يوميات سالم - الحلقة 15

 يوميات سالم - الحلقة 15
الكاتب : أكرم الزعبي
لدى سالم الذي يتجاوز السبعين (بدلتين من البالة) اشتراهما بثلاثة دنانير قبل أكثر من عشر سنوات، ولديه من الأبناء سبعة.
 
سالم عصامي جداً، وقد استطاع بمساعدة إخوانه وأبيه أن يُكمل دراسته في وقتٍ عزّت فيه الدراسة، وهو يحفظ الجميل (جيّداً)، فهو يدعو لهم بظهر الغيب مرّتين كل سنة، واحدة في عيد الفطر، والثانية في عيد الأضحى.
 
لدى سالم (ما شاء الله، تبارك الله) راتب تقاعدي أقل من الخمسة آلاف دينار ببضعة دنانير، ويمتلك حوالي عشرين مخزناً (مؤجرات) بالكامل عدا عن بضعة شقق، وعدة أراضٍ لا تتجاوز قيمتها السبعة ملايين دينار.
 
(تعبي، وشقى عمري، لازم احافظ عليه) يقول سالم في نفسه كلما وضع رأسه على المخدّة للنوم، ويضيف (لازم الاولاد يتعلّموا يحافظوا ع القرش، ويكونوا عصاميين مثلي، أنا حفرت الصخر تا صار معي مصاري، إذا بفتح عليهم الحنفية بِشُرقُوهَا وبتركوني ع الحديدة)، ثمّ يذهب في نومٍ عميق على سريرٍ مهترئ.
 
حاول أحد أبنائه استفزاز عاطفة الأبوة فيه ذات يومٍ وقال له جادّاً (يابا بدّي اشتغل، واذا ما بتشتريلي تكسي اشتغل عليها والله لاشنق حالي)، فأجابه سالم بهدوءٍ شديد ودون أن يبدو على وجهه أي علامات تأثر أو انفعال (اشنق حالك).
 
يتمنّى أبناؤه لو يموت، هو يعرف ذلك جيداً من نظرات عيونهم، لكنه يعتني جيّداً بصحته، وكلما رأى تلك النظرة في عين أحدهم قال في نفسه (قاعد ع قلوبكوا يا اولاد الكلب، بدكوا تتورثوني واني حي مشان نسوانكوا تتبغدد بالمصاري ها!!، والله ما تفرحوا فيها طول ما خشمي يشم الهوا).
 
تحاول زوجته المسكينة التي (مَرمر عيشتها) مساعدة أبنائها فتقول له (اولادك محتاجين والزكاة بتجوز عليهم، اعطيهم من الزكاة)، لكنّ سالم ينهرها ويقول (المصاري اللي عندي ما بتجوز عليها الزكاة، وبكرا لا جار علينا الزمن الاولاد ما بنفعوكِ، انا بس اللي بنفعك)، ثم يقول في نفسه (كلّه العن من بعضه، كله بدّه يُهبُش بس مش على فرعون يا هامان، إذا ربنا بقول بكتابه "إنّ من أموالكم واولادكم عدوٌ لكم فاحذروهم" وانا مش بس لازم احذر من أولادي، لا، انا لازم احذر من هاي الكرنيبة كمان)، يقول ذلك ثم يمضي باتّجاه البنك.
 
زار سالم كل البنوك التي في المدينة قبل أن يضعها في البنك الذي يتعامل معه لأنه البنك الوحيد الذي أعطاه (نص بالميّة) زيادة على الفائدة المعروفة، وعندما دخل إلى البنك استقبله مدير الفرع بحفاوة بالغة لأنه من الزبائن ال (VIP).
 
(هالاستقبال مش لسواد عيوني، هذا كله مشان مصرياتي) يقول سالم في نفسه وهو يشرب قهوته في مكتب المدير ثمّ يتوجّه إليه بالقول (كم دينار نزل فايدة ع حسابي هاي السنة؟؟ )، فيقول المدير بعد أن يفتح الكمبيوتر على حساب سالم (سبعه وعشرين ألف واربعميه وسبعطعشر دينار)، (بَس؟؟) يقول سالم، ثم يضيف (اسحبلي منهم ميتين وخمسين دينار).
 
(خير ان شالله حج سالم!!) يقول المدير الذي تفاجأ وبدت على وجهه علامات الدهشة، لكنه استدرك وقال (هاي أول مرّة من خمس سنين بتسحب مصاري من عندنا، احنا متعودين عليك تُودِع مش تسحب). 
 
يبتسم سالم ابتسامة عريضة ويقول (هذول نويت اعمل فيهن عُمرة السنة إن شاء الله). 
 
#بعدين مع سالم