المعرفة والأخلاق

المعرفة والأخلاق
الكاتب : د. ابراهيم الخلوف الملكاوي

تزداد ثقة العلم بنفسه يوماً بعد يوم، ليزداد بالتالي غروراً وصلفاً بعد ما سجله من انتصارات متعددة ومتنوعة في العديد من المجالات، فالغى حدود الزمان والمكان، واخترق الفضاء، ويقدم نبع لا ينضب من الحلول والبدائل للعديد من المشاكل، ومصادر الطاقة المتجددة، وموارد جديدة تعوض ما تم هدره من موارد طبيعية، ووسائل عدة لتوفير المزيد من الراحة والرفاهية، ولكن لم يخلُ ذلك من الآثار السلبية من جوانب عدة، اذ كان هناك تأثير سلبي على البيئة ومآسي اجتماعية وأضرار نفسية، وخواء روحي، وتكاليف أخلاقية ومادية باهضة، لانتاج معرفة يستمتع بها قلة ويحرم منها الكثير ممن قامت عليهم بعملها وتجاربها وأضرارها.

 
لعل التغلب على الآثار السلبية يكون بالمزيد من الاختراعات والابتكارات، التي لا تعتمد على الإنسان بشكل كبير ولا تستغله كما في الصناعات القديمة، فظهرت تقنية المعلومات التي لا تحتاج الى القوة العضلية، اذ أنها تقنية رهيفة تعتمد على البيانات والمعلومات والمعارف وتسمو بسموها وتتكيف مع مجتمعها عدا عن كونها ودودة مع البيئة، بل وتصلح حالها التي أفسدتها الصناعات القديمة.
 
اضافة الى ذلك هناك مجموعة من الأنظمة والقوانين الدولية والاقليمية والمحلية التي تنظم وتحكم سير العمل المعرفي ليبقى دائماً ضمن الأطر القانونية المشروعة، ومع ذلك لا يخلُ الأمر من حدوث بعض الاختراقات القانونية في بعض مجالات المعرفة، الأمر الذي يبرر أهمية القيم الأخلاقية التي تشكل الضوابط الأكثر إلزامية في اتباع السلوك المعرفي الأخلاقي والقانوني كونها تنبع من الداخل الإنساني، والأخلاقيات بشكل عام موجودة وقديمة قدم الإنسان نفسه، ولو عدنا الى البدايات، وهي بدايات المعرفة والبحث عنها نجد ان هناك ضوابط أخلاقية وقانونية لها وتطورت مع تطور المعرفة نفسها، فكان المفكرين والباحثين القدامى يدفعون الغالي والنفيس في سبيل البحث عن الحقائق للوصول الى المعرفة، فكان علماء المسلمين وغيرهم يقطعون المسافات البعيدة باستخدام وسائل النقل البدائية ويعرضون أنفسهم للخطر أثناء تنقلهم بين الأمصار للحصول على المعرفة، ما يشير الى مدى الالتزام الأخلاقي والأدبي والأمانة العلمية تجاه المعرفة والحصول عليها، ولكن ما هو حاصل الآن في عصرنا الحالي قد يكون عكس ذلك في جزء كبير منه، فالمخترع او المبتكر يسعى لذلك بالغالب من اجل الشهرة والمال، وإذا كان غير فردي يكون هدفه الاستقواء رغبة في السيطرة، فأين أخلاقيات المعرفة من هذا كله؟ 
 
فالأخلاق هي المنطلق الأساسي للتمييز بين ما هو رذيلة وما هو فضيلة، أي ما هو العمل الذي يعد فضيلة بوسائله ونتائجه، وما هو العمل الذي يعتبر رذيلة بوسائله ونتائجه او باحدهما. وقد يثور بعض من الجدل بين الحدود الفاصلة لكل منهما بين البدايات والنهايات، فلا يوجد عمل ضار مائة بالمائة ولا يوجد عمل نافع مائة بالمائة، فهي مسألة نسبية حول ما يفضله المجتمع ويجّله، وبين ما ينبذه المجتمع من تصرفات وأفعال في ظروف وأوقات معينه، وهذه هي الأخلاق النسبية التي تتأثر بالغالب بثقافة المجتمع، الأمر الذي يؤدي الى اختلاف مدلولات بعض المفاهيم القيمية من مجتمع لآخر، لكن الاخلاق هي نفسها الأخلاق في كل مكان زمان، فليست هي موقفيه او حسب الرغبة.
 
 
*خبير تخطيط استراتيجي وادارة اداء
 

آخر الأخبار

أكثر الأخبار قراءة