكتفاء بضرب الأذرع قد لا يكون دائمًا، وأن امتلاك إيران لأدوات استراتيجية كبرى يجعلها مسؤولة مباشرة عن تداعيات استخدامها أو توظيفها سياسيًا.

في الخلاصة، لا تبدو الضربة – أو التلويح بها تحت عنوان النووي والصواريخ – تمهيدًا لحرب شاملة، بل إعلانًا استراتيجيًا: استعادة للمبادرة، فصل للجبهات، ومنع تحويل التفوق الصاروخي أو النووي المحتمل إلى ورقة فرض وقائع إقليمية جديدة.

ويبقى نجاح هذا النهج مرهونًا بسؤالين: هل ستتعامل طهران مع الرسالة بوصفها تحذيرًا نهائيًا أم مقدمة لاستنزاف طويل؟ وهل واشنطن مستعدة لترجمة هذا الخطاب إلى سياسة مستدامة لا مجرد ضربة استعراضية؟

بهذا المعنى، يمكن قراءة المشهد بوصفه ذروة المدرسة الأمريكية في إدارة الصراع: استخدام القوة المحدودة تحت مظلة “التهديد النووي والصاروخي”، لتحقيق أقصى أثر سياسي ونفسي، مع إبقاء الخصم في حالة حساب دائم، حيث لا تكون الضربة هي الغاية، بل أداة في معادلة أكبر لم تُحسم بعد.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد