عن الخليج وصراعاته‎

عن الخليج وصراعاته‎
الكاتب : صابر العبادي

المتتبع لما ينشره الناشطون على صفحاتهم في مواقع التواصل، وما يصرح به بعض السياسيين، فيما يتعلق بمصير المنطقة وما هي مقبلة عليه من أحداث يفرضها الصراع الدولي عليها، لتأمين وجود آمن لإسرائيل والاستئثار بمواردها الغنية، يجد أن الضبابية تلف المشهد بكامله، فيظن الكثير أن الأطراف الظاهرة هي الأطراف الحقيقية في الصراع، وأن اسرائيل هي المحرك لإدارة ترمب، مع أن اسرائيل تنفذ ما تريده الإدارة الأميركية لقاء بعض المكاسب السياسية لأصحاب الطموح السياسي الإسرائيلي.

 
الصراع الحقيقي هو بين الدول الكبرى المتنفذة، وصراعها على الموارد في الدرجة الأولى، وإن كانت تستخدم بعض الأوراق لتستميل طرفا من الأطراف في المنطقة، كورقة الطائفية التي تتجاذبها ايران والسعودية، والصراع تحديدا بين أميركا وأوروبا، وكل طرف من هذين الطرفين يحشد معه مجموعة من الدول التي إما أن تدور في فلكها أو تخضع لها خضوعا تاما! وهذا الصراع ليس جديدا، إذ إنه بدأ بعد الحرب العالمية الثانية، بعد انتصار الحلفاء وخروج أميركا بدون غنائم مع أنها هي من أنقذ بريطانيا وفرنسا من الاحتلال الألماني، فصارت أميركا تتحرك لتأخذ بعض المكاسب من حلفائها الأوروبيين، لكن دون جدوى، نجحت في ازاحة النفوذ البريطاني والفرنسي من بعض المناطق في الشرق الأوسط، عن طريق الانقلابات، كما حدث في مصر، لكنها أخفقت في جميع البؤر الباقية، وخاصة في العراق وايران، إذ بقيت هذه الدول تدين بالولاء التام للتاج البريطاني، وكل ما أرادت أميركا تغيير النظام تفشل لعمق الولاء للانجليز هناك.. وأخيرا حاولت دخول العراق عسكريا وكان الفشل حليفها وخرجت بخسائر فادحة، وكان عدوها الأول أوروبا حليفتها المعلنة، التي تقاتل بغير جيوشها، لأن كل خيوط اللعبة بيدها، من القوميين الى بعض الاسلاميين لذلك غالبا ما تحصل على الغنيمة الباردة!.
 
الصراع الذي يحدث الآن هو بين الحلفاء المتشاكسين، والهدف العراق، وليس ايران، وإن كان المعلن الحرب على إيران، التي تدير العراق لصالح الإنجليز، فالصراع صراع اقتصادي، وايران لا تمثل شيئا ذا بال اقتصاديا بالنسبة لأميركا، لكن العراق يملك موارد هائلة من النفط، ولديه احتياط نفطي يوازي السعودية أو أكثر، وأميركا مصرة على الاستفراد به وحدها، وهي غاضبة على الأوروبيين الذين حرموها منه رغم دخولها العراق عسكريا في 2003، وهي الآن تريد أن تخاطر وتستعرض القوة، لعل المنافسين يتركون لها الغنيمة بلا قتال، ولكنهم أخبث من أن يجعلوا ترمب يفوز بها، وهذا ما كان يعنيه ترمب ب"صفقة القرن" حيث أنه يريد السيطرة على إرث الاستعمار الغربي بقوة سلاحه، لكنه أخفق في كل مكان، من اليمن الى الصين الى فنزويلا، وما زال يراوح مكانه في شمال أفريقيا، وفي جنوب شرق آسيا، إذ إن الاستعمار الغربي متجذر ويصعب اقتلاعه، حتى في اسرائيل عندما مال نتنياهو الى ترمب، أدبته أوروبا، وعاقبته الدولة العميقة في اسرائيل وعرقلت طموحه السياسي، وأفشلت نظرته التوسعية لجعل اسرائيل دولة توازي الدول المستقلة ذات السيادة، وهي في أصلها مستعمرة غربية أوجدتها بريطانيا بمساعدة الكيانات التي استحدثتها في  البلاد العربية، لمنع نشوء دولة عربية واحدة..