التربية والتعليم بين الأمس واليوم

 التربية والتعليم بين الأمس واليوم

02-06-2026 04:14 PM

ليس من السهل الحديث عن التعليم دون أن نستحضر صورة المعلم في الذاكرة المجتمعية، فهو الشخصية التي ارتبطت عبر الزمن بالتربية قبل التعليم، وبالقيم قبل المناهج، لطالما كانت المدرسة شريكًا أساسيًا للأسرة في بناء شخصية الأبناء وكان المعلم يحظى بمكانة اجتماعية رفيعة جعلت الأهالي يمنحونه ثقة كبيرة لا تتزعزع.
في مراحل سابقة من تاريخنا الاجتماعي كانت العلاقة بين الأسرة والمدرسة تقوم على قدر كبير من الثقة بدور المعلم، حتى إن بعض العبارات الشعبية التي كانت تُتداول في ذلك الوقت تعكس حجم هذه الثقة، ومنها مقولة "لك اللحم ولنا العظم". وقد أسهم هذا الانسجام في تعزيز هيبة المدرسة وترسيخ قيم الانضباط والالتزام لدى الطلبة، ورغم أن هذه العبارة لا تتوافق مع المفاهيم التربوية الحديثة إلا أنها تشير إلى واقع كان فيه المعلم يُنظر إليه كشريك أساسي للأسرة في تربية الأبناء، مرشدًا ومربيًا قبل أن يكون ناقلًا للمعرفة.
في تلك المرحلة لم تكن المدرسة مؤسسة تعليمية فحسب بل كانت امتدادًا طبيعيًا للبيت تتكامل معه في بناء السلوك وغرس القيم وتشكيل الشخصية، وكان الطالب يعيش في بيئة تربوية متجانسة لا يشعر فيها بتناقض بين ما يُطلب منه في المنزل وما يُمارس عليه في المدرسة.
ومع التحولات الاجتماعية والثقافية العميقة التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة تطورت مفاهيم التربية والتعليم تطورًا لافتًا، فبرزت اتجاهات حديثة تؤكد حقوق الطفل وتدعو إلى التعلم النشط وتعزز الحوار وتراعي الفروق الفردية وتحد من الأساليب التقليدية في الضبط التربوي. وأصبحت التربية الحديثة تنظر إلى الطالب باعتباره شريكًا فاعلًا في عملية التعلم لا مجرد متلقٍ للأوامر والتعليمات، وهذه التحولات تمثل في جوهرها تطورًا إيجابيًا في الفكر التربوي الإنساني.
غير أن الإشكال لم يكن في هذه المفاهيم بحد ذاتها بل في بعض أنماط الفهم والتطبيق التي رافقتها في الواقع التربوي، فالتربية الحديثة لا تدعو إلى إلغاء سلطة المعلم أو التقليل من مكانته وإنما تدعو إلى ممارسة هذه السلطة ضمن إطار تربوي قائم على الاحترام والحوار والعدالة، إلا أن ذلك أدى في بعض الحالات إلى إعادة تشكيل غير متوازن للعلاقة بين الأسرة والمدرسة، وأصبح كثير من المعلمين يعملون ضمن مساحة أضيق في التأثير السلوكي والتربوي في ظل حساسية اجتماعية متزايدة تجاه أي تدخل تربوي خارج حدود التعليم الأكاديمي.
وفي المقابل برزت تحديات جديدة لم تكن حاضرة بالحدة نفسها في السابق مثل تراجع الانضباط المدرسي في بعض السياقات وتزايد المشكلات السلوكية واتساع تأثير وسائل الإعلام الرقمية وارتفاع مستوى التوقعات من المدرسة دون دعم موازٍ يضمن للمعلم الأدوات والصلاحيات التربوية المناسبة. وهنا تظهر المفارقة التربوية الحادة، زيادة في المسؤوليات مقابل تقلص في مساحة التأثير.
إن استعادة التوازن في العملية التربوية لا تعني العودة إلى الماضي ولا تعني كذلك التمسك الحرفي بكل ما أنتجته التربية الحديثة، فالمطلوب اليوم ليس العودة إلى مقولة "لك اللحم ولنا العظم" بمعناها الحرفي ولا الانتقال إلى النقيض الذي يضعف دور المعلم ويقيد سلطته التربوية، بل يقوم الحل على بناء شراكة حقيقية بين الأسرة والمدرسة، يكون فيها المعلم صاحب دور تربوي واضح ومحمي مهنيًا وتكون الأسرة شريكًا داعمًا لا طرفًا متوترًا في العلاقة التربوية ويكون الطالب محورًا للعملية التعليمية ضمن بيئة تحفظ كرامته وتدعم نموه المتكامل.
التحدي الحقيقي في عصرنا لا يتمثل في اختيار الماضي أو الحاضر بل في الاستفادة من إيجابيات كل منهما، فنأخذ من الماضي احترام المعلم والثقة به ونأخذ من الحاضر الأساليب العلمية الحديثة التي تراعي احتياجات المتعلم وتبني شخصيته بصورة متكاملة، وعندها تصبح القضية الأساسية ليست في المفاضلة بين زمنين بل في كيفية تحقيق انسجام تربوي جديد يعيد للمعلم مكانته المهنية ويضمن حقوق الطالب ويعزز دور الأسرة بما يحقق الهدف الأسمى للتعليم، بناء إنسان متوازن، واعٍ، وقادر على التفاعل الإيجابي مع مجتمعه وتحديات عصره، وهذا ما عبّر عنه الفيلسوف التربوي John Dewey حين قال "ما يريده أفضل الآباء لأبنائهم يجب أن يريده المجتمع كله لجميع أطفاله."



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد