عاجل

الحكومة تصرح بشأن صلاة الجمعة والإغلاق الشامل .. تفاصيل

الكويت.. البحث عن ديمقراطية ودود!

الكاتب : محمد الرميحي

بعد ظهور نتائج الانتخابات مساء الأحد الماضي التي شكلت صورة المجلس النيابي الخامس عشر في الكويت، وبعد خلاف سياسي لم يكن حبيس الغرف المغلقة، اندلع في ديوانيات الكويت نقاش متشعب، حول ما حدث وكيفية قراءته، وحول المستقبل وكيفية توقعه. 

 

أول النقاش دار حول الخلاف على نسبة المشاركين في الانتخابات التي تمت، وهل هي نسبة متدنية، بمعنى نجاح المقاطعين، كما يرغب المقاطعون أن يروها، أم هي معقولة، بمعنى فشل المقاطعة كما يرغب الطرف الآخر من المشاركين أن يروها. كل يدلي بدلوه بهذا الاتجاه أو ذاك. 
 
الحقيقة أن من شارك في الانتخاب هو نحو 40 في المائة ممن يحق لهم التصويت، وفي الدورات الانتخابية القليلة الماضية كانت نسبة المصوتين تتراوح بين 60 في المائة أكثر قليلا أو أقل قليلا، ممن يحق لهم المشاركة. إذا أخذنا بالحساب البسيط، أن هناك شريحة من الذين يحق لهم الانتخاب كانوا دائما متغيبين، ومنهم النساء اللاتي يتم تسجيلهن حسب القانون، ولكن لا يقومن بممارسة التصويت، نخلص إلى أن حجم المقاطعة هو تقريبا 20 في المائة، وهذه النسبة يعتمد على أي موقع نت على سور النقاش تراها، فإن كنت في المعارضة، فهي نسبة كبيرة، ونصر مؤزر للمقاطعة، وإن كنت في الطرف الثاني فهي نسبة ضئيلة وهزيمة منكرة للمقاطعين. هذا التصوير هو سياسي أكثر منه واقعيا. كتلة لا بأس بها من المصوتين (من امتنع منهم ومن مارس حقه) يرى أن هناك تغييرا في المسيرة وجب اختباره، هذه الكتلة تقف اليوم لتنظر إلى أي الطرق سوف يقودها هذا التغيير، فإن نجح – بمعنى تخطى الصعاب المعروفة السابقة، فإن هذه الكتلة سوف تكبر وتؤيد، أو إن فشل، أي عادت ريمة إلى عادتها القديمة، سوف تتعاطف تلك الكتلة مع المعارضين، هذه الكتلة المرجحة هي في حالة انتظار سياسي. 
 
شخصيا لا أرى في الاختلاف على الصوت الواحد أو الأربعة أصوات أنه خلاف مبدئي عميق، هناك أكثر وأعمق من ذلك في المشهد السياسي الكويتي، هي تلك الشكوك المتبادلة بين قوى ترغب في أن توجه الكويت إلى هذا المسار أو ذاك، وهي قوى تعرف ما لا تريد، أكثر مما تعرف ما تريد، حيث إن ما عرف بالمعارضة هي قوس قزح من ائتلاف واسع بين أعضائه الكثير من الاختلاف السياسي والاجتهاد الاجتماعي. 
 
على الرغم من أن البعض يرى أن هذه النقلة التي حدثت في الكويت، بعد تقليص عدد الأصوات التي يدلي بها الناخب من أربعة إلى واحد، أمر جدير بالنظر، وربما تقود إلى الأفضل في الممارسة السياسية، إلا أنها لم تحل كل المشكلات القديمة العالقة، وربما خلقت مشكلات جديدة. من المشكلات القديمة أن عضو البرلمان (مجلس الأمة) ما زال فردا له دوافعه الخاصة والمصلحية وأيضا الانتخابية، ربما كل تلك العوامل تقرر طريقة عمله داخل البرلمان، فالأجندة هنا خاصة أكثر منها عامة، وكانت هذه الشكوى متكررة في السابق، وربما تستمر في ضوء التشكيل الجديد. فلا يمكن إيجاد توافق واسع بين هؤلاء الأفراد مختلفي المشارب والخلفيات، يمكن أن يجمعهم على برنامج تنموي، فتقع السلطة التنفيذية ضحية التجاذبات، وكثيرا ما يضحى بالوزراء وإن بدأت كفاءتهم خارج التساؤل والشك، يضحي بهم تجنبا لإثارة تفاقم الخلاف مع بعض أعضاء المجلس وليس قناعة بقصور في أعمالهم، هذا الأمر في رأي كثير من المراقبين ربما يستمر، وإن بوتيرة أقل مما سبق، إلا أنه معطل للإنتاج ومقعد للهمم. 
أما المشكلة الجديدة فهي وصول 17 نائبا من الطائفة الشيعية الكريمة في الكويت إلى مقاعد المجلس، وهي كتلة لأول مرة تصل في تمثيلها إلى هذا العدد. الليبراليون الكويتيون يقبلون تلك النسبة كونها نتاج صناديق انتخاب لا شك في نزاهتها، ونتيجة مقاطعة يراها البعض غير مبررة، وهي نتيجة يمكن التعايش معها دون ضرر، ولكن هناك من المتشددين الذين يرون تلك الكتلة كبيرة قد تتفرد بعدد من المبادرات التشريعية وتخضع لها السلطة التنفيذية المقبلة مما يشكل مخاطر – في رأى هؤلاء المتشددين – على مسيرة التشريع أيضا توازن الكتلة السكانية الأكبر. بالطبع هذه مخاوف قد تكون مبالغا فيها، وقد يستفاد منها في بعض الأوساط من أجل تخويف العامة وإثارة نعرات طائفية في المجتمع قد لا يحمد عقباها، إلا أن عدم الحديث عنها وتركها للقاءات الخاصة قد يسبب شرخا غير متحدث عنه في المجتمع لا يريد العقلاء أن يحدث. 
 
على حصافة تلك الكتلة، وما تتصف به من حذق سياسي وبعد نظر من خلال ممارسة على الأرض، يمكن تقليل تلك المخاوف، إن اتجهت إلى الخير العام متجاوزة الخير الخاص إن صح التعبير، وإن وجد المجتمع في تصرفها السياسي ما يشي ببعد النظر والاهتمام بالقضايا الوطنية قد يخفف فرص الاستفادة من البعض في تضخيم المخاوف. المشكلات القديمة والجديدة سوف تكون أول مدخل لتخفيف نتائجها السلبية القدرة على تشكيل الفريق التنفيذي المقبل (الحكومة) وهنا يرى البعض من المتشائمين أنها، أي الحكومة، ستكون محاصصة، كما هي في التجارب السابقة، وهذا يعني عدم قدرة، أو حتى عجز عن الإنجاز وتتراكم المشكلات، أو تتصف هذه الحكومة الجديدة كما يرغب المتفائلون، بمواصفات مختلفة عن سابقاتها، من حيث قدرات أفرادها والكفاءات التي يمكن أن تلتحق بها، حتى وإن كانت من لون واحد، ويكون لدى أفرادها القدرة على تدبير قضايا الناس بشكل أكثر مرونة وشفافية وتقديم إنجازات ملموسة. إن تم ذلك فإن تجاوز السلبيات يكون أقرب إلى التحقق، وبالطبع العكس صحيح. 
الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون محك اختبار غير مسبوق في الكويت؛ لأن الشرخ السياسي أيضا غير مسبوق، ومن الخطأ السياسي الفادح أن يرى البعض أن انتصارا قد حصل عليه فريق أو أن هزيمة قد ألمت بفريق. ترميم الصف الكويتي هو ما يجب العمل عليه بشيء من الصبر والأناة والتقبل، واعتبار الموضوع خلافا سياسيا، يمكن رأب صدعه لا اختلافا مجتمعيا غير قابل للالتئام.. تلك أولوية قصوى وجب النهوض بها من أجل تكريس ديمقراطية ودودة والتقليل من الثمن الاجتماعي الذي يمكن أن يدفع. 
آخر الكلام: 
 
محاصرة مبنى المحكمة الدستورية العليا في القاهرة، ومنع القضاة من أداء عملهم تصرف يثير القشعريرة في أنفس الكثير من المراقبين، وهو طريق إلى الاستبداد، حدث مثله في التاريخ، فعند ترهيب القضاء لا تعد للعدالة مكان في المجتمع. الله يستر!