الشائعات: تحليل في علم النفس الاجتماعي

الشائعات: تحليل في علم النفس الاجتماعي

30-01-2026 12:07 AM

تُعدّ الشائعات من الظواهر الاجتماعية القديمة التي رافقت المجتمعات البشرية عبر مختلف العصور، ولم تكن يومًا مجرد أحاديث عابرة أو ترفٍ لغوي، بل شكلت دائمًا أداة قوية في تشكيل الرأي العام، والتأثير في السلوك الفردي والجماعي، وإعادة إنتاج التصورات الاجتماعية. ومن منظور علم النفس الاجتماعي، تمثل الشائعة نمطًا خاصًا من أنماط التواصل غير الرسمي، حيث تنتقل المعلومات في ظل غياب التحقق الرسمي أو نقص اليقين، فتكتسب قوتها من التداول الاجتماعي أكثر مما تستمده من صدقيتها.
يُنظر إلى الشائعة بوصفها معلومة غير مؤكدة تنتشر بين الأفراد في سياق اجتماعي معين عندما تكون القضية المطروحة ذات أهمية عامة ويغيب عنها التفسير الواضح أو المعلومة الموثوقة. وفي مثل هذه الظروف، يسعى الأفراد إلى سد فجوة الغموض عبر تداول تفسيرات بديلة تمنحهم شعورًا مؤقتًا بالفهم والسيطرة. هذا السعي لا ينطلق دائمًا من نية التضليل، بل من حاجة نفسية واجتماعية لفهم الواقع وتفسير الأحداث المحيطة.
تلعب حالة عدم اليقين دورًا محوريًا في نشوء الشائعات وانتشارها، إذ يميل الأفراد في أوقات الأزمات والتهديدات الاجتماعية أو الصحية أو السياسية إلى البحث عن أي معلومة تساعدهم على تقليل القلق. وتزداد قابلية تصديق الشائعات كلما ارتفعت مستويات الخوف أو التوتر، حيث تؤدي الانفعالات القوية إلى إضعاف التفكير النقدي وتعزيز الاستجابات السريعة للمعلومات، حتى وإن كانت غير دقيقة.
كما تسهم العوامل الاجتماعية في تعزيز انتشار الشائعات، إذ تعتمد بدرجة كبيرة على التفاعل الجماعي والتأثير المتبادل بين الأفراد. فحين تتداول الشائعة داخل مجموعة اجتماعية معينة، تكتسب تدريجيًا شرعية نابعة من تكرارها، ويصبح قبولها شكلًا من أشكال الامتثال الاجتماعي. وقد يُفضّل الفرد تبني الشائعة ومشاركتها حفاظًا على الانسجام مع الجماعة أو تجنبًا للعزلة الاجتماعية، حتى لو راوده الشك في صحتها.
وتلعب الهوية الاجتماعية دورًا بارزًا في مضمون الشائعات واتجاهها، إذ غالبًا ما تعكس الشائعات تحيزات الجماعات وانتماءاتها الثقافية أو الأيديولوجية. فالشائعات التي تستهدف جماعات أخرى قد تؤدي إلى تعزيز الشعور بالتفوق داخل الجماعة الواحدة، لكنها في الوقت نفسه تغذي مشاعر الإقصاء والوصم الاجتماعي والانقسام. وبهذا المعنى، تصبح الشائعة أداة رمزية تُستخدم لإعادة إنتاج الحدود الاجتماعية وتعميق الفجوات بين الفئات المختلفة.
وعلى المستوى المعرفي، تعتمد الشائعات على آليات ذهنية مختصرة تُعرف بالتحيزات الإدراكية، حيث يميل الأفراد إلى تصديق المعلومات التي تتوافق مع معتقداتهم المسبقة أو تجاربهم الشخصية. كما أن المعلومات المثيرة أو الصادمة تكون أكثر قابلية للانتشار بسبب سهولة تذكرها وتأثيرها العاطفي القوي، ما يمنح الشائعة قدرة أكبر على البقاء والتداول مقارنة بالمعلومات الهادئة أو المعقدة.
وتتجاوز آثار الشائعات الجانب النفسي لتطال البنية الاجتماعية بأكملها، إذ يمكن أن تؤدي إلى إثارة الذعر الجماعي، أو تقويض الثقة بالمؤسسات، أو التأثير في القرارات الاقتصادية والسياسية. ففي أوقات الأزمات الصحية مثل انتشار الأوبئة، قد تدفع الشائعات الأفراد إلى سلوكيات ضارة أو ممارسات غير علمية، ما يعوق جهود الاستجابة الرسمية ويزيد من حجم الخسائر. كما أن الشائعات السياسية قد تضعف المشاركة الديمقراطية وتغذي الاستقطاب الحاد داخل المجتمعات.
ومع التحول الرقمي المتسارع، شهدت الشائعات تحولًا نوعيًا في سرعتها ونطاق انتشارها. فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي بيئة مثالية لتداول المعلومات غير الموثوقة على نطاق واسع وفي زمن قياسي. ولم يعد انتشار الشائعة يعتمد على التواصل المباشر فقط، بل أصبح مرتبطًا ببنية المنصات الرقمية التي تكافئ المحتوى المثير والعاطفي من خلال خوارزميات تهدف إلى زيادة التفاعل.
تسهم هذه الخوارزميات، من دون قصد مباشر، في تضخيم الشائعات عبر إبرازها لمستخدمين يشتركون في الاهتمامات أو المواقف ذاتها، مما يخلق دوائر مغلقة من التفاعل تعزز القناعات المسبقة وتحد من التعرض لوجهات نظر مخالفة. وفي هذا السياق، تزداد صعوبة تصحيح المعلومات الخاطئة، إذ قد يُنظر إلى محاولات التصحيح على أنها تهديد للهوية أو المعتقدات الجماعية.
كما أن الانتشار الواسع للحسابات الآلية والحملات المنظمة أسهم في إضفاء طابع مصطنع من المصداقية على بعض الشائعات، من خلال تكرارها المكثف وإظهارها على أنها آراء شائعة أو إجماع اجتماعي. ويؤدي ذلك إلى تضليل الأفراد بشأن حجم الدعم الحقيقي لتلك المعلومات، مما يعزز قابليتهم لتصديقها وإعادة نشرها.
في مواجهة هذه التحديات، تبرز أهمية تبني استراتيجيات متعددة المستويات للحد من انتشار الشائعات وآثارها السلبية. ويُعد تعزيز الثقافة الإعلامية والتفكير النقدي من أبرز هذه الاستراتيجيات، إذ يساعد الأفراد على تقييم مصادر المعلومات، والتمييز بين الرأي والحقيقة، والتحقق من المحتوى قبل تداوله. كما أن الشفافية وسرعة التواصل من قبل المؤسسات الرسمية تلعب دورًا أساسيًا في تقليص الفراغ المعلوماتي الذي تنمو فيه الشائعات.
كذلك، تتحمل المنصات الرقمية مسؤولية اجتماعية في تطوير آليات تحد من انتشار المعلومات المضللة، سواء من خلال توفير سياق توضيحي للمحتوى المشكوك فيه، أو تقليل انتشاره خوارزميًا، أو دعم مبادرات التحقق المستقل. غير أن هذه الجهود تظل أكثر فاعلية عندما تتكامل مع وعي مجتمعي يثمّن الدقة والمسؤولية في تداول المعلومات.
في المحصلة، تكشف دراسة الشائعات من منظور علم النفس الاجتماعي عن كونها ظاهرة معقدة تتشابك فيها العوامل النفسية والمعرفية والاجتماعية والتكنولوجية. فهي ليست مجرد نتاج للجهل أو سوء النية، بل تعبير عن حاجات إنسانية عميقة للفهم والانتماء وتقليل القلق. ومن ثم، فإن التعامل مع الشائعات لا يقتصر على تصحيح المعلومات الخاطئة، بل يتطلب بناء بيئة اجتماعية وإعلامية تعزز الثقة، وتشجع التفكير النقدي، وتدعم الحوار القائم على المعرفة والمسؤولية.

ghawanmehameen@gmail.com



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد