الناقل الوطني للمياه في الأردن: من ندرة مزمنة إلى اقتصاد مائي منتج

الناقل الوطني للمياه في الأردن: من ندرة مزمنة إلى اقتصاد مائي منتج

21-04-2026 09:40 PM

في دولة لا يتجاوز فيها نصيب الفرد من المياه 100 متر مكعب سنويًا—أي أقل بخمس مرات من خط الفقر المائي العالمي—لم يعد السؤال كيف نُدير الندرة، بل كيف نكسرها، هنا يبرز مشروع الناقل الوطني في الأردن بوصفه تحول هيكلي لا يضيف فقط 300 مليون متر مكعب سنويًا، بل يعيد صياغة معادلة الاقتصاد الوطني من القيد إلى الإمكان. نحن أمام مشروع يوازي في أثره إصلاح اقتصادي شامل، لأن الماء في اقتصاد مثل الأردن ليس قطاع، بل شرط لكل القطاعات.

على مستوى الأمن المائي الكلي، تشير التقديرات إلى أن إضافة 300 مليون م³ سترفع إجمالي الإمدادات بنحو 25–30% مقارنة بالمستويات الحالية، وتغطي قرابة 35% من الطلب الوطني بحلول 2030، هذا التحول يُترجم مباشرة إلى انخفاض فجوة العجز المائي من مستويات تتجاوز 400 مليون م³ سنوي إلى أقل من 100–150 مليون م³، ما يعني تقليص الاعتماد على الضخ الجائر من المياه الجوفية بنسبة قد تصل إلى 40%، هذه الأرقام ليست تقنية فحسب؛ إنها تعني استدامة أطول للأحواض المائية، وتقليل كلف المعالجة البيئية بالمستقبل.

من ناحية اقتصادية، يحمل المشروع أثر مضاعف (Multiplier Effect) واضح، فكل دولار يُستثمر في البنية التحتية للمياه في الدول الشحيحة يولد ما بين 2 إلى 3 دولارات من الناتج المحلي عبر القطاعات المرتبطة، وباستثمار يتجاوز 2.5 مليار دولار، يمكن تقدير الأثر الكلي على الناتج المحلي الإجمالي بنحو 5 إلى 7.5 مليار دولار خلال دورة المشروع، كما يُتوقع أن يضيف المشروع ما بين 0.7 إلى 1 نقطة مئوية للنمو السنوي خلال سنوات الإنشاء الأولى، مدفوع بالإنفاق الرأسمالي والتشغيلي.

في القطاع الصناعي، حيث تشكل كلفة المياه عامل حاسم في تنافسية الإنتاج، يُتوقع أن يؤدي استقرار الإمدادات إلى خفض كلفة الإنتاج في الصناعات كثيفة الاستخدام للمياه بنسبة تتراوح بين 5–10%، هذا الانخفاض يعزز جاذبية الأردن للصناعات التحويلية، وخاصة في قطاعات مثل الصناعات الغذائية والدوائية، وقد يرفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي من نحو 24% إلى ما يقارب 26–27% خلال عقد، مع تحسن بيئة الاستثمار.

أما في الزراعة، التي تستهلك أكثر من 50% من المياه، فإن إعادة تخصيص الموارد المائية ستسمح بتوجيه المياه المحلاة للاستخدامات الحضرية، مقابل تحرير مصادر تقليدية للزراعة، هذا قد يرفع الإنتاجية الزراعية بنسبة 15–20% في المناطق المستفيدة، ويقلل من تقلبات الإنتاج المرتبطة بالجفاف، مع إمكانية التوسع في الزراعات عالية القيمة بدل الزراعات المهدرة للمياه.

في قطاع السياحة، الذي يعتمد بشكل مباشر على استقرار الخدمات، فإن ضمان التزويد المائي المستدام يرفع القدرة الاستيعابية للفنادق والمنشآت السياحية بنسبة قد تصل إلى 10–15%، خاصة في مناطق مثل العقبة والبحر الميت، ما ينعكس بشكل ايجابي على زيادة الإيرادات السياحية التي تتجاوز حاليا 5 مليارات دولار سنويا، مع إمكانية إضافة 500–700 مليون دولار خلال سنوات التشغيل الأولى.

غير أن العامل الحاسم الذي سيحدد الكلفة الحقيقية طويلة الأمد للمشروع لا يكمن في الإنشاء أو التمويل، بل في مصدر الطاقة، فتحلية 300 مليون متر مكعب سنويا، ونقلها عبر مسافة تقارب 450 كيلومتر من العقبة إلى عمّان، يتطلبان استهلاك ضخم من الكهرباء يُقدّر بين 3 إلى 4 كيلوواط ساعة لكل متر مكعب في التحلية وحدها، إضافة إلى 1–1.5 كيلوواط ساعة لعمليات الضخ والنقل، ما يعني طلب سنوي قد يتجاوز 1.2 إلى 1.5 تيراواط ساعة—أي ما يقارب 5–7% من إجمالي استهلاك الكهرباء في الأردن.

هنا تتباين السيناريوهات الاستراتيجية: فإذا تم الاعتماد على الغاز المستورد، فإن كلفة التشغيل ستبقى رهينة لتقلبات الأسعار العالمية، ما قد يرفع كلفة المتر المكعب إلى حدود 1.3–1.6 دولار على المدى الطويل، أما إذا جرى دمج المشروع مع منظومة طاقة متجددة—وخاصة الطاقة الشمسية التي يتمتع بها الأردن بقدرة إشعاعية تتجاوز 300 يوم مشمس سنوي—فيمكن خفض كلفة الطاقة بنسبة تتراوح بين 30–40%، ما ينعكس مباشرة على تسعير المياه واستدامة الدعم الحكومي، والأهم أن تبنّي نموذج “التحلية الخضراء” قد يخفض الانبعاثات الكربونية بنحو 1 إلى 1.5 مليون طن سنويا، ويفتح الباب أمام تمويل أخضر ميسر، ليصبح المشروع منصة مزدوجة للأمنين المائي والطاقي معا.

من زاوية المالية العامة، ورغم ارتفاع كلفة المشروع، فإن نموذج التمويل المركّب (BOT) يخفف العبء المباشر على الخزينة. ومع ذلك، تبقى كلفة إنتاج المتر المكعب من المياه المحلاة تحدي، لكن عند مقارنتها بكلفة الانقطاع، أو استنزاف المياه الجوفية، أو تعطّل القطاعات الإنتاجية، يتضح أن العائد الاقتصادي غير المباشر يفوق الكلفة بكثير، وأن دعم المياه يتحول بشكل عملي إلى استثمار في النمو.

في سوق العمل، تشير التقديرات إلى خلق أكثر من 8,000 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة خلال مراحل الإنشاء والتشغيل، لكن الأثر الأعمق يكمن في الوظائف غير المباشرة الناتجة عن توسع القطاعات المرتبطة، والتي قد تضاعف هذا الرقم خلال عقد، خاصة في مجالات الهندسة، والطاقة، والخدمات اللوجستية.

من ناحية استثمارية، يرسل المشروع إشارة ثقة قوية للأسواق الدولية، فتنفيذ مشروع بهذا الحجم وبشراكات مع شركات عالمية ومؤسسات تمويل دولية يعزز جاذبية الاستثمار، ويخفض علاوة المخاطر بشكل تدريجي، ما قد ينعكس في زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة تُقدّر بين 5–10% في القطاعات المرتبطة بالبنية التحتية.

ومن ناحية اقليمية، يضع المشروع الأردن في موقع متقدم كنموذج لدول تعاني شح المياه، مستفيد من موقعه على البحر الأحمر، ومقدم تجربة متكاملة تجمع بين التحلية والنقل طويل المسافة، وهي من أكثر النماذج تعقيد وتأثيرًا في المنطقة.

في النهاية، لا يمكن قراءة الناقل الوطني بلغة الأمتار المكعبة فقط، بل بلغة المؤشرات الكلية: نمو أعلى، وعجز أقل، وإنتاجية أكبر، ومخاطر أدنى، إنه مشروع يعيد تسعير الماء في الاقتصاد الأردني—لا كسلعة نادرة تُستهلك بحذر، بل كأصل استراتيجي يُستثمر بذكاء. وفي هذا التحول، يكمن المعنى الأعمق: أن الأردن لا يبحث عن الماء فقط، بل يعيد تعريف مستقبله من خلاله—بماءٍ يُضخ، وطاقةٍ تُحسن اختياره، وسيادةٍ تُبنى بهدوء ولكن بثبات.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد